في تناقضات الفكر العربيّ المُعاصر

أفق – د. كرم الحلو 

تناقُض التصوّرات والرؤى والمَفاهيم سمة عامّة ميَّزت الفكر الإيديولوجيّ العربيّ المُعاصر؛ فالقوميّة والوحدة والثقافة والتراث والنهضة والحداثة والجماهير طُرحَت في هذا الفكر كنقائض، وعلى نحوٍ إشكاليّ سجاليّ غالباً ما تميَّز بالحدّة والأحاديّة. لعلّ في مقدّمة هذه التصوّرات الإشكاليّة المُتناقضة تلك التي تناولت الأمّة العربيّة. هل هي تتحدَّد بالدّين أو أنّ الدّين ليس سوى واحد من مقوّماتها؟ هل الانتماء إلى العروبة والانتماء إلى الإسلام شيء واحد، أو أنّ الانتماء إلى الإسلام لا يفترض الانتماء إلى العروبة لأنّ الإسلام عابر للأُمم والقوميّات والشعوب ويتوجَّه إلى كلّ الناس دونما تفريق أو تمييز؟ هل الأمّة العربيّة تتعيَّن باللّغة أو بالتاريخ أو بالثقافة أو بالجغرافيا؟ بهذه المُحدّدات كلّها أو بواحدٍ منها أو أكثر؟

إزاء هذه الأسئلة الإشكاليّة، ذهب زين نور الدّين زين إلى أنّ العرب ظلّوا يشعرون أنّهم عرب لأنّهم يتكلّمون العربيّة، ولأنّهم يؤمنون بدينٍ واحد هو الإسلام، فيما رأى ساطع الحصري أنّ أهمّ العوامل التي تولِّد في النفوس رغبة الاتّحاد فتؤدّي إلى تأليف الأمّة إنّما هي وحدة اللّغة والتاريخ، وأنّ الرابطة الدينيّة لا تكفي لتكوين القوميّة، إذ إنّ السياسة شيء والديانة شيء آخر، ولا يُمكن إقامة السياسة على الديانة بصورة من الصور. ومن منظورٍ مُشابِه، جعلَ كمال الحاجّ اللّغة عاملاً أساسيّاً أوّليّاً في تكوين الأمّة، إذ إنّ اللّغة الواحدة شرط لوحدة الروح والثقافة وللتواصل التامّ بين أبناء الأمّة الواحدة .

على الضدّ من هذه التصوّرات، اعتبر نديم البيطار الدولة عاملاً رئيساً من عوامل تكوين الأمّة إن لم تكُن العامل الرئيس بامتياز، بل إنّ عامل اللّغة القوميّة مرتبط بعامل الدولة القوميّة، الذي هو العامل الأساس، والأفعل، والأهمّ. وهكذا، فاللّغة لم تكُن في التاريخ، وليست اليوم، هي العامل الحاسِم في تحديد القوميّة وتكوينها، بل إنّ القوميّات كوحدات لغويّة ثقافيّة تاريخيّة لا تصبح أُمماً بالفعل من دون وحدة الدولة .

وليس أدلّ على هذا التناقض الإشكالي بصدد القوميّة والوحدة من التأويلات المُختلفة والمُتناقضة التي لا تزال تتفاعل في فكرنا العربيّ المُعاصر، والتي تمثَّلت بصورة نموذجيّة في خطاب المفكّر القومي محمّد عابد الجابري، وما اعتوره من تناقض في تحديد معنى القوميّة العربيّة ومفهومها ومقوّماتها الأساسيّة. فبعد أن كان قد جعل اللّغة في كِتابه “الخطاب العربي المُعاصر”(1982) ” العنصر الرئيسي، وربّما الوحيد الذي يَجمع بين الشعوب العربيّة التي تزخر بالأقليّات الدينيّة والعرقيّة ولا تتمتّع أقطارها بوحدة طبيعيّة كافيّة”، عاد واعتبرَ في كِتابه “المسألة الثقافيّة” (1994) أنّ الثقافة العربيّة هي الجامِع القومي المؤكَّد، وأنّ الدّين مقوِّم أساس من مقوّمات الوحدة والثقافة العربيّتَين. ولم يلبث أن تراجعَ عن رأيه هذا في كِتابه “مسألة الهويّة” ( 1995)، حيث رأى أنّ سكّان المنطقة، التي تمتدّ من المُحيط إلى الخليج، هُم عرب وعروبيّون، لا بالفصاحة ولا بالنَّسب ولا بالدّين، بل باللّغة والثقافة والتاريخ والمَصير المُشترَك. ومع أنّه تكلَّم في “المسألة الثقافيّة” عن ” انشطار في الثقافة العربيّة يكتسي في الظرف الرّاهن صورة صراع خطير يكرِّس التمزّق والتشرذُم ويُغذّي الحرب الأهليّة”، قفزَ إلى اعتبار ” الوحدة العربيّة على المستوى الثقافي قائمة بصورة طبيعيّة”، وإلى أنّ ما يعوق الوحدة الفعليّة هو “غياب الإرادة السياسيّة”. 

وبينما رأى الجابري في “إشكاليّات في الفكر العربي المُعاصر”(1989) أنّ ” تحقيق الوحدة عمليّة تمرّ عبر نفي الدولة القطريّة”، عاد وقرَّر في “وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المُعاصِر” (1992) أنّ كلّ تفكير في الوحدة العربيّة لا يَنطلق من واقع الدولة القطريّة الرّاهنة “هو تفكير ينتمي إلى مرحلة مضت وانتهت”؛ حتّى أنّه بلغَ حدّ التساؤل في مؤلِّفه “المشروع النهضوي العربي” (1996):” ما الذي يبرِّر اليوم استعمال اسم “العرب” ليُزاحِم أسماء أخرى مثل المصريّين والسوريّين والمَغاربة والموريتانيّين؟”.

والفكر الإيديولوجي العربي ليس أقلّ تناقضاً بصدد “الجماهير” عمّا هو عليه بصدد الأمّة والوحدة. فثمّة لبس في فكرنا المُعاصر طاول دَورها ومَوقعها في الوجود السياسي والاجتماعي. لكأنّ مفهوم “الجماهير” في اللّغة الإيديولوجيّة الحديثة، امتداد أو استعادة لمفهوم “العامّة” بلغة التراث، حيث عُومل العوام بفوقيّة وسلطويّة واحتقار على الرّغم من الإقرار بأهميّتهم للعمران والمُدافَعة. فالجاحظ نَعتَهم بـ “السفلة”، على الرّغم من معرفته بأنّ “الغلبة لمَن كانوا معه، والمقهور مَن صاروا عليه”. وأبو حيّان التوحيدي وَصفهم بـ “الهَمج والرّعاع” مع أنّه رأى فيهم عماراً للدار ومَصالِح لأهلها ” يُخرجون الغريق، ويُطفئون الحريق، ويُؤنسون الطريق”.

صورة الجماهير في الإيديولوجيا العربيّة المُعاصِرة لا تختلف كثيراً في الجوهر عن المضمون التراثي بكلّ عنفه وقساوته. فهذه إمّا قاصرة تحتاج إلى قيادة تمسك زمامها، أو هي مقموعة لا تستطيع أن تُعبِّر عن إرادتها، أو هي غافلة يجب أن تدفع دفعاً نحو أهداف الأمّة العليا. وهكذا هي في كلّ الحالات تابعة لا متبوعة، مُنفعلة لا فاعِلة .

لكنْ، على الرّغم من هذه الرؤية المُحبِطة، تُراهِن الإيديولوجيا العربيّة المُعاصِرة على دَورٍ أساس للجماهير في الوجود السياسي والاجتماعي. ففي رأي سعدون حمادي أنّ “مِن أهمّ الأخطار التي يعاني منها التفكير السياسي العربي هو أنّه لا يملك تصوّراً واضحاً للقوّة الهائلة التي تكمن في جماهير الشعب”؛ وفي رأي ياسين الحافظ أنّ الوحدة العربيّة منوطة بـ “تعبئة الجماهير بغية اقتحام حصون التجزئة”. كذلك رَهَنَ القوميّون والشيوعيّون مشروعاتهم الإيديولوجيّة بانخراط الجماهير في الحراك السياسي والقومي.

على الضدّ من هذه الرهانات، ذهبت الجماهير العربيّة في غير الاتّجاه الذي تصوّرته الأيديولوجيا ولم تستجب لتنظيراتها ورغباتها في مفاصل تاريخيّة مهمّة من هزيمة حزيران (يونيو) من العام 1967، إلى حرب لبنان في العام 2006، إلى احتلال العراق في العام 2003، إلى حصار غزّة 2007-2008. فقد كانت للجماهير أجندة أخرى، وبدل أن تتقدَّم باتّجاه الوحدة أو الاشتراكيّة، عادت لتستغرق في عصبيّاتها الطائفيّة والمذهبيّة والقبليّة ما قبل الحداثيّة؛ الأمر الذي كشف مدى التناقض بين الرؤية الأيديولوجيّة إلى الجماهير وتوجّهاتها الحقيقيّة والفعليّة .

وثمّة تناقضٌ بيِّنٌ في فكرنا المُعاصِر في الرؤية إلى التراث ومُحاوَلة التوفيق بينه وبين الحداثة. ففي رأي محمّد عابد الجابري أنّ الطريقة التي سلكها ابن رشد من مَوقعه كفقيهٍ هي الأنسب والأقوَم للتعامل مع الحداثة، ولهذا لا بدّ من الامتلاء بالثقافة العربيّة والتراث الإسلامي عند الخوض في الحداثة الأوروبيّة وإمكان اقتباس شيء منها. أمّا عبد الله العروي، فلم يتردّد في توصيف المسافة الزمنيّة التي باتت تفصل المفهوم التراثي عن نظيره الحديث بـ”القطيعة”. وهو في ذلك لم يكُن يدعو إلى إحداث قطيعة مع التراث بقدر ما كان يدعو إلى الوعي بقطيعة أحدَثها معه التاريخ والزمن، ولم يبقَ أمام العقل العربي إلّا أن يعي بها، ويأخذ بالمفهوم الحديث، سليل الحداثة الغربيّة ومخاضها التاريخي. ولم يكتفِ العروي بمُلاحَظة فقر التراث العربي إلى العقل، بل يزيد على ذلك بملاحظة ما بين الفكر العربي والواقع من فجوات ومن تجاف مع منطق العقل والعقلانيّة. فالعلم عند العرب، وفق العروي، بقي في معرفة أصول الإيمان، والدّفاع عنه، فظلَّ العقل دائريّاً يدور حول نفسه، فيما تفلَّت العقل الغربي من عقاله فأسَّس لعلومٍ جديدة، كانت هي مَصدر قوّة الغرب .

ثمّة إرباك إذن يطرحه التناقض الإشكالي في فكرنا المُعاصر أساسه حالة اللّاحَسم الحضاري والسياسي، على حدّ تعبير محمّد جابر الأنصاري. الحالة لا تزال تحكم علاقتنا، إن بالحداثة ومفاهيمها غير المسبوقة، أو بالتراث وقيَمه وأعرافه التاريخيّة التي مثَّلت التطوّر المَعرفي العربي في الحقبة النهضويّة، الثريّة الأفكار والمَضامين والمُختلفة في الوقت ذاته، اختلافاً جذريّاً عن فكر الحداثة ومبادئها وأعرافها .

وهذا الإرباك التاريخي لا يُمكن حسمه في رأينا، من دون مُراجَعة نقديّة جذريّة لتصوّراتنا وأفكارنا السائدة والانخراط في حركة الحداثة، انخراطاً فاعِلاً وإبداعيّاً يؤسِّس لعصرٍ عربي جديد من شروطه ” الانقطاع التامّ عن الماضي، ونقْد كلّ موروث وسائد وشائع” على حدّ تعبير أدونيس، كي لا يبقى الزمن العربي ” زمناً جامداً ميّتاً” بلغة الجابري، يدور في حلقة مفرغة مقيتة، يُكرِّر مقولاته إيّاها، من دون أن يقوى على كسر استبدادها المَرجعي والتحرّر من ثقلها التاريخي .

*كاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 67 = 70