كِتاب دهاء شبكات التواصل الاجتماعيّ

شهدت العقود الماضية تَسارُعاً في التطوّر التكنولوجيّ لم تشهد البشريّة مثيلاً له، بحيث استند هذا التطوّر إلى نموّ تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات بشكلٍ ألقى بتأثيراته العميقة على مختلف النواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة في المُجتمعات كافّة. وفي الإطار نفسه، شهد حقل الذكاء الاصطناعيّ تقدّماً مُماثلاً في سرعته كما في حقول تطبيقاته، سواء في الإدارة والاقتصاد وما شابههما أم في حقول الطبّ والهندسة والتعليم…إلخ. وعليه، انكبّت الأدبيّات عالَميّاً على تأمّل هذه الثورة الرقميّة، تارة لجهة الجهود التي يجدر بذلها لمُواكبتها والإمساك بها، وتارة لفهْم تداعياتها وآثارها على المجتمعات وأنماط العيش بقنواتها المتشعّبة. 

في هذا السياق مال كِتاب الباحث اللّبناني د. غسّان مراد الصادر حديثاً بعنوان “دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي” إلى تلمُّس تداعيات الثورة الرقميّة على مجتمعاتنا العربيّة، ولاسيّما أنّنا بتنا نعيش عوالِم ثلاثة لخّصها مراد كالآتي: أوّلاً عالَم الإنترنت لدى كلّ فرد يعيش عصر الشبكات الرقميّة؛ ثانياً العالَم المُباشر “الذي نعيش فيه فعليّاً، ونتواصل فيه بوجهٍ واضح وبهويّة مُحدَّدة…”؛ ثالثاً عالَم الأحلام التي “تُراودنا في يقظتنا وفي مَنامنا”. فيميل المؤلِّف إلى تأمُّل تداعيات الثورة الرقميّة على مجتمعاتنا العربيّة إذاً، أكثر من مَيله إلى دراسة السُبل الآيلة إلى تسريع انخراط مُجتمعاتنا في تلك الثورة، بما في ذلك كيفيّة الإفادة من مُنتجات تكنولوجيّات المعلومات والاتّصالات وتطبيقاتها واستخداماتها؛ أي “الإضاءة على بعض المفاهيم والتغيّرات التي حدثت جرّاء ولوج الرقميّات إلى حياتنا”، كتبيان “ما يحدث في مجالَي الإعلام والسياسة، وصولاً إلى ما بات يُعرف بـ “ما بعد الإنسانيّة”، من خلال تداخُل الإنسان ( دماغاً وجسداً) وترابطه مع الآلة”. 

وعليه، تشعّبت الأسئلة لدى غسّان مراد بمقدار ما توسّعت فصولُ كتابه الإثنا عشر. كما تداخلت الموضوعات بشكلٍ يكاد أحياناً يغلِّب اتّجاه الكِتاب إلى الخلط بين آثار الرقميّات على حيواتنا من جهة، وبين الدور الذي ينبغي أن نقوم به من جهة ثانية، أفراداً وجماعات ودولاً أو حكوماتٍ، لكي نتملّكها ونستوعبها ونتأقلم معها قبل أن تقوم هي بتملّكنا واستيعابنا. 

الحماية من تغوُّل الرقمَنَة

وعلى الرّغم من تشعُّب الموضوعات هذه إلى حدّ تشظّي طروحاتها والأفكار الواردة فيها وتشرْذمها أحياناً (وهو ما قد يُعاب على الكِتاب)، إلّا أنّ خيطاً جامِعاً يُعيد نسج ما انقطع، ويتمثَّل هذا الخيط الجامِع تحديداً في تمييزه بين التقنيّة ومُستخدِمها، أي الإنسان؛ ذلك أنّ التقنيّة، ومهما علا شأنها، رواجاً وتطوّراً واتّساعاً، لا يُمكنها أن تُصبح سلطة، لأنّ هذه السلطة مشروطة بالمَعرفة، لا بالمعنى الفلسفي الذي اجترحه فوكو، بل بمعنى قوّة المعرفة- أي معرفتنا نحن البشر عموماً والعرب خصوصاً- التي من شأنها أن تحول دون تسلّط الآلة علينا. فكان أن تطرّق الكِتاب إلى كلّ ما من شأنه أن يحمينا من تغوُّل الرقْمنة بأشكالها المتعدّدة، ولاسيّما تنمية العقل والوعي: فهل يعني الوصول إلى المعلومات اكتسابها بالمعنى المَعرفي؟ وهل إنّ انتشار الأجهزة الرقميّة في مجتمعاتنا يعني بالضرورة إسهامها في تقدُّم مجتمعاتنا من النواحي الاقتصاديّة والتربويّة والتعليميّة، وحتّى الاجتماعيّة؟ وهل تتقلّص الفجوة المعرفيّة لدينا بمجرّد الحصول على أجهزة إلكترونيّة وتطبيقات رقميّة؟ أسئلة من هذا النّوع طرحها الكِتاب تاركاً للقارئ لململة أجوبتها ليبني بنفسه المشهد العربيّ العامّ ويتلمّس بنفسه معالِم الطريق في عالَم الرقمنة هذا. من هذه الأجوبة/ الشواهد نذكر مثلاً كلامه على التطرّف والإرهاب، حيث يسأل ما إذا كانت التقنيّات الرقميّة قد نجحت في مواجَهتهما قبل أن يجيب قائلاً: “لم تُسهم شبكة الإنترنت في تصحيح صورة العربي عند جزء كبير من قاطني الدول الغنيّة التي تنتشر فيها تلك الشبكة بقوّة، بمعنى أنّ التقنيّات لم تُسهم في فَهْم الآخر بشكلٍ فعليّ”؛ ويسأل ما إذا كانت هذه التقنيّات قد ساعدت على تفهُّم الإسلام، سواء في مساحاته الجغرافيّة- الدينيّة أم في الغرب، ويجيب: “تكفي مُطالعة الانتخابات الأخيرة في دول الغرب، لتلمُّس مدى اطّراد التطرّف في ذلك الجزء من العالَم أيضاً”. وفي سياقٍ مُماثل يسأل مراد ما إذا كانت هذه التقنيّات قد ساعدت أو أسهمت في مُكافَحة “التجهيل” الذي يُمارسه الإعلام العربي، ولاسيّما على صعيد نقل العلوم وتبسيطها أمام القارئ العربي؛ حيث يبدو أنّ “الأدب بأنواعه وأجناسه هو المجال الوحيد المُعتبَر ثقافة”. كما تساءل أيضاً عمّا إذا كان المحتوى الرقمي العربي يتعزّز باللّغة الأمّ وبما يؤدّي إلى نشر المعرفة…

سؤال الأسئلة

تعدّدت تعريفات الذكاء الاصطناعي، وأمّا تعريفه البسيط والوافي، فهو “ذلك الحقل من العلوم الذي يُعنى بابتداع أو تصميم منظومة، أو آلة، أو سيرورة (process) تقوم بوظائف تتطلَّب قدراً من الذكاء شبه البشري، وتُعوِّض، أو تدعَم، الإنسان في القيام بها. ويتطلّب ذلك استيعاب الصفات المنهجيّة للمَسائل وطُرق حلولها بهدف تزويد المنظومة أو الآلة (الحاسوب) أو السيرورة (الخوارزمية) بقدراتٍ للحلّ يُمكن مُقارنتها بالإنسان”(عبد الإله الديوه جي، “الذكاء الاصطناعي والروبوتيّات”، في الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي: واقعه وتحدّياته وآفاقه، التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافيّة، بيروت، مؤسّسة الفكر العربي، 2017-2018).

وعليه، جاء سؤال الأسئلة لدى غسّان مراد حول حدود الذكاء الاصطناعي ليتمِّم البُعد الإنساني لخطابه المُناصر للإنسان. فهو إذ ينفي أن تكون التقنيّات قد حقّقت الحلم القديم- الجديد بصنع ذكاء اصطناعي حقيقي، من دون أن يستند بذلك إلى مجرّد نزعة إنسانويّة خالصة، بل إلى حجج عِلميّة (لا مجال لإيرادها في هذه المقالة) تؤكّد أنّ الإنسان ظاهرة مركّبة لا يُمكن اختزالها، يبدو، أي مراد، كمن غلّف أسئلته الفرعيّة كلّها بسؤال أساسي هو الآتي: هل يصل الإنسان إلى تحويل تفسه إلى آلة ذكيّة، أي إلى الإنسان السيبراني (السيبورغ)، المدعَّم بأعضاء يسندها الذكاء الاصطناعي؟ 

صحيح أنّ “هناك قفزة أساسيّة حدثت عند كِتابة الكلمات (اللّغة) على شكل أرقام، بمعنى تمثيل الكلمات والجُمل والنصوص (مكتوبة أو شفاهية) في أرقام، ثمّ حوسبتها ووضعها في خوارزميّات وبرامج متنوّعة”، لكنّ المهمّة الصعبة تتمثّل بحسب مراد في توصُّل “الأرقام إلى فهْم النصوص وإدراك معانيها ومغزاها”، وهو الأمر الذي يبدو صعب المنال. والباحث غسّان مراد بطرحه أمثلة كهذه لا يرمي إلى تبيان أنّ الذكاء الاصطناعي غير موجود على الرّغم من كلّ التقدُّم المُحرز فحسب، بل إلى الحثّ على التساؤل حول ماذا يبقى من إنسانيّتنا؟ وانطلاقاً من هنا جعل من مقولة آينشتاين (1879 – 1955)، “التقدّم التقني مثل الفأس التي نضعها بيد مُختَلّ عقليّاً”، استشهاداً زيَّنَ أحد عناوين الفصل الثامن من كِتابه “نحو إنسانيّة جديدة هجينة: عالَم السيبورغ”. 

ولعلّ حرص مراد على إنسانيّة البشر وأصالتهم دفعه إلى تخصيص مساحة رائعة بعنوان “تسخيف أمنيات الأعياد في شبكة الويب والسوشيال ميديا”، ينتقد فيها المُعايدات التي تتمّ بصورة آليّة عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعيّة وتطبيقات الواتس آب والإنستغرام والفليكر وغيرها، وحجّته في ذلك أنّ المُعايدة لم “تعُد مُغامرة فعليّة، نفكِّر في مَن يتلقّاها وأحواله وعلاقتنا الفريدة معه”، ما أفقدها سحرها لأنّ بطاقة المُعايَدة هذه أصبحت تُشبه بقيّة البطاقات التي صار سهلاً انتحالها وتوزيعها بلمسة شاشة، ناهيك بوَهم السعادة الذي تُفبركه شاشات التواصل الاجتماعي، إذ توحي بأنّ الآخرين سعداء دوماً في حين أنّ أحوالنا التي نُحاول إبرازها بالصور ليست “هي عينها الحال التي نكون عليها عندما نضعها على مَواقع التواصل”. 

أفق – د. رفيف رضا صيداوي/ مؤسّسة الفكر العربي

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


40 − 31 =