الذكاء الاصطناعيّ وتداعياته المستقبليّة على الإنسان

نسيب شمس*

كَشَفَت الصين عن أوّل مذيع أخبارٍ آليّ يعمل بتقنيّة الذكاء الاصطناعي في العالَم، حيث يستطيع المذيع المُلقَّب بـ”إي آي” قراءة الأخبار مُستنسِخاً قُدرة مقدِّم النشرات الحقيقيّ. وكانت الصين أعلنت في أيّار (مايو) الماضي عن إنشاء مَحكمة ذكيّة فيها قاضٍ واحد، يُساعده كاتِب ضبط آليّ. وتُعدّ هذه المَحكَمة الأولى التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. فالقاضي هو الشخص الوحيد الحاضر في قاعات المُرافعات، وينسِّق مع المدّعي العامّ والمُحامي والمُدَّعى عليه عبر أجهزة الحاسوب. ويتمّ تسجيل جلسة المُحاكَمة من البداية إلى النهاية من طَرَف رجلٍ آليّ يتمتّع بالقدرة على التمييز بين الأطراف المُتنازِعة واستيعاب لَهجاتهم المُختلفة.

لا شكّ أن البشريّة على أبواب ثورة جديدة ستغيِّر شكل حياة البشر، ثورة عمادها الذكاء الاصطناعي، وتُعَدّ ثورة شاملة على مُختلف المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة وغيرها، لأنّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتفرَّع وتتزايَد بصورة لا يُمكن استيعابها وحصْرها؛ فهي تكاد تدخل في المجالات الإنسانيّة كافّة. ويُعرَّف الذكاء الاصطناعي على أنّه أحد فروع علوم الكومبيوتر المَعنيَّة بكيفيّة مُحاكاة الآلات لسلوكِ البشر. وقد قام جون مكارثي (John McCarthy) بوضْع المُصطلَح (الذكاء الاصطناعي) في العام 1956، مُعرِّفاً إيّاه بأنّه عِلم هندسة إنشاء آلات ذكيّة، وبصورة خاصّة برامج الكومبيوتر؛ فهو عِلم إنشاء أجهزة وبَرامج كومبيوتر قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري، وتتعلَّم مثلما نتعلَّم، وتُقرِّر كما نُقرِّر، وتتصرَّف كما نتصرَّف.

ولمّا كان الذكاء الاصطناعي عبارة عن أنظمة كومبيوتر تُحاكي الإنسان أو البشر في تصرّفاتهم، فهذا لا يعني أنّ أيّ قطعة برمجيّة تعمل من خلال خوارزميّة مُعيّنة، وتقوم بمَهامٍّ مُحدَّدة يُمكن اعتبارها ذكاء اصطناعيّاً. ومن أجل أن نُطلق هذا المُصطلح على نظام كومبيوتر، يجب أن يكون قادِراً على التعلُّم، وجمْع البيانات وتحليلها، واتّخاذ قرارات بناءً على عمليّة التحليل هذه، بصورة تُحاكي طريقة تفكير الإنسان.

أنواع الذكاء الاصطناعيّ

يُمكن تقسيم أنواع الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أنواع رئيسة تبدأ من ردّ الفعل البسيط وصولاً إلى الإدراك والتفاعُل الذاتي، وذلك على النحو التالي:

1- الذكاء الاصطناعي الضيّق أو الضعيف Narrow AI or Weak AI: هو من أبسط أشكال الذكاء الاصطناعي، وتتمّ بَرمجته للقيام بوظائف معيّنة داخل بيئة محدَّدة، ويُعتبر تصرّفه بمَنزلة ردّة فعل على مَوقف مُعيَّن، ولا يُمكن له العمل إلّا في ظروف البيئة الخاصّة به، مثلاً: “الروبوت ديب بلو”، الذي ابتكرته شركة IBM، وقامَ بلعْب الشطرنج مع بطل العالَم غاري كاسباروف وهَزَمه.

2- الذكاء الاصطناعي القويّ أو العامّ General AI or Strong AI: يَمتاز بالقدرة على جمْع المعلومات وتحليلها وعلى مُراكَمة الخُبرات من المَواقف التي يكتسبها، والتي تؤهِّله لأن يتّخذ قرارات مستقلَّة وذكيّة، مثل روبوتات الدردشة الفوريّة، والسيّارات ذاتيّة القيادة.

3- الذكاء الاصطناعي الخارِق Super AI: لا زالت أنواع الذكاء هذه قَيد التجارب وتسعى إلى مُحاكاة الإنسان، ويُمكن التمييز بين نمطَين أساسيَّين منها: الأوّل يحاول فَهْم الأفكار البشريّة، والانفعالات التي تؤثِّر في سلوك البشر، ويملك قدرة محدودة على التفاعُل الاجتماعي. والثاني هو نموذج لنظريّة العقل، حيث تستطيع هذه النماذج التعبير عن حالتها الداخليّة، وأن تتنبّأ بمَشاعر الآخرين ومَواقفهم وأن تتفاعل معها؛ إنّها الجيل المُقبِل من الآلات فائقة الذكاء.

تداعيات الذكاء الاصطناعيّ

قام الجدلُ حول الثورة التي سيُحدثها الذكاء الاصطناعي، ولاسيّما أنّ هذه الثورة أكبر من قدرة البشر على استيعابها حاليّاً. وقد انقسمت آراء الخبراء حول الذكاء الاصطناعي إلى قسمَين رئيسَين: قسم رأى أنّه يُحسِّن حياة الأفراد ويَجعلها أكثر سهولة، كما صرَّح “مارك زوكربيرغ” رئيس ومؤسِّس مَوقع الفيس بوك. أمّا القسم الآخر فعبَّر عن مَخاوفه من التداعيات السلبيّة للذكاء الاصطناعي على حياة البشر، وغالى أصحاب هذا الرأي في تشاؤمهم إلى حدٍّ الذي جعلَ رئيس ومؤسِّس شركات “نسلا وسباس أكس” و”أيلون موسك” يتنبّأ بأنّه سيؤدّي في نهاية الأمر إلى نشوب حربٍ عالَميّة؛ في حين ذهبَ عالِم الفيزياء الكبير “ستيفن هوكينغ” إلى القول إنّ تطوير ذكاءٍ اصطناعيٍّ كامل قد يُمهِّد لنهاية الجنس البشري؛ ما يعني بحسب هذين الموقفَين المتناقضَين: إمّا سعادة البشريّة أو دمارها.

لم يقتصر القلق على شركات التكنولوجيا والخُبراء والعُلماء، بل طاوَل قادة الدول والسياسيّين، عندما أكَّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ “الذكاء الاصطناعي هو المستقبل ليس بالنسبة إلى روسيا فحسب، بل بالنسبة إلى الإنسانيّة بأسرها.. هناك إمكانيّات ضخمة ولكنْ هناك أيضاً مَخاطِر عديدة اليوم.. والذي سيُصبح قائداً في هذا المجال سيكون الحاكِم في العالَم” ( “بوتين يكشف مَن بنظره سيَحكم العالَم، سي إن إن بالعربيّة، 2 /9 / 2017). غير أنّ بوتين نبَّه وحذَّر في الوقت ذاته من مَخاطِر الذكاء الاصطناعي، لكونه ثورة تكنولوجيّة لها مميّزاتها، بقدر ما لها تهديداتها؛ فاختراع الطائرات مثلاً، يُمكن أن يجعل حياة البشر أسهل وأسرع، كما يُمكنه أن يقضي على هذه الحياة عبر توظيف هذا الاختراع للقتل والإبادة.

المَخاطِر العسكريّة والأمنيّة للذكاء الاصطناعيّ

توفِّر نُظم الذكاء الاصطناعي مميّزات متعدِّدة للقوّات العسكريّة، من حيث تحقيق الكفاءة والفاعليّة في ساحة المعركة، والحِفاظ على الأرواح البشريّة وحِمايتها، فضلاً عن مُكافَحة الإرهاب والتنبّؤ بالتهديدات المستقبليّة. ولكنّ لهذه النُّظم في الوقت نفسه مَخاطِر وتداعيات عدّة على الأمن القومي، من أبرزها: أوّلاً: نشوب سباق تسلُّح في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري: حيث شرعت الدول الكبرى، وبخاصّة الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا الاتّحاديّة والصين في تطوير تطبيقات متعدِّدة للأنظمة العسكريّة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ولا يتوقّف الأمر عند تطوير هذه النُّظم، بل يتعدّاه إلى دخول الدول في سباق تسلّح حولها، كما في سباق التسلُّح الأميركي – الصيني في تطوير أسراب الدرونز الطائرة. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دَوراً تصعيديّاً في التفاعُلات الصراعيّة بين الدول، في حال أخذنا في الاعتبار صعوبة تحديد هويّة الطَّرف القائِم بشنّ الهجوم، سواء في العمليّات العسكريّة الواقعيّة (من خلال طائرات الدرونز) أم في مجال السبيراني، وهو ما قد يَجذب الدول إلى التوسُّع في الاعتماد عليها، مع ما يترتَّب عن ذلك من تصعيدٍ للصراع بينها، أو يدفع دولة ما إلى استخدامها لاختلاق أزمة بين دولتَين أخرتَين.

ثانياً: التوظيف الإرهابي للذكاء الاصطناعي من قبل الفواعل من دون الدول: بحيث استفادت الجماعات الإرهابيّة من التطبيقات المُختلفة للذكاء الاصطناعي ووظَّفتها لأغراضٍ إرهابيّة. فإقدام “داعش” على تطوير درونز واستخدامها في تحميل موادّ متفجّرة، يشكِّل دليلاً واضحاً في هذا الإطار، ناهيك بالاستفادة منها في أعمال التجسُّس والتعقُّب والرقابة ورصْد الأهداف، وفي عمليّات الاغتيال، ولاسيّما أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تجعل عمليّات الاغتيال هذه أكثر دقّة، إذ تمَّ بناء درونز تعمل بأنظمة” التعرُّف إلى الوجه” (Facial Recognition)، لتحديد وجه الشخص المُراد تصفيته، وشنّ اغتيالات بصورة يصعب اقتفاء آثارها.

ثالثاً: احتماليّة اختراق نظم الذكاء الاصطناعي: إذ يُمكن للهجمات السبيرانيّة أن تخترِق نُظم الذكاء الاصطناعي العسكريّة، بحيث يُمكن للجهة المُهاجِمة في بعض الأحيان أن تُسيطِر على أحد الروبوتات العسكريّة، وإعادة توجيهها، ما يُلحق الأضرار بالأفراد أو بالمُنشآت التي ليست في دائرة الاستهداف أساساً. رابعاً: إمكانيّة خداع نُظم الذكاء الاصطناعي: حيث برزَ توجّهٌ لدى الأجهزة الأمنيّة في الدول الغربيّة للاعتماد على نُظُم الذكاء الاصطناعي في رصْد التهديدات التي تُواجِه الأمن القومي للدولة وتحديده، والتنبّؤ كذلك بالتطوّرات التي يُمكن أن تحدث حول العالَم مثل الثورات أو الاضطّرابات الاجتماعيّة. لكنْ، في حال نجاح الدولة المُعادية في تحديد كيفيّة عمل هذه الأجهزة، فإنّه يسهل عليها بالتالي خداعها من خلال نشْر أخبار كاذبة، لتضليلها وقيادتها إلى استنتاجات خاطئة…

خامساً: اختراق المجتمعات: حيث يُمكن لدولة أجنبيّة أن تَستخدم نُظم الذكاء الاصطناعي للتعرُّف إلى الأفكار والتوجّهات السياسيّة والاجتماعيّة لأفراد الدولة المُناوِئة لها على مَواقِع التواصل الاجتماعي، ومُحاولة الربط بين الجماعات المُنعزلة جغرافيّاً، والتي تتبنّى أفكاراً وتوجّهاتٍ مُشابهة، ودفعها إلى تبنّي مَواقف سياسيّة مُعارِضة قد تهدِّد الأمن الوطني والقومي لهذه الدولة.

ماذا عن المُستقبل؟

منذ العام 2000 تضاعفَ عدد الشركات الكبرى والنّاشِئة (Startups) العامِلة في مجال الذكاء الاصطناعي حوالى 14 ضعفاً، وتضاعفَ الاستثمار في هذا المجال 6 مرّات، وتزايد عدد الوظائف التي تتطلَّب مهارات ذكاء اصطناعي منذ العام 2013 حوالى أربع مرّات ونصف(Louis Columbus, 19 Charts That Will Change Your Perspective On Artificial Intelligence’s Growth). لكنْ، بقدر ما أظهرَ الذكاء الاصطناعي تقدّماً تقنيّاً كبيراً منذ ذلك التاريخ، ازداد على مدى السنوات الخمس الأخيرة في مجالات حياتيّة متعدِّدة، فنتجَ عن ذلك إيجابيّات كثيرة مثل التطوّر الصحّي، وزيادة الأمان البيئي والبشري، فضلاً عن فُرص عمل مُختلفة، وغير ذلك من الإيجابيّات، إلّا إنّ هذا الانتشار أدّى في المقابل إلى زيادة معدّلات البطالة، وإلى عدم دقّة البيانات وما شابه.

أمّا في المستقبل، ولأنّ الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً على القيام بوظائف متعدّدة على المستوى الشخصي في حياتنا اليوميّة، وعلى مَعرفة الثغرات الموجودة في الأجهزة الذكيّة واكتشافها وإصلاحها، ورصْد أيّ مُحاوَلة اختراق أو قرْصَنة والتنبُّه لها والتعامل الفوريّ معها، ولأنّه سيكون قادراً على إدارة شؤون المنزل كافّة من التعرُّف إلى الزوّار واستقبالهم، إلى التنبيه إلى خطرٍ ما، مثل الحريق أو تعرُّض طفلٍ صغير للسقوط أو تعرُّض منزلٍ ما للسرقة، فضلاً عن قيامه بإعداد القهوة لصاحب البيت وزوّاره، وطَلَبْ حاجيّات المنزل من السوبرماركت وتأمين وصولها بصورة آليّة، وقيادة سيّارتنا، والتعرُّف إلى حالتنا النفسيّة والمزاجيّة والتفاعل معها، وترشيح المُنتجات التي تُناسب ذوقنا واهتماماتنا، والمكان الذي سنَجدها فيه، لا بدّ من منظومة تنظيميّة وأخلاقيّة تَحكم عمل الذكاء الاصطناعي، وحماية الوظائف التي سوف تتأثَّر جرّاء عمليّة الأتمتة الذكيّة، وصياغة قوانين تَضمن حقوق البشر الأساسيّة.

*كاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


2 + 3 =