الإجهاض في المغرب

بقلم – الزهرة زاكي

أيقظت قضية الصحفية “هاجر الريسوني” موضوع الإجهاض بالمغرب، وذلك بعد اتهامها بارتكاب “جريمة” الإجهاض غير القانوني وممارسة الجنس خارج إطار الزواج.

هذه القضية التي أثارت غضب دعاة الحريات الفردية في المغرب، كما أثارت على نفس الصعيد غضب المتشددين والمتأسلمين، قضية ما زال التحقيق فيها جاريا، ونتمنى أن تتحقق العدالة لهاجر بصفة خاصة، وللحريات الفردية في المغرب بصفة عامة، وأن يعاد النقاش في هذا الأمر لهو أمر ضروري جدا، لأنه من الطابوهات التي لا نقرب أدق خطوطها إلا في خجل دون الخوض فيها عميقا، وهذا يبقى دور الجمعيات التي تعالج فقط الحقوق العادية للمرأة متناسية هذا الحق الذي -أغفل أو اعتبر خطا أحمر- تسبب في قتل نساء وتشريدهن، وخروج أخريات إلى دور الدعارة، وبانعدامه أيضا كثرت الأمهات العازبات بالمغرب .
قانون تجريم الإجهاض في المغرب:
في سنة 2015 اندلعت حرب بين الحداثيين والإسلاميين حول موضوع الإجهاض، آنذاك خرجت جمعيات حقوقية نسائية تطالب بتقنين الإجهاض حفاظا على حياة النساء، وحفزت على الإجهاض العلني الذي يجب أن يجرى في ظروف طبية ملائمة تحت إشراف أطباء متخصصين، ويحافظ بذلك على صحة المرأة لأنها أولى بالحياة من جنين جاء عن طريق زنا أو اغتصاب، أو قد يولد بتشوهات خلقية خطيرة .
وبعدما تطور النقاش بين مؤيد ومعارض ومحايد أمر الملك محمد السادس، في مارس 2015 بتعيين لجنة رسمية تحدد الحالات المسموح فيها بالإجهاض، وقد خرجت اللجنة بثلاث حالات يمكن أن يسمح بها للقيام بالإجهاض، وهي:
1/ تنصّ المادة الأولى في الفصل (1-453) على “عدم المعاقبة على الإجهاض إذا كان ناتجاً عن اغتصاب أو زنا المحارم، وذلك شريطة أن يقوم به الطبيب في مستشفى عمومي أو مصحة معتمدة لذلك، وأن يتم قبل انقضاء تسعين يوماً على الحمل”.
2/ المادة الثانية في الفصل (2-453) تنصّ على “عدم المعاقبة على الإجهاض إذا كانت الفتاة الحامل مختلة عقلياً شريطة أن يقوم به طبيب في مستشفى عمومي أو مصحة معتمدة لذلك، وأن يتم قبل انقضاء تسعين يوماً على الحمل، وأن يتم بموافقة الزوج، أو أحد الأبوين إذا لم تكن متزوجة، أو النائب الشرعي إذا كانت قاصراً، أو الشخص أو المؤسسات المعهود إليها رعايتها”.
3/ المادة الثالثة في الفصل (3-453) فتنصّ على أن “يسمح بالإجهاض في حال ثبوت إصابة الجنين بأمراض جينية حادة أو تشوهات خلقية غير قابلة للعلاج وقت التشخيص، بواسطة شهادة تسلمها لجنة طبية يعينها وزير الصحة في كلّ جهة من الجهات، على أن يتم الإجهاض قبل مرور 120 يوماً من الحمل”.
والمطلع على هذه القوانين سيجدها واضحة سطرت لصالح صحة المرأة ونفسيتها، وكذا صورتها أمام المجتمع. لكن للأسف تأخر هذا النص في الخروج إلى حيز الوجود بعد ثلاث سنوات من تقديمه دون أن نعلم السبب وراء التماطل؟ هل بعد ضجة “هاجر الريسوني” قد تجري عليه تغييرات جوهرية تخفف قيوده؟ وهل بزوال الحزب الإسلامي المتشدد قد يفرج على هذا القانون ويخرج للوجود؟
الإجهاض في المغرب مشكل ديني بعيد عما هو حقوقي أو علمي:
في كل مرة يطرح فيها مشكل الإجهاض في المغرب، يذهب الكل إلى الدين ليهرب من الإجابة أو يعلق جهله وعدم مقدرته على الحوار وإيجاد حل للظاهرة، فيدور ويدور ويقول: “الإجهاض حرام” لأن فيه قتل للروح، ونسي أن الدين وإن كان قد حرم الإجهاض ولكنه أيضا حرم الظلم وحرم الفضيحة وأمر بالستر والتوبة، فهم تناسوا كل التساهلات الدينية وركزوا على الثابت منها، فلا هم حاربوا الجهل والأمية واجتهدوا في محاربة جرائم الشرف التي تأتي أغلبها بالاغتصاب والحمل خارج مؤسسة الزواج، ولا هم أعطوا حلولا ناجعة لتقنين الإجهاض .
إن إسلامنا أقر إمكانية الإجهاض في حال تأكيد الأطباء بأنّ الاستمرار في الحَمل قدْ يقتل الأم، ونسوا تماما أن الأم قد تموت إن لم تجهض. قد تتعرض للقتل من طرف أهلها إن كان الحمل نتج بعيدا عن فراش الزوجية. قد تموت إن ولدته ولم تستطع تربيته ومات جوعا وبردا أو سيعيش تحت مظلة “ابن الحرام”. أليس كل هذه الأمور شفاعة للمرأة إن أجهضت؟
التوعية الجنسية لن تقضي على الإجهاض لكنها ستقلله:
على المجتمع العربي عامة والمغربي خاصة كسر الطابوهات وكسر الخجل والانفتاح أكثر وعدم الخوف من الدين، لأن الدين رحمة وليس نقمة، وألا نسقط كل شيء على الدين، فهناك أمور صنعها الإنسان وأرجعها للدين هروبا من نفسه ومن حوله. علينا تجاوز سياسة “العيب” و”الحرام” كضرورة لبناء عقلية إنسانية لا حيوانية ولتجاوز عدة مشكلات تعد عوائق ضد تطورنا الحضاري أهمها الأمراض المنتقلة عبر الجنس، وأيضا الزيادة السكانية الهائلة لما تحمله من آثار على البيئة والمجتمع بكافة جوانبه.
إن التوعية الجنسية ليست حلا أكيدا في القضاء على الإجهاض، لكنها ستقلل منه بشكل كبير، فمن خلالها ستحب المرأة جسدها وتحترمه ولن تعامله مستقبلا كسلعة أو كوسيلة إرضاء لآخر، وحتى إن فكرت بإمتاع ذلك الجسد فإنها ستعمل على توفير احتياطات كثيرة لتمنع الحمل، وعيا منها أن السماح بإنجاب طفل بدون أبوين يعد هلاكها واغتيالها جسديا أو معنويا. وأيضا بالتوعية الجنسية سيترسخ عند الرجل مفهوم احترام الإناث واحترام أجسادهن واحترام العلاقة المستقبلية التي ستنشأ بينه وبين المرأة وتعريفه أيضا بالجوانب الإنسانية لهذه العلاقة التي تتعدى إرضاء الغريزة أو التناسل فحسب.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


6 + 2 =