الفكر العربيّ في مرآة التنوير الغربيّ

أفقصلاح سالم*

يبقى الفكر النهضويّ توفيقيّاً بالتعريف، إذ يبتغي النهوض بأمّة لديها تراث عريق تتجذّر فيه، وحاضر بائس يضغط عليها، وعالَم زاخر بالوعود ترغب في اللّحاق به، ما يفرض عليها الجمع بين مكوّناتٍ ثقافيّة تنتمي لأزمنةٍ مختلفة. والواقع أنّ ديكارت، أبا الفلسفة الحديثة، وصاحب الكوجيتو المؤسِّس لها، لم يكُن استثناءً من تلك النزعة التوفيقيّة، بين وعيٍ حديث وإيمانٍ موروث، عندما صاغ ثنائيّته الشهيرة (الفكر – الامتداد) التي انطلقت منها مسيرة الفكر الأوروبيّ الحديث. 

يعني الفكر هنا الجانب العقليّ والروحيّ من الإنسان، وكلّ ما يمتّ إلى المعنويّات، وفي قلبها المعتقدات الدينيّة. أمّا الامتداد، فيُشير إلى الجسد والحواسّ، وكلّ ما يمتّ إلى الماديّات، وفي قلبها العالَم الطبيعي والواقع الاجتماعي. لقد أراد الفيلسوف المثالي أن يُقيم توازُناً بين الذّات الإنسانيّة التي تَعرِف، وبين العالَم الذي يُعرف، ولذا كان الكوجيتو انتصاراً للعقلانيّة آنذاك، فقبله كان الفكر، بما ينطوي عليه من فلسفاتٍ ميتافيزيقيّة، ومعتقداتٍ دينيّة، وتصوّراتٍ ذاتيّة، يُهيمِن على المعرفة، فيما كان العالَم الطبيعيّ الذي يجسِّد الامتدادَ شبه غائب، لأنّ العِلم التجريبيّ كان لا يزال وليداً، وأدوات القياس المنهجيّ شبه بدائيّة. 

في السياق العربي يكاد الإمام محمّد عبده يحتلّ موقع ديكارت في الفكر الأوروبي، مذّ قدَّم صياغته الثوريّة للعلاقة بين العقل والنصّ، مؤكِّداً على أنّ النصّ لا يُمكنه أن يتناقض مع العقل، فإذا ما تبدّى تناقضٌ ما كان بالضرورة “ظاهريّاً”، يفرض تحكيم العقل فيه، ليس لأنّ ثمّة خطأ في النصّ، ولكن لأنّ فهمه قد استغلق على الذِّهن، ومن ثمّ وُجب التأويل، بحسب قواعد اللّغة العربيّة، حتّى لا نقع في آفة التلوين. ومن ثمّ لا تبدو مركزيّة العقل استعلاءً على النصّ، أو رفضاً له، بل وسيلةَ فَهْمٍ يتمّ من خلالها تجاوُز ظاهره إلى باطنه، والولوج إلى قلب الحكمة منه. لقد اعتمدَ الإمامُ العقلَ أصلاً، لكنّه ظلَّ عقلاً توفيقيّاً، يعمل كأداةِ استدلالٍ على الحقيقة القائمة/ الإلهيّة، من دون سعيٍ لإنتاج حقيقة جديدة/ إنسانيّة، وهي سمة كلّ تفكيرٍ ديني كلامي، يرى للحقيقة مصدراً واحداً، يُمكن تأويله، ولكن من دون الخروج من فلكه، وإلّا كنّا أمام تفكيرٍ فلسفيٍّ خالص. 

الاستقطاب الفلسفيّ بين المثاليّين والماديّين

بعد رحيل ديكارت بنحوِ قرنٍ ونصف القرن، وفي ظلّ التحوّلات المعرفيّة المُتسارعة، ازداد الفكرُ الغربي انقساماً إلى حدّ الاستقطاب بين تيّارَيْن: أوّلهما مثالي جسّدته رموزٌ كبيرة مثل مالبرانش وباسكال وليبنتز في القرنَيْن السابع عشر وبداية الثامن عشر، أعطوا الأولويّة للفكر على الامتداد، وخصوصاً ليبنتز الذي بالغ في مثاليّته عندما اختصر الثنائيّة الديكارتيّة في واحديّة هي الفكر، تتصوّر الوجود كلّه كمجموعة من الجواهر الروحيّة (المونادات) التي تشكّل حركتها الأبديّة طبيعة الوجود الكونيّ، وهو الفَهْم الذي حاولَ الفيلسوف البريطاني جورج باركلي تخفيف حدّته، بإعادة التأكيد على الثنائيّة، ولكن مع إعطاء أولويّة للفكر، إذ اعترف بواقعيّة العالم نعم، ولكن منح العقل الإنسانيّ قدرة مطلقة على معرفته، فلم يعُد له وجود إلّا بإدراك العقل له. كان ذلك في اعتقادنا بمثابة ردّة عقلانيّة، وخصوصاً بعد تفجُّر الثورة العلميّة وتطوُّر المنهج التجريبي وأدوات القياس. والثاني ماديّ ارتاده فلاسفةٌ مثل سبينوزا، ثمّ ارتاده الوضعيّون البريطانيّون: جون لوك وديفيد هيوم، الذين أعلوا، على نقيض المثاليّين، من الامتداد على حساب الفكر، بل إنّ سبينوزا قد اختصر الثنائيّة في واحديّةٍ ماديّة لا ترى في الوجود سوى الامتداد، ولكنّ لوك وهيوم سعيا إلى تهذيبها في ثنائيّةٍ شبه ماديّة، تُمايِز بين الفكر والامتداد أو العقل والطبيعة، لكنّها تعطي الأولويّة للتجربة الحسيّة على الاستدلال العقليّ، ومن ثمّ اعتَبرا العقيدة الدينيّة وجلّ المفاهيم الميتافيزيقيّة، خارج إطار العقلانيّة، طالما يصعب إخضاعها للتجربة، حتّى كان الاتّهام بالتناقُض مبرّراً بين أن تكون مؤمناً وعقلانيّاً في الوقت نفسه. ولنتخيّل حجم الشكوك التي كان مُمكناً إثارتها في مواجهة الثنائيّة الديكارتيّة، لو لم يقم كانط بإعادة تأسيسها على أرضيّة الفلسفة النقديّة، حيث وضع قدرة العقل البشري على المعرفة موضع تساؤل، مؤكّداً قدرته على إدراك ظاهر الشيء، وليس الشيء في ذاته، ما يحول دون إدراكه للمطلق. ومن ثمّ لم يعُد الهمّ الأساس للفلسفة النقديّة إثبات وجود الله أو نفيه من خلال التجربة، بل فحص القضايا المعروضة على العقل، والتمييز بين تلك المحصورة في نطاق عالَم الظواهر، وهي ما يصلح للنهوض بمسؤوليّتها، وتلك المتعالية على هذا العالَم، فلا يصلح لها، لأنهّا تتناقض وطبيعة عمله. وبعدما كان الإيمان يحتاج إلى تدليل على وجود الكائن المستحقّ له، فإذا تعذّر إثبات وجوده تجريبيّاً، كان الطريق مفتوحاً أمام الشكّ معبّداً بالإلحاد واللا أدريّة، تمكّن كانط من قلب الموقف رأساً على عقب، مطالباً المُلحِد نفسه بإثبات عدم وجود الله، منتصراً لفكرة أنّ الحقيقة الإلهيّة، لفرط تساميها وليس ذبولها، لا يُمكن فحصها تجريبيّاً على منوال الظواهر الطبيعيّة والمجتمعيّة، بل يُمكن بلوغها بالوعي الإنساني الشامل، بما فيه من عقلٍ يعقل، وضمير يهجس، وحدوسات تكشف، أي على أساس الاستدلال النظري والتفضيل الأخلاقي. وهنا صار مُمكناً لعالِمٍ كبير أن يُعمِل عقله منهجيّاً في ظواهر الطبيعة مُستخرِجاً قوانينهاً، مُستنتِجاً منها وجود الله حسبما يهديه ضميره. ولعالِمٍ آخر كبير أيضاً، أن يُعمِل عقله المنهجي في ظواهر الطبيعة مُستخرِجاً القوانين نفسها، مُستنتِجاً إنكار وجود الله حسبما تلهمه حدوسه. وهكذا انحلّ التناقُض الذي تصوَّرته الفلسفة الحديثة حتميّاً بين الدّين والعِلم، وتجاوَز الفكرُ الغربي مأزقه التاريخي إلى مرحلةٍ أكثر نضجاً، لا تزال تحكم التيّار الأساسي فيه، من دون إنكارٍ لوجود تيّاراتٍ أخرى وإن كانت أكثر هامشيّة. 

الاستقطاب الفكريّ بين التغريبيّين والسلفيّين

الأمر نفسه جرى في السياق العربي. فبعد رحيل الإمام، أَخذ الفكر النهضوي العربي يتحرّك في مسارَيْن متوازيَيْن، يزداد كلٌّ منهما ابتعاداً عن الآخر، وتناقضاً معه، بمرور الوقت، حتّى بدا أنّ عقلانيّة الإمام التوفيقيّة أخذت تتمزّق بين اتّجاهَيْن: أوّلهما التغريبي برموزه من العلمويّين الذين حسموا اختيارهم لمصلحة العقل من دون النصّ، ورأوا أن لا مناصّ من الالتصاق بالغرب، بل الذوبان فيه، كونه القبلة الوحيدة للحضارة والحداثة والعقلانيّة، مستدلّين على ذلك بالحضور الطاغي لتجربة الحداثة، بل واقعين في أَسر المركزيّة الأوروبيّة. وكما مارَسَ التيّارُ المادي في الفكر الأوروبي (النقد الرفيع) للكتاب المقدّس اليهو – مسيحي، لم يتورَّع التغريبيّون العرب عن نقد المدوّنة التراثيّة المعروفة، التي نظر إليها، باعتبارها النقيض الكامل لثقافة العصر، بل ذهب بعض رموزهم إلى الربط بين التخلّف العربي والدّين الإسلامي الذي اعتبره فرح أنطون، كباقي الأديان، مدعاة إلى التفرقة الاجتماعيّة والوطنيّة لا لزوم لها. ودعا شبلي شميّل إلى إحلال العِلم محلّ الدّين قاعدة للأخلاق، والى تبنّي النظرة الماديّة إلى الكون، حيث النظام الطبيعي هو أساس الخلق الصحيح. وعلى منوالهما نسجَ آخرون مقاربون لهم، أمثال يعقوب صرّوف، وإسماعيل مظهر، وفارس نمر. 

أمّا سلامة موسى، فكان العَلَمَ الأبرز على هذا التيّار، ليس لغزارة نتاجه الفكريّ فقط (45 كتاباً)، بل لاتّساع نشاطه الصحافي وعُمق التشابُك بين أفكاره وحياته، وقدرته على نقل الخطاب التغريبي إلى ساحةِ الجدل الثقافي العامّ، بصراحته في الدعوة إلى إحلال النموذج الغربي بديلاً للإسلامي، من العلوم والتكنولوجيا، مروراً بالسياسة والاقتصاد، وصولاً إلى الفكر والسلوك والأخلاق، بل وحتّى طريقة المأكل والملبس والمشرب.

وثانيهما السلفي برموزه من الرجعيّين الذين انتصروا للنصّ على حساب العقل، من قبيل رشيد رضا وشكيب أرسلان ومحمّد فريد وجدي، ومالك بن نبي. دعا هؤلاء للعودة إلى “إسلام الفطرة” وإلى الاجتهاد ابتعاداً عن إسلام التقليد. غير أنّ الاجتهاد هنا لم يكُن يعني الانطلاق من معطيات مجتمع قد تغيّر، ويتوجّب إعادة تأسيسه بناءً على أوضاعه الجديدة، كما لا يعني حريّة المبادرة إلى مواقف جديدة تناسب تلك الأوضاع، بل يعني رفض “التقليد” الذي فسد من سوء الاستعمال، والعودة إلى الأصل/ النصّ. أمّا طريق العودة، فهو قياس الشاهد على الغائب، بحيث يُفهم الحاضر عبر الماضي، من خلال العلاقة بين النصّ ووسيطٍ سلفيّ أكثر قدماً، وليس بين النصّ والعقل، فليس للعقل أن يجتهد بالرأي، كي لا يحدث شيئاً في (دين الله)، والإحداث هو البدعة الكبرى والخصم الأقصى للسلفيّة. 

هكذا بدا الفكرُ العربيّ مندفعاً إلى ما يُشبه الاستقطاب في النصف الأوّل من القرن العشرين. وكما قُيّض لكانط أن يلعب الدَّورَ الحاسم في رأبِ حالة الاستقطاب داخل الفكر الغربيّ عبر نزعته النقديّة، قُيِّض لزكي نجيب محمود أن يلعب الدَّور نفسه في الفكر العربي عبر النزعة التوفيقيّة التي دشّنها في كتابه “تجديد الفكر العربي” (1970)، واستمرّ يبشّر بها عبر عشرين كتاباً تالية، آخرها (عربيّ بين ثقافتَيْن  1992)، الذي رَسَمَ فيه ملامحَ إنسانٍ عربيّ يجمع بين ثقافة العصر العلميّة، والوجدان القوميّ الخالص، أي بين الأصالة والمُعاصَرة. مارَسَ زكي نجيب محمود استراتيجيّته التوفيقيّة عبر التمييز بين أربعة أنساق أساسيّة: الدينيّ/ الاعتقاديّ، ثمّ الأدبيّ/ الفنّي، ثمّ الفكريّ/ القيميّ، وأخيراً العلميّ/ التجريبيّ، تختلف نسب الأصالة في ما بينها على مؤشّر نفترض أنّه يتحرّك من صفر إلى واحد صحيح على مقياس الإنسانيّة أو الكونيّة، يبدأ حركته من الدّين كمكوّن اعتقاديّ وسيلة إدراكه، هي الكتاب المقدّسو”الوجدان”، ومن ثمّ يحقّ للعقل العربيّ أن يتمسّك إزاءه بخصوصيّته الكاملة، باعتبار أنّه مدار الحدّ الأقصى للأصالة والهويّة والحدّ الأدنى للكونيّة. كما يبلغ غايته عند العلم الطبيعي، ووسيلة إدراكه هي “العقل”، ومن ثمّ يجسّد النسق الأكثر كونيّة والأقلّ أصالة، ويتعيّن ممارسته بموضوعيّة تامّة تحقيقاً للمُعاصَرة. وفي ما بينهما ثمّة الفكر الذي يلي العِلم في درجة المُعاصَرة، إذ يحمل مفاهيم وأفكاراً (كونيّة) تختلط بقيَمٍ ومبادئ (اجتماعيّة). ثمّ الفنّ الذي يلي الدّين في درجة الأصالة، كونه ينبعث من ذائقة “ثقافيّة” تنغرس في جماعةٍ قوميّة، حتّى وإن تشاركتْ في الخبرة الجماليّة مع غيرها بقدر ما تنتمي للمُشترَك الإنساني. وعلى هذا تُصبح الهويّة العربيّة هي حصيلة اجتهادنا الذاتيّ في فَهْمِ الدّين، ومستوى إبداعنا الجماليّ في الفنّ والأدب، ومدى إسهامنا الفكريّ في التطوّر الإنسانيّ، ومحض مشاركاتنا في النشاط العلميّ الكوكبيّ. 

لكن علينا هنا ملاحظة الفارق المُهمّ بين النزعة النقديّة لدى كانط، والتي دارت في فَلَكِ العقل والإيمان، الشيء في ذاته وعالَم الظواهر، واتَّخذت موقفاً مباشراً من مفهوم الحقيقة، وبين النّزعة التوفيقيّة لدى زكي نجيب محمود، التي دارت في فَلَكِ التراث والحداثة، الأصالة والمعاصرة، واتّخذت موقفاً من الغرب، لا من مفهوم الحقيقة نفسه. وربّما لهذا نجح كانط في تخليص الفكر الغربيّ من مأزق الإلحاد من دون التخلّي عن العقلانيّة، وأَخفق زكي نجيب محمود في تجنيب الفكر العربيّ مأزق الأصالة من دون التخلّي عن الحداثة

*كاتب من مصر

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


55 − = 48