الذكاء الاصطناعيّ ومستقبل ما بعد الإنسان

أفقترجمة: د. رفيف رضا صيداوي*

في هذا العدد من “أُفق” ننقل مقالةً للفيلسوف السلوفينيّ “سلافوي جيجيك” Slavoj Zizek (1949 – )، نُشرت في صحيفة بروجيكت سنديكيت Project Syndicate التشيكيّة في السّابع من نيسان/ أبريل 2023، ونَقلتها دوريّة “كورييه إنترناسيونال” إلى الفرنسيّة في عددها رقم 1695 الصادر بين 27 نيسان/ أبريل و3 أيّار/ مايو 2023، وقدَّمت لها بالآتي: “بالنسبة إلى الفيلسوف الماركسيّ السلوفينيّ “سلافوي جيجيك”، فإنّه من شأن الغطرسة البشريّة المُتمركزة حول الإنسان والمولودة مع قدوم التكنولوجيا، أن تفسح المجال لعدم جدوى الإنسان ولا معناه”. 

الرسالة المفتوحة المنشورة في 29 آذار/ مارس الفائت من طرفِمعهد مستقبل الحياة” Future of Life Institute، الدّاعية، من باب الاحتياط والأمان، إلى تعليق الأبحاث حول الذكاء الاصطناعي لمدّة ستّة أشهر، جرى التوقيع عليها من آلافٍ عدّة من الشخصيّات البارزة، من بينها إيلون ماسك Elon Musk. الموقّعون الذين تجاوز عددُهم 27500 موقِّعٍ حتّى آخر شهر نيسان/ إبريل الفائت، عبّروا كلّهم عن قلقهم من رؤية المُختبرات المُختصّة “محبوسة في سباقٍ خارجٍ عن السيطرة” من أجل صوْغِ وتنظيمِ ونشْرِ أنظمة أكثر قوّة، لا يُمكن لأحدٍ أن يفهمها، أو يتوقّعها أو يتحكّم بها، حتّى مخترعوها أنفسهم. 

لماذا كلّ هذا الذّعر لدى هذه الشريحة من النُّخبة؟ بالتأكيد، ثمّة ضوابط وأنظمة يجب وضعها في مكانها الصحيح، لكن من قِبَلِ مَن، خلال استراحة الأشهر الستّة هذه، والتي من المُفترض أن تَسمح للبشريّة بتقييم المخاطر، وتبيان مَن يمثِّل مصلحة البشريّة من عدمها هنا؟ وبما أنّ مختبرات البحث حول الذكاء الاصطناعي في الصين، والهند، وروسيا، تُواصِل العمل (بالسرّ طبعاً)، فإنّه لَمِن غير المعقول أن نأمل بقيام مُناقشةٍ عامّة عالَميّة حول هذا الموضوع.

مع ذلك، فإنّ ما تقدَّم يشكِّل تحدّيات تستحقّ أن تؤخَذ بعَين الاعتبار. في كتابه “Homo Deusune brève histoire du futur“، يرى المؤرِّخ يوفال نوح هراري Yuval Noah Harari (وهو أيضاً من موقِّعي الرسالة المفتوحة) أنّ النتيجة الأكثر ترجيحاً واحتمالاً لظهور الذكاء الاصطناعي ستكون الانقسام الجذريّ للمجتمعات الإنسانيّة – بشكل يفوق بأهميّته ذاك الذي أحدثته الطبقات الاجتماعيّة. بسرعة، ستوحِّدُ التقنيّات الحيويّة والمعلومات الحسابيّة قواها لإنتاج “أجسادٍ، وأمخاخٍ أو عقولٍ”، بحيث إنّ فجوةً ستَحدث وتتّسع “بين الذين يعرفون كيف يُصمِّمون الأجساد والعقول، وبين الآخرين الذين لا يعرفون ذلك”. في عالَمٍ كهذا، “سيَكتَسِبُ الذين سيركبون قطار التقدُّم قدراتٍ خارقة على الخلْق والتدمير، وسيكون الانقراضُ مصيرَ الذين يتخلّفون عن الركب”. هذا الذُّعر الذي نتلمّسه في العريضة حول الذكاء الاصطناعي، هو الخوف من رؤية حتّى الذين ركبوا “قطار التقدُّم” غير قادرين على تحديد مَسارِهِ. أسيادُنا الإقطاعيّون، في حصنهم الرقميّ، مرعوبون ومذعورون. على الرّغم من ذلك، فإنّ ما يدعون إليه ليس نقاشاً عامّاً، بل يريدون اتّفاقاً بين دول التكنولوجيا ومجتمعاتها كي لا تتبدّل مراكز القوى. 

يمثِّل الصعود اللّافت لجبروت الذكاء الاصطناعي، في حقيقة الأمر، تهديداً خطراً لأولئك الذين يمتلكون القوّة أيضاً، بمَن فيهم أولئك الذين يصمّمونه ويمتلكونه ويسيطرون عليه ويشكّلون جزءاً لا يتجزّأ منهم. وهذا الواقع لا يُعلن أقلّ من نهاية الرأسماليّة كما نعرفها، لأنّ نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي، ويُعيد إنتاج نفسه، ستكون حاجته إلى فاعلين بشريّين أقلّ فأقلّ. التجارة الحسابيّة، أو التجارة المؤتْمَتة، ليستا إلّا خطوة أولى في هذا المعنى. من الحين هذا فصاعداً، لن يكون أمامنا خيارٌ إلّا بين شيوعيّة من نَوعٍ جديد أو الفوضى المُطلقة. 

بفضلِ روبوتات دردشة جديدة، ستتمكّن جحافل من البشر الذين يشعرون بالوحدة (أو لا يشعرون بها) من قضاءِ أمسياتٍ طويلة وهُم يناقشون السينما أو الأدب أو الطبخ أو السياسة بشكلٍ عشوائي. ولاستخدام استعارة قديمة غالية عليّ، أقول إنّ الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلينا، هو مثل ما تمثّله القهوة المنزوعة الكافّيين بالنسبة إلى القهوة الحقيقيّة: جارٌ لطيف ليس لديه ماضٍ إجراميّ أو سرّ ليخفيه، وآخر يتناسب مع قالب احتياجاتنا الخاصّة. إنّه مثالٌ نموذجيّ لإنكارٍ صنميّ: “أنا أُدرك تماماً أنّني لا أتكلّم مع شخصٍ حقيقيّ، لكنّ لهذا الكلام نفسه تأثيره عليّ، وبمخاطر أقلّ!”. 

لدى فحصها عن قرب، تبدو هذه الرسالة محاولة أخرى لمنْع المستحيل. إنّها مُفارَقة قديمة: بما أنّ مشاركتنا في مستقبل ما بعد إنساني مستحيلة بالطبيعة، علينا منْع حدوثها بأيّ ثمن. لإيجاد مُعادلة كيف نسير مع هذه التكنولوجيّات، علينا طرْح السؤال الشهير للينين: لِمَن الحريّة؟ وماذا نفعل بها؟ بأيّ معنىً كنّا أحراراً إلى الآن؟ أَوَلَم نكُن تحت المُراقبة، حتّى أكثر ممّا كنّا نعتقد؟ وبدلاً من أن نخشى التهديدات القادمة ضدّ حريّتنا وكرامتنا، ربّما ينبغي أوّلاً أن نسأل أنفسنا ماذا تعني الحريّة اليوم؟ خلافاً لذلك، سيكون محكوماً علينا أن نتصرّف مثل هؤلاء الهيستيريّين الذين، بحسب المُحلِّل النفسي الفرنسي جاك لاكان Jacques Lacan، يريدون بأيّ ثمن مُعلِّماً، شرط أن يُوَلّون عليه. 

بالنسبة إلى راي كورزويل Ray Kurzweil، عالِم المستقبليّات الأميركي، فإنّ التقدّمَ التكنولوجي، ولكونه بطبيعته سريعاً، سيَجعلنا نُواجِه قريباً آلاتٍ “روحيّة” تُظهِر، ليس جميع سمات الوعي الذاتي فقط، بل من شأنها أن تتفوَّق، قبل كلّ شيء، على الذكاء البشريّ. هذه المرحلة “ما بعد الإنسانيّة” لا يُفترَض، على الرّغم من ذلك، أن يتمّ الخلط بينها وبين هذا الانشغال الحديث للغاية الذي هو البحث عن الهَيْمَنة التكنولوجيّة المُطلقة على الطبيعة. ذلك أنّ ما نشهده الآن هو انعكاسٌ دياليكتيكيّ لهذه العمليّة. 

العلوم “ما بعد الإنسانيّة” الرّاهنة لم تعُد بحثاً عن الهَيْمنة. هي محكومة بعنصر المُفاجأة: ما هي الخصائص الطارئة وغير المتوقَّعة التي ستتمكّن نماذجُ الذكاء الاصطناعي الحاليّة، الصناديقُ السوداء التي لا يُسبَر غورها، من الحصول عليها؟ لا أحد يُمكنه الإجابة، وهنا تكمن كلّ الإثارة (أو التفاهة) الخاصّة بالأعمال التجاريّة.

في مقالته “عندما ستصبُّ التكنولوجيّات في المجرى نفسه” “Quand les technologies convergeront” (Revue du Mauss,2004)، وفي سياق التطوّرات الأخيرة للروبوتات وعِلم الوراثة وتكنولوجيا النانو، والحياة الاصطناعيّة والذكاء الاصطناعي، استشفَّ الفيلسوفُ والمهندسُ الفرنسيّ جان بيار دوبوي Jean-Pierre Dupuy، انعكاساً غريباً للغطرسة البشريّة تُعزِّزها التكنولوجيا: “كيف نُفسِّر أنّ العلوم التقنيّة أصبحت نشاطاً محفوفاً بالمخاطر، إلى حدّ أنّها، وفقاً لبعض العُلماء البارزين، أصبحت تشكِّلُ اليوم التهديدَ الرئيس لبقاء البشريّة؟ يُجيب الفلاسفةُ عن هذا السؤال بالقول إنّ حُلم ديكارت – أن نغدو أسياد الطبيعة ومالِكيها – لم يُصِب ولم يتحقَّق بحسب المُرتجى. سيكون من الملحّ العودة إلى “ضبْط السيطرة”. لم يفهموا شيئاً! فهُم لا يرون أنّ العلوم التقنيّة التي تلوح في الأُفق، من خلال التقاء جميع التخصّصات وتقاربها، تهدف تحديداً إلى عدم السيطرة. مهندس الغد لن يكون ساحراً متدرّباً بسبب الإهمال أو عدم الكفاءة، بل انطلاقاً من الغرض أو الغاية”. 

البشريّة تصوغ إلَهَها الخاصّ أو شيطانها الخاصّ. والنتيجة تبقى غير قابلة للتنبّؤ بها، لكنّ هناك شيئاً مؤكّداً. إذا ظهرتْ حقيقةٌ جماعيّة ذات يوم يُمكننا اعتبارها “ما بعد إنسانيّة”، فإنّ طريقتنا في رؤية العالَم سوف تفقد دعاماتها الوجوديّة الثلاث: الإنسانيّة، الطبيعة، السموّ. هويّتنا ككائناتٍ بشريّة لا يُمكنها أن تنوجد إلّا وفق طبيعة لا يُمكن اختراقها. لكن في حال أصبحت الحياة نفسها شيئاً قابلاً للتلاعُب به بشكلٍ كامل من خلال التكنولوجيا، فلن يكون لديها أيّ شيء “طبيعي” بعد الآن. من ضمن وجودٍ مُسيطَر عليه بالكامل، ماذا يبقى للمعنى؟ وماذا يبقى، وخصوصاً، من المُصادفة أو من الذي يبعث على الدهشة؟

من الواضح أنّ الشيء نفسه ينطبق على التسامي أو التعالي. التجربة الإنسانيّة مع اللّه تكتسي معناها من زاويةِ محدوديّة الإنسان وموته المؤكَّد. بمجرّد أن نُصبح “الإنسان – الإله” ونخلق خصائصَ كنّا، انطلاقاً من وجهة نظرنا القديمة كبشر، قد وصفناها بالخارقة للطبيعة، فإنّ الآلهة كما نعرفهم سيختفون. يبقى أن نعرف ماذا سيبقى – إذا بقي شيءٌ ما. هل سنعبد أنظمة الذكاء الاصطناعي التي نكون قد خلقناها؟

ثمّة ما يدعو للخوف من ألّا تكون الرؤى التكنولوجيّة لعالَم ما بعد الإنسان سوى أوهامٍ مؤدْلِجَة تخفي وتستر الهاوية التي تتربّص بنا. يكفي القول إنّه وللتأكُّد حقّاً من أنّ الإنسان، وفي مستقبل غير بعيد، لن يصبح غير ضروري أو زائداً عن الحاجة، وأنّ وجوده لن يكون عقيماً، لن تكون الأشهر الستّة كافية. 

*مؤسسّة الفكر العربيّ

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 25 = 28