مشروع الحكم الذاتي وسؤال ” السيادة التشريعية”

بقلم – د . حميد النعيمي**


لقد حرص المغرب خلال السنوات الأخيرة على بلورة مقاربة جديدة في التعامل مع ملف الصحراء المغربية سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي.
و هو ما أكده الخطاب الذي ألقاه ملك المغرب في السادس من نونبر 2005 بمناسبة الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء نوع من التحول السياسي والدبلوماسي في طريقة التعاطي مع قضية الصحراء المغربية بغية إيجاد حل سلمي وعملي يؤدي إلى الطي النهائي لنزاع فرض على المغرب خلال مسيرة استكمال وحدته الترابية.
لقد جاءت المبادرة المغربية للتفاوض من أجل حكم ذاتي لجهة الصحراء والمتمثلة في منح ساكنة الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا موسعا في إطار جهود المملكة المغربية للخروج بهذا النزاع من وضعية الجمود وتجاوز ” نقطة الصفر ” بحثا عن حل سلمي ونهائي متفاوض بشأنه وبالتالي طي صفحة نزاع يعتبر الأقدم في القارة الأفريقية .
و يطرح إقرار مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية، عدة إشكاليات وتساؤلات ترتبط أساسا برهان المحافظة على “السيادة التشريعية” أي بمدى قدرة المؤسسات الرسمية المركزية الساهرة على مراقبة وصياغة وتجويد المنظومة القانونية، كالأمانة العامة للحكومة، سواء على مواكبة ومساعدة الهيئات التمثيلية والتنفيذية المنبثقة عن المناطق الخاضعة للحكم الذاتي في مجالات التشريع وإنتاج القوانين، وكذا ممارسة الرقابة على مخرجات تلك المؤسسات، فيما يتصل بالقوانين التي لها علاقة بمجالات السيادة المنصوص عليها بمشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب ومشاريع التسوية الأممية لنزاع الصحراء.
وفي إطار محاولة استشراف الأدوار الجوهرية التي من المرتقب أن تقوم بها مؤسسة الأمانة العامة للحكومة، خاصة أن مجالات السيادة المنصوص عليها بمشروع الحكم الذاتي، تستوجب وجود آلية رقابية قبلية وبعدية (المحكمة الدستورية ) على القوانين التي تدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ضمن ” مجالات السيادة”،تفاديا للتطاول على الاختصاص”أو ” تداخل الاختصاص” من جهة، وكذلك من أجل تأطير ومواكبة ومصاحبة المؤسستين الجهويتين التشريعية والتنفيذية،
لذلك، فإن تطبيق مقتضيات الحكم الذاتي، يستوجب وجود مؤسسات مركزية تسهر على ممارسة الرقابة القبلية (الأمانة العامة للحكومة) خاصة على مستوى تجويد القوانين ومواكبة إنتاجها من طرف المؤسسات المنبثقة عن الإقليم الذي يخضع للحكم الذاتي، وكذا ممارسة الرقابة البعدية ( المحكمة الدستورية)، التي من أبرز اختصاصاتها مراقبة مدى مطابقة القوانين التي تصدرها تلك المؤسسات للدستور، وللقوانين المنظمة والمؤطرة للحكم الذاتي خاصة في مجالات السيادة.
وتتلخص في كيفية توزيع الصلاحيات التنفيذية، والتشريعية، بين الأقاليم المحكومة ذاتيا، وبين السلطة المركزية، وهناك ثلاثة طرق لتوزيع هذه الصلاحيات، هي:
أولا: تعيين الصلاحيات التشريعية والتنفيذية بين الوحدات الذاتية والسلطة المركزية، وتتمثل عيوب هذا الحل في وجود فجوات في الممارسة، نظرا إلى تداخل العديد من الصلاحيات والمجالات في التطبيق، فضلا عن أنه نظري أكثر منه عملي.
ثانيا:الاقتصار على توزيع وتعيين صلاحيات الوحدات الذاتية في مجالات محددة، كما في إسبانيا وإيطاليا وكندا.
ثالثا: الاكتفاء بتعيين الصلاحيات والمجالات التي تقتصر على الدولة والسلطة المركزية ذات السيادة .
وفي إطار ممارسة الصلاحيات والاختصاصات الموكولة للأجهزة التشريعية والتنفيذية بالمنطقة الخاضعة لنظام الحكم الذاتي، فإن من الضروري أن تقوم الأمانة العامة للحكومة خاصة في المرحلة الانتقالية بمواكبة وتأطير عمل تلك الأجهزة، سواء من خلال السهر على تنفيذ سياسة الحكومة المحلية في ما يتعلق بتدوين النصوص التشريعية والتنظيمية وتحيينها،والقيام من الوجهة القانونية، بدراسة جميع مشاريع القوانين والأنظمة للتحقق من مطابقتها لأحكام الدستور وعدم منافاتها للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وإعداد مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية التي لا تدخل في اختصاص قطاع وزاري معين والقيام بالدراسات والأبحاث القانونية المتصلة بمختلف مجالات العمل التشريعي، والإشراف كذلك على طبع ونشر جميع النصوص القانونية بواسطة المطبعة الرسمية.
وتجدر الإشارة إلى أن الأدوار التي تقوم بها مؤسسة الأمانة العامة للحكومة في مجالات التشريع والرقابة وصياغة القوانين والنشر والمواكبة القانونية والاستشارية، يمكن القيام بها على مستوى الأقاليم التي يشملها الحكم الذاتي، وذلك في إطار ” السيادة التشريعية” للمملكة المغربية، حيث أن إصدار القوانين وبلورة السياسات الحكومية على المستوى المحلي يجب أن يكون على تناغم وانسجام مع السياسات العمومية والإستراتيجية التي تنهجها الحكومة المركزية خاصة في المجالات الاقتصادية والمالية والتعليمية والجمركية، هذا بالإضافة إلى ممارسة نوع من الرقابة القبلية على القوانين التي قد تمس مجالات السيادة المنصوص عليها في نص مقترح الحكم الذاتي بالخارجية والأمن والمجالات المتعلقة بالأمن الروحي للمغاربة وإمارة المؤمنين.

**باحث متخصص في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


78 + = 82