الأشياء والإنترنت: ذكاء في خدمتك

أفق – محمود برّي

إنترنت الأشياء… العبارة نصف مفهومة. وإن شئت الدقّة، فالعبارة مكوّنة من نصفَين، كلّ نصف منهما واضح بذاته ومفهوم بمفرده. لكن حين يدخلان في مصفوفة واحدة (عبارة واحدة) يلفّهما الإبهام.

الإنترنت أوّلاً. كلّنا يسمع بالإنترنت، معظمنا يَستخدمها، والأغلبيّة لا تستغني عنها أبداً. صحيح أنّ كثيرين بيننا يجهلون مبادئ هذه القوّة العصريّة الرائعة ونشأتها، وكيفيّة عملها ومختلف مواصفاتها، لكنّ هذا لا يعيق هؤلاء عن استخدامها، تماماً كما نستقلّ الطائرات من دون أن نعرف تماماً كيف نقودها أو كيف تطير. 

هذا بالنسبة إلى النصف الأوّل من العبارة. أمّا النصف الثاني، فهو أكثر يسراً وسهولة على الفَهم. فالأشياء هي الأشياء. وتوضيح الواضح ليس حاجة. القلم والورقة من الأشياء. والكومبيوتر أيضاً، وكذلك المطرقة والحذاء والرفّ وعلبة الخيطان. لا أحد يجهل معنى اللّفظة. 

لكنّ هذا البسط لا يدوم ويُفسح المكان للتعقيد: إنترنت الأشياء. المعنى يضطّرب مجدّداً ويُعميه التشويش. فما العلاقة بين الإنترنت والأشياء، وماذا يعني هذا بالضبط وببساطة ووضوح؟ 

لا أقول ما سوف يلي بهدف التشويق، بل هو واقع: ليس هناك تعريف رسمي مُعتمد لـ “إنترنت الأشياء”، بل ثمّة العديد من التعاريف، والمُطمْئن أنّها كلّها تصبّ في مفهومٍ واحد غير مُلتبس: دمْج أو إدخال الإنترنت في الأشياء التي نستخدمها. لا يهمّ هنا الـ “كيف” لأنّه شأن التقنيّين. لكنّ الإدخال بذاته أمرٌ جميل يتيح لهذه الأشياء أن تتحرّك وتعمل. وهذا يذكّرني بالروح التي هي علّة الحياة والحركة في الجسم الحيّ، ومن دونها يصير الجسم جثّة…أي نَوعاً من “الأشياء”. وبفضل هذه “شبه الروح” التي يدسّها العِلم في الشيء، يُصبح بوسعنا تشغيل الشيء وتوجيهه بحسب الرغبة. المكيِّف مثلاً، نُشغِّله ونأمره “إلكترونيّاً” بأن يُثبِّت حرارة الغرفة على 22 مئويّة، لا أكثر ولا أقلّ. “نأمره” ثمّ ننصرف إلى شؤوننا. وتقوم الآلة (المُكيِّف) التي هي “شيء” بتلبية الأمر بدقّة الآلة، وذلك “بفضل” الإنترنت. هذا يحصل أيضاً مع البرّاد (الثلّاجة) ومع الغسّالة ومع كاميرا المُراقَبة ومع الصاروخ “الذكي”… كلّ شيء نُدخل فيه الإنترنت، يصبح من عالَم إنترنت الأشياء. والمعنى أنّ إنترنت الأشياء Internet Of Things هو مفهوم متطوّر لشبكة الإنترنت بحيث يجعل لكلّ الأشياء في حياتنا قابليّة الاتّصال بالإنترنت (وأيضاً ببعضها البعض) لإرسال البيانات (التوجيهات أو الأوامر) واستقبالها وتأدية وظائف ومهامّ محدَّدة من خلال الشبكة. يُمكنك أن تستخدم هاتف الجيب من بعيد لـلاتّصال بعائلتك، ويُمكنك أيضاً، وبالهاتف ذاته، أن “تأمر” سخّان الماء أن يعمل، حتّى إذا وصلتَ إلى البيت، وجدتَ الظروف مُلائمة لما تريد. ويُمكنك توجيه أمر مشابه إلى الغسّالة مثلاً، حتّى لو كنتَ في مدينة أخرى أو خارج البلد. فطالما أنّ وسيلة اتّصالك بالأشياء هي الإنترنت، وهذه تعمل عبر الفضاء “السيبرانيّ” بصرف النّظر عن المسافة، فالاتّصال مضمون وكذلك توصيل الرسائل والتوجيهات والأوامر (البيانات) التي تريدها إلى الآلات (الأشياء التي تُنفِّذ).

وهنا إضاءة صغيرة كي لا تصبح ثقيلة بعد حين: بفضل إنترنت الأشياء يُمكنك التواصل مع الأشياء ــ آلاتك (في البيت وفي المكتب وفي مقرّ العمل…)، ويُمكنك أيضاً بَرمَجة هذه الأشياء لكي تتواصل مستقلّة مع بعضها البعض. أسهل الأمثلة على هذا أجهزة حماية الأبنية والمقرّات المهمّة (منزلك أو البيت الأبيض الأميركي مثلاً). فهذا النَّوع من الأجهزة يكون مُبرمَجاً كي يعمل تلقائيّاً في ظروف معيّنة. تندلع نار في إحدى الغرف، فتنطلق صنابير الماء تلقائيّاً لإخمادها. هذا في بيتك. أمّا في بيت رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة، فإطفاء النار أمر بسيط. الأعقد يحصل حين يَقتحم جسمٌ مجهول محيط الأمان للبناء، فتنطلق عندها أجهزة الحماية للتصدّي له (صواريخ وأشباهها). في مثل حالة النار والحريق، يقوم جهازٌ حراريّ مُستقِلّ بعمله على مدار الساعة، يكتشف اندلاع النار، ويُوجّه أمره إلى صنابير الماء كي تعمل، ويوجِّه أمراً أخر لتشغيل نفير الحريق للإنذار. أو يرصد الخطر المقبل، فيأمر أجهزة الدفاع التلقائيّة بالتصدّي. المعنى أنّ الآلات من تلقائها تتواصل مع بعضها البعض، وتتصرّف. وهذا بفضل الإنترنت والبرمجيّات المناسبة. 

كيف ابتدأ هذا كلّه؟

في عالَم إنترنت الأشياء الذي بدأنا نعيش بعض جوانبه، كلّ شيء بات يُمكن أن نُدخله تحت مفهوم إنترنت الأشياء: الملابس، الأثاث، الأواني المنزليّة، أعضاء الجسم، الشوارع، بل وحتّى الحيوانات! أيّ شيء يُمكن أن تلتصق به وحدة مُعالَجة وخاصيّة اتّصال بالإنترنت، يُصبح من ضمن عالَم إنترنت الأشياء. 

لندخل قليلاً أكثر في موضوع هذه الأشياء التي هي أجهزة، والتي بوسعنا تشغيلها عبر الإنترنت، هذه الأشياء التي تحيط بنا لتحقيق العديد من المهامّ التي جرت بَرمجتها لتأديتها، مع ما يتضمَّن ذلك من فُرص مستقبليّة هائلة في هذا المجال.

فكيف ابتدأ ذلك كلّه ومن أين؟ وكيف تطوّرت هذه التقنيّة؟ وما هي المبادئ التي تحكم اللّعبة برمّتها؟

حدث ذلك من ضمن تسلسل تاريخي: في ثمانينيّات القرن الماضي وتسعينيّاته عشنا والعالَم عصر الحوسبة والحواسيب المكتبيّة والشخصيّة، واجتاحت هذه المَوجة معظم العالَم لمدّة عقدَين على الأقلّ. كانت رسالةُ أكبر شركات الحَوسبة والرقميّات، أعني “مايكروسوفت” حينها، بسيطة ومُتفائلة: “جهازٌ على كلّ مكتب وفي كلّ منزل”. الرسالة لم تَجد مَصاعب أساسيّة في سبيل تحقيقها، فاجتاحت الحواسيبُ الأمكنةَ. ومع تطوُّر المُعالجات والشاشات، انتقلنا إلى عصر الحركة والتجوالMobility ، حيث شكّلَ ظهور الآي فون في مطلع العام 2007 انطلاقة الحقبة الجديدة من التكنولوجيا، والعصر الجديد للحَوسبة. ومن ذلك الوقت وحتّى اللّحظة ونحن نحمل في جيوبنا ما يستطيع القيام بمهامٍّ تفوق (حَجماً وسرعةً وكفاءة) تلك التي كان يقوم بها حاسوبٌ مَكتبيّ ضخم كان يقبع على مَكاتبنا قبل 10 سنوات.

اليوم، نحن في مرحلة عصر الأجهزة المحمولة من هواتف وحواسيب (الخلوي واللّابتوب)، وهذه سنعيش معها لسنوات عدّة قادمة. إنّما ثمّة موجة تسونامي ضخمة تلوح أمامنا في هذه السياق، وها هي العديد من ملامحها باتت ماثلة أمامنا، وتوشك أن تجتاحنا بالكامل: مَوجة إنترنت الأشياء. قريباً سيكون كلّ ما حولنا خاضعاً لسلطان هذه المَوجة. حتّى الحيوانات، كما سبق القول، بل إنّ هذا قد ابتدأ بالفعل. على سبيل المثال، فإنّ الكثير من مزارع الأبقار في غير مكان من العالَم بدأت توصل أجساد الأبقار إلى الإنترنت لمُراقبة وضعها الصحّي وخصوبتها ونسبة بعض الهورمونات في جسدها والتي تدلّ على أفضل وقت لحلبها، ما يُسهِم في اتّخاذ قرارات دقيقة لتحسين عمليّة الإنتاج.

إنترنت الأشياء في يوميّاتنا

إنترنت الأشياء يُمكنها أن تشمل الإنسان أيضاً، وذلك من خلال زرع أجهزة مُبرمَجة في الجسم تعمل تلقائيّاً عند الحاجة. على سبيل المثال: آلة (ذكيّة) لضخّ الأنسولين بنسبة محدَّدة بدقّة، في سبيل مُواجَهة عوارض مرض السكّري. هذه الآلة تعمل من تلقائها، عند الحاجة، ولا داعي للقلق.

لكن، وبعيداً عن الحاجة المرضيّة، تتجلّى إنترنت الأشياء في اليوميّات العاديّة لتقدِّم خدماتها الشخصيّة لمَن يريد. والأمثلة كثيرة:

تستيقظ صباحاً، تغسل أسنانك باستخدام فرشاة الأسنان “الذكيّة”، وهذه تخبرك كَم من الوقت استخدمتَها، وما إذا قمتَ بتغطية مختلف أنحاء أسنانك وفمك بطريقة سليمة أم لا!

ترتدي ثيابك للخروج من المنزل، تقف للحظات أمام المرآة “الذكيّة”، فتُطلعك على حال الطقس في الخارج وأحدث الأخبار والمعلومات عن حال الطريق. يُمكنك أيضاً الاطّلاع على ملخّص الأخبار السياسيّة إن شئت. 

في الطريق إلى عملك تقف عند مقهى معيّن لتشتري “كافي لاتيه” وتطلب من البائع تعبئته في كوبك “الذكي” (الذي سبق أن اشتريته بـ 200 دولار)، فيخبرك الكوب عن طبيعة ما سكبه لك البائع، ومكوّناته، وما إذا كان هذا ما طلبته فعلاً أو مشروباً آخر… 

في طريق العودة إلى المنزل تتوقّف عند “السوبر ماركت” لشراء بعض الحاجيّات، ولكنّك لست متأكّداً ممّا إذا كان هناك ما يكفي من البيض مثلاً في ثلّاجة المنزل، فتفتح شاشة هاتفك على التطبيق الذي يخبرك كم من بيضة متبقيّة هناك، وما إذا كان بعضها قد فسد!

بعد وصولك، يعطيك تطبيق “الأمّ الحنون” ملخّصاً عن عائلتك، متى عاد الأولاد من المدرسة، مَن منهم قام بتنظيف أسنانه، هل تناوَلت والدتك أدويتها في الموعد…

بعد أن ترتاح قليلاً، تقوم بارتداء بذلة الرياضة المزوَّدة بمجسّات تعمل على تحليل أدائك الرياضي ولياقتك القلبيّة والتنفسيّة بشكلٍ دقيق، لتطَّلع عليها… ودائماً على شاشة هاتفك. 

تجلس مع عائلتك على مائدة العشاء وتتناول طبقك المفضَّل باستخدام الشوكة الذكيّة المتّصلة بالإنترنت، والتي تُراقب نمط وطريقة تناولكَ الطعام، وتساعدكَ على الأكل بشكلٍ أبطأ وبطريقة صحيّة.

الآن وأنت تستعدّ للنوم، تقوم من خلال هاتفك بإغلاق جميع الأبواب الخارجيّة المزوَّدة بأقفالٍ إلكترونيّة مرتبطة بالإنترنت تسمح لك بتحديد أوقات القفل والفتح أوتوماتيكيّاً وتحديد ما إذا كان أيّ شخص قد حاولَ فتح الباب بغيابك.

هذا كلّه ليس خيالاً ولا شأناً مستقبليّاً. ففي تصرّفك اليوم مُنتجات يُمكن شراؤها، لتجعل هذا السيناريو طقساً يوميّاً اعتياديّاً. والفضل كلّه يعود إلى إنترنت الأشياء، هذه الإمكانيّة التي باشرت عملها في تغيير نمط حياتنا، ومَن يدري كيف سيكون الوضع عليه بعد عشر سنوات، وما الذي يُخفيه لنا هذا العالَم بعد من خدمات ومفاجآت؟

الخدمات مهمّة. أما المفاجآت فعسى أن تكون طيّبة، فحين تنشط الأشياء، لا شيء يكون مضموناً.

كان جدّي، له الرحمة، يقول: العاقل لا يحبّ المفاجآت.

كاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


68 − = 58