بلمقدم زكرياء(*)
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والظهور السريع للاقتصاد الأمريكي) خطة مارشال لإعادة الإعمار في أوروبا (جاءت اتفاقية بريتون وودزسنة 1944 من أجل فرض السياسة الأمريكية التيجعلت الدولار العملة العالمية لكل المعاملات التجارية.وعليه، بدأت الشركات الأمريكية العابرة للقارات تتمركز في معظم الدول الأوربية والآسيوية وقد زاد هذا التغلغل بعد انهيار معسكرالاتحادالسوفيتي.
كل هذا الانفتاح الأمريكي الناتج عن الغزارة في الإنتاج والاستهلاك جعل الاقتصاد العالمي يتمحور حول التجارة الأمريكية والدولار الذي أصبح امتلاكه أكثر أمان من سبائك الذهب.لكن منذ تسعينيات القرن الماضي، بدأ الاقتصاد الصيني صاحب أكثر من مليار نسمة، نتيجة التخطيط المحكم للحزبالحاكم، يشكل تحدي مهم خصوصا للولايات المُتَّحِدَة الأَمرِيكِيَّةوأوروبا.
فبعدما كانت توصف الصين بأنها المعمل الكبير للعالم الذي ينتج بأقل تكلفة، بدأ الحزب الحاكم الصيني يدفع دفة الاقتصادالصيني إلى قطاع الخدمات وتكنولوجيا ثم نهاية بالاستثمار المباشر خارج الحدود خصوصا في أوروبا وأمريكا. وعليه، أصبح الاقتصاد الصيني يأثر بشكل مباشر على المؤسساتالعالمية (وزراء في دول أوروبية أصبحوا فيما بعد مستخدمين في الشركات الصينية مقابل رواتب جد سمينة!) وأماكن آتخادالقرارات الدولية.
هذه الهيمنة الصينية الناعمة من داخل المؤسسات العالمية جعلت الرئيس الأمريكي السابق دولاند ترامب يوقف مساهمات بلاده في العديد من المؤسسات العالمية التي أصبحت آداه طيعة للسياسة الصينية العالمية (عدم إدانة منظمة الصحة العالمية للصين في قضية كوفيد 19 …). التي أصبحت أمريكا تعتبرها تهديدا وجوديا لها.
و من أجل الحد من هذا التهديد ، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كل الإعانات السياسة والعسكرية لكل من اليابان و كوريا الجنوبية وتايوان وذلك من أجل الحد من القوة النامية للإقتصادالصيني و ضمان السيطرة الأمريكية على بحر الصين الذي يعتبر الشريان العالمي للتجارة الدولية. بل إن الرئيس الحالي جو بايدن أكد لأكثر من مرة أن الجيش الأمريكي سيتدخل ليدافع عن تايوان إذا تعرضت للغزو في حين نفى منذ البداية أن يكون هناك أي تدخل مباشر في الأزمة الأوكرانية الروسية.
ويجب التذكير بأن سيطرة الصين على تايوان تعني الهيمنة على أهم طرق التجارة العالمية(بالإضافة إلى السيطرة على أهم مصدر لصناعة رقائق الحواسيب في العالم) مما قد يهوي بالدولارالأمريكي إلى مستويات قياسية.
فهل تتورط الولايات المتحدة الأمريكية في حرب التحرير الفلسطينية خصوصا أن يوم 7 أكتوبر شكل ضربة استراتيجية ووجودية بإعتراف دولة الاحتلال ؟
إن تورط الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر في أي حرب إقليمية في الشرق الأوسط تعني ترك الباب مفتوح امام العملاقالصيني من أجل ضم جزيرة تايوان (بالطرق الدبلوماسية أو بشكل عسكري أو هما معا) كما فعلت مع هونغ كونغ وماكاو.كماأن عدم التدخل في النزاع القائم يعني تهديدا وجوديا لدولة الاحتلال و بداية الدولة الفلسطينية المستقلة.
فهل تكون الحسابات الاقتصادية والدولية هي المؤطر لأي تدخل عسكري أمريكي في الشرق الأوسط؟ أم إن الجناح الدينيالمتعصب (الداعم لجرائم لدولة الاحتلال) سيفضل مستنقع الشرق الأوسط ولو كان الثمن سيطرة الصين الكاملة على أهم طرق التجارة العالمية ، الشئ الذي سيؤدي إلى آنهيار قيمة الدولار و سيطرت العملاق الصيني على معظم مكونات الاقتصاد العالمي.
(*) أستاذ جامعي بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسييربالجديدة

قم بكتابة اول تعليق