الدولار سلاح “قاتل” لكن يصعب إسقاطه

أفقعدنان كريمة*

أَثبتت الوقائع التاريخيّة في سجلّ العلاقات الدوليّة، أنّ الدولار الأميركيّ مَنَحَ الولايات المتّحدة نفوذاً ماليّاً وسياسيّاً كبيراً في قيادة الاقتصاد العالميّ، حتّى وصفه الخبراء بأنّه “سلاح قاتل” يُمكن استخدامه في الحروب الاقتصاديّة، وقوّة ضغط في المعارك العسكريّة. وفي خضمّ الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة المستمرّة منذ أكثر من سنة، برزتْ قوّة الدولار بصعوده اللّافت أمام ستّ عملات رئيسة، وهو يخوض سلسلة حروب متكاملة بدأت بعقوباتٍ ماليّة مشدَّدة ضدّ روسيا ومَن يتعامل معها، ولن تنتهي برفع أسعار الفائدة الأميركيّة التي تجاوزت الخمسة في المئة. لكنّ هذا السلاح الذي سيطر على الاقتصاد العالَميّ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية بعد توقيع اتّفاق “بريتون وودز” في العام 1945، أي منذ نحو 78 سنة، بدأ يُواجِه مُنافسةً استراتيجيّة قويّة من عملاتٍ أخرى تسعى الى اقتسام النفوذ معه، وكسر حدّة “الهَيْمنة الآحاديّة للقيادة الأميركيّة”. وقد عكس هذا التطوُّر مشهداً لـ “الهروب” من الورقة الخضراء؛ مع الإشارة إلى معلومات غربيّة تفيد بأنّ من أهمّ “أسرار” الغزو الأميركي للعراق، أنّ صدّام حسين كان من الهاربين الأوائل من خطر انهيار الدولار، بمُحاولته بَيْع النفط بعملة اليورو، لكنّ الغزو الأميركيّ لم يُمهله كثيراً لتنفيذ خطّته قبل أن يُعدَم.

================================= 

مع ارتفاعِ معدّلات تضخُّم غير مسبوقة منذ عقود، وتباطؤٍ اقتصادي، بخاصّة في الدول المتقدّمة، رسمتْ مديرة صندوق النقد الدولي كريستينا غورغييفا صورةً متشائمة تفيد بأنّ الاقتصاد العالمي يتّجه نحو أضعف فترة نموّ منذ العام 1990، حيث أدَّت أسعار الفائدة المرتفعة التي أقرَّتها البنوك المركزيّة الكبرى في العالَم إلى زيادة تكاليف الاقتراض للأُسر والشركات، وتوقَّعت أن يؤثِّر ذلك على الاقتصاد طيلة السنوات الخمس المُقبلة. مع العِلم أنّ الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة أدَّت إلى انخفاض النموّ العالمي بمقدار النصف (من 6.1 في المئة في العام 2021 إلى 3.4 في المئة في العام 2022). ويُنتطر أن يكون أقلّ من 3 في المئة خلال العام الحالي. وحذَّرت غورغييفا من أنّ 90 في المئة من الاقتصادات المتقدّمة ستَشهد انخفاضاتٍ بمعدّل نموّها، مع تضرُّر النشاط الاقتصادي في الولايات المتّحدة ومنطقة اليورو بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.

ووسط حالةٍ من القلق، وازدياد المخاوف، وبروز قائمة من الصراعات الجيوسياسيّة الدوليّة، والتوتُّر بين الصين والولايات المتّحدة وأوروبا، إضافة إلى الانقسام العالمي حول الحرب الروسيّة على أوكرانيا، يواجه اقتصاديّو العالَم تحدّياتٍ كبيرة. وفيما حذَّر صندوق النقد من خسارة تريليونات الدولارات من النّاتج الاقتصادي بسبب الخلافات الجيوسياسيّة المتصاعدة، حذَّر البنكُ الدولي بدَوره من “عقد ضائع” يلوح في الأُفق الاقتصادي، يُمكن أن يؤدّي إلى تراجُع “الزخم” في مُكافَحة الفقر والجوع والتغيُّر المناخي ومعالجة أعباء الديون ومخاطرها التي تشمل مختلف دول العالَم.

الدولار.. والذهب

لا شكّ في أنّ النفوذ السياسي ينعكس على النقد، الذي تُبرز قوّته ارتفاعاً في مستوى المعيشة. ولوحظ أنّه حتّى بدء الحرب العالميّة الأولى، كانت بريطانيا الأقوى، وكان نقدها الأهمّ، لكنّ “القوّة السياسيّة” انتقلت بعد ذلك الى الولايات المتّحدة، حيث أصبح الدولار هو النقد العالَمي الأهمّ، وبعد الحرب العالميّة الثانية أصبحت “دولة اقتصاديّة عظمى”.

في كتابه “قوّة العملات وعملات القوّة“، جَمَعَ آلان ويتلي، وهو صحافي في وكالة رويترز، مجموعة مقالات لخبراء اقتصاد وسياسات دوليّة تحدّثوا عن نفوذ الدولار. وفي مقدّمته يشير إلى أنّ المال يشتري السلطة والنفوذ، بخاصّة بالنسبة إلى الدولة التي تُصدر العملة الاكثر انتشاراً في العالَم. ومن بين النتائج المترتّبة عن ذلك قدرتها على تحمُّل الإنفاق العسكريّ، وهذا بدوره يَدعم جذْب الدولار بوصفه ملاذاً. لكن مع ازدياد المخاوف من تداعيات عقوبات الغرب ضدّ روسيا، وخصوصاً بعد تجميد نحو 300 مليار دولار للبنك المركزي الروسي في الخارج، زادت وتيرة البحث في خيارات التخلّي عن الدولار كعملة احتياط، وسَعَتِ الصين والهند بقوّة إلى الدَّفع بعملاتها إلى مكانة دوليّة عبر استخدامها في تسوية تعاملاتها التجاريّة، ولاسيّما بعدما حظَّرت العقوبات الغربيّة “سويفت” من التعامل مع الأموال الروسيّة، وكلّ مَن يتعامل معها. وتجنُّباً لإخضاع أموالهم للعقوبات، لجأ قسمٌ كبير من البنوك المركزيّة إلى شراء “الذهب”، كملاذٍ أكثر أماناً، ووفق أرقام مجلس الذهب العالمي، بَلَغَ حجْم الذهب الذي اشترته البنوك المركزيّة في العام الماضي 1136 طنّاً، أي أكثر من ضعف الكميّة المُشتراة في العام 2021 والبالغة 450 طنّاً. مع العِلم أنّ هذا الاتّجاه ليس جديداً، وهو مسار بدأ منذ العام 2010، أي بعد الأزمة الماليّة العالميّة في العام 2008، والتي كانت بمثابة إنذار لاهتزاز الثقة بالعملة الأميركيّة. 

مصالح روسيّة

على الرّغم من اعترافه بأهميّة الدولار الأميركي لمصلحة روسيا في علاقاتها الدوليّة، أكَّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ بلاده ستتّجه نحو الاستغناء عنه في تعاملاتها، لكنّه استدرَك قائلاً “إنّ ذلك لن يحدث على حساب مصالحها”. وأردَفَ: “لا نسعى إلى التخلّي عن الدولار، بل هو الذي يبتعد عنّا”، ومُشيراً إلى أنّ “عدم استقرار الحسابات بسبب الدولار يخلق رغبة في الاقتصادات العالميّة للوقوعِ على عملاتٍ أجنبيّة احتياطيّة بديلة، وإنشاء أنظمة مصرفيّة مستقلّة عن الدولار”. 

وسبقت تصريحاتِ بوتين خطواتٌ عمليّة بدأتها روسيا في آب (أغسطس) عندما أعلنت عن شراء عملات دول صديقة مثل الصين والهند وتركيا، للاحتفاظ بها من ضمن صندوق الثروة الوطني، بعدما فَقدت قدرتها على شراء الدولار واليورو، بسبب العقوبات التي يفرضها الغرب. وأعلن البنك المركزي الروسي أنّ سياسته النقديّة للفترة بين 2023 – 2025، تمضي في إمكانيّة تطبيق آليّة لإعادة رفْد هذا الصندوق البالغ حجْمه نحو 155 مليار دولار بعملات الدول الصديقة. مع العِلم أنّه قبل أن تنطلق نيران المدافع على أوكرانيا، كان الروبل يتقدَّم في تعاملات روسيا التجاريّة مع شركائها، وفي العام 2021 تمَّت تسوية 53.4 في المئة من جميع مدفوعاتها مع الهند بالروبل، مقابل 38.3 في المئة فقط بالدولار، كذلك استحوذَ اليوان عل ثلث عمليّات تسوية المدفوعات من روسيا إلى الصين. وربّما يكون الأمر بحاجة إلى مزيدٍ من الوقت، لكنّ اعتماد اليوان كعملة مقاصّة، سيخفِّف جزئيّاً على الصين والمُتعاملين معها فاتورة التبعيّة الماليّة للسياسة النقديّة الأميركيّة. ومن ضمن طائفة الهاربين من الدولار، هناك مثلّث البرازيل والأرجنتين وفنزويلّا، وهي دول تمثِّل عصب الحياة والاقتصاد والموارد الطبيعيّة في أميركا اللّاتينيّة، ولها علاقات وثيقة مع الصين وروسيا وإيران. وفي خطوة متقدّمة نحو التخلّي عن الدولار الأميركي، أَعلنت البرازيل والصين في العام الماضي عزمهما استخدام عُملتَيْهما في تبادلهما التجاري بدلاً من الدولار. ويُعَدّ هذا الاتّفاق الأوّل من نَوعه الذي تعقده الصين مع إحدى دول أميركا اللّاتينيّة، ولاسيّما أنّ بكين هي الشريك الأكبر للبرازيل، إذ بلغتْ قيمة التبادُل التجاري بينهما نحو 150 مليار دولار سنويّاً. 

صندوق النقد الآسيويّ

في سياق مَوجة الهروب من الدولار، عاد البحث في إحياء صندوقٍ للنقد الآسيوي، على غرار صندوق النقد الدولي. وعلى الرّغم من تبايُن الآراء حول إمكانيّة كسْر “هَيْمَنة الدولار” في المستقبل، تُشير التوقُّعات إلى أنّ القوى الاقتصاديّة الكبرى قد يكون لها دَور مهمّ في استبدال الدولار بسلّة من عملات مختلفة، لتقويض سيطرة العملة الخضراء. وقد ناقَش رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم مع الزعيم الصيني شي جينبينغ في زيارته الأولى لبكين، الخطوات التنفيذيّة لإنشاء مثل هذا الصندوق الذي قد يَجعل الدولَ الآسيويّة أكثر استقلالاً بنظامها الداخلي الخاصّ، إذ يشكِّل منطقة عازلة ضدّ الأزمات الاقتصاديّة، ومُواجَهة تداعيات الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة، وتأثير الدولار في أسعار العملات المحليّة. 

وكان مُقترح صندوق النقد الآسيوي قد سبقَ له أن طُرِح للمرّة الأولى في أعقاب الأزمة الماليّة الآسيويّة في العام 1997، وذلك من قِبَل اليابان، وهي أحد المُتضرّرين من الأزمة. لكن بعد نحو ثلاثة عقود، شهدت تطوّرات كبيرة ومتنوّعة، لا بدّ من أخْذها بالاعتبار في اتّخاذ القرارات المصيريّة، والتحالفات الدوليّة، وخصوصاً أنّ العديد من الدول الآسيويّة تُعاني من تراجعٍ اقتصادي نتيجة الاعتماد النقدي على الولايات المتّحدة، وتمحْوُر نظام الاقتصاد العالمي حوله. كما أنّ الطموح الصيني والهندي بتبنّي دَورٍ أوسع وأقوى في القيادة العالميّة الاقتصاديّة والسياسيّة، يدفع بهذا المُقترح إلى الأمام، ويمنحه مزيداً من الزخم، لكن هناك عقبات عدّة قد تعترضه، إضافة إلى أهميّة التنافُس بين الصين واليابان على زعامة الإقليم.

حرب اقتصاديّة

وفقَ تقريرٍ لمنظّمة التعاوُن الاقتصادي والتنمية، قُدِّرت تكلفة الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة بنحو 2.8 تريليون دولار من النّاتج المفقود، مع احتمال طول فترة الحرب وتوسيع نطاقها، وتشديد العقوبات ضدّ روسيا، وخصوصاً بعدما وَصَفَها الرئيس فلاديمير بوتين بأنّها “حرب اقتصاديّة”، ومؤكِّداً بأنّ موسكو لن تحيط نفسها بـ “سِتار حديدي” مثلما فَعَلَ الاتّحاد السوفياتي، عندما انهارَ في أكبر كارثة “جيوسياسيّة” في القرن العشرين، ولن ينعزل الاقتصاد الروسي عن العالَم. عِلماً أنّه منذ بداية آذار/ مارس 2022، تمَّ تصنيف البحر الأسود منطقةً عالية المخاطر.

وفي هذا السياق يشتدّ الصراع بين أكبر تكتّلَيْن اقتصاديَّيْن في العالَم، أحدهما تكتُّل “البريكس”، ويضمّ روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. أمّا التكتُّل الثاني، فهو يضمّ الدول الصناعيّة السبع بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة، إضافة إلى ألمانيا وكندا وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتّحدة. ويعمل كلُّ تكتُّل على إضعاف التكتُّل الآخر. وفي ميزان القوى، بلغتْ حصّة “البريكس” في الاقتصاد العالَمي 31.5 في المئة، وهي لأوّل مرّة تتجاوز حصّة مجموعة الدول السبع الكبار التي بلغت 30.7 في المئة، وذلك وفق أحدث مؤشِّر نقلته مجلّة “فوربس” عن معهد “أكورن ماكرو” البريطاني للاستشارات. وهناك دول عدّة ترغب في التعاون مع مجموعة “البريكس” قد يصل تعدادها إلى 30 دولة، إضافة إلى نشاط البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتيّة، الذي يبلغ رأسماله 50 مليار دولار، وهو يتعاون مع أكثر من 50 دولة نامية.

وعلى الرّغم من كلّ هذه التطوُّرات السلبيّة التي تهدف إلى الابتعاد عن الدولار، فقد خسر نحو 11 في المئة من قوّته فقط كعملة احتياط عالميّة منذ العام 2016، وتراجَعت حصّته من 69 في المئة إلى 58 في المئة، وهو لا يزال الأقوى في السيطرة على سيولة الاقتصاد العالَمي. مع العلم أنّ اليوان الصيني الذي يُعتبر أكبر خصم له، لا تزيد حصّته على 3 في المئة؛ ما يدلّ على أنّ العالَم لن يتخلّى عن الدولار كعملة دوليّة في المستقبل المنظور، وذلك لعدم توفُّر بديل يتمتّع بما يحظى به من حجْمِ تعاملاتٍ وسيولة وسهولة التداوُل في الأسواق الماليّة. لكن لا يُمكن إغفال مَوجة التحدّي للتوجُّه بالتخلّي عنه في المدى البعيد، في حال تزايد عدد الدول التي لا ترغب بالتعامل معه. 

*كاتب ومحلّل اقتصادي من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


82 − 76 =