بلقزيز في: “الجماعة السياسيّة والمُواطَنة”

أفقد. المهدي مستقيم*

لا يتّصف الفردُ بصفة المُواطِن الحقّ إلّا متى التزمَ بمَجموعةٍ من الواجبات تجاه جماعته السياسيّة، على ألّا يُفهمنَّ من ذلك أنّه يَحقّ للدولة أن تُجرِّدَ أفرادَها من حقوقِهم متى امتنعوا عن المُشارَكة في شؤونها العامّة؛ فضَمان حقوق الأفراد واجِبٌ من أبرز واجباتها، لكنْ بامتناع الأفراد أولئك، حتّى لا أقول المُواطنين، عن المُشارَكة في الشؤون العامّة – مثل الامتناع عن الالتزام بواجب المُشارَكة السياسيّة – يُسهِمون في انحطاط الدولة الوطنيّة وفي عجْزها عن أداء وظيفتها المُتمثِّلة بالبِناء الديمقراطي عبر توسُّل آليّاتِ المُشارَكة. 

يُبرِز المُفكِّر المَغربي عبد الإله بلقزيز في كِتابه “الجماعة السياسيّة والمُواطَنة” (الصادر عن منشورات المَركز الثقافي للكِتاب) أنّ الدولة الوطنيّة بكلّ ما تَملكه من عتادٍ مؤسّسي مادّي غير قادرة على تشكيل مخلوقاتٍ سياسيّة (= المُواطنون) تَملكُ وَعْياً إيجابيّاً بالدولة من دون إقامة تحالُفٍ مع مؤسّساتٍ أخرى ذات طابعٍ اجتماعي رمزي: “المُواطَنة الحقّة بوصفها ثقافةً وقِيَماً، لا تُكتسب لمُجرَّد أنّ قوانين الدولة وتشريعاتها تُقرُّ مَنظومة الحقوق، التي تطلق عليها اسم حقوق المُواطَنة، وإنّما تُكتسب بالتكوين والتربية والتعليم، كما بالارتياض عليها في خضمّ علاقات العمل والتواصُل وتبادُل القيَم في الجسم الاجتماعي. ودون ثقافة مواطنيّة يتشبَّع فيها المرء بقيَم المُواطَنة لا تكون مُواطَنة، أو هي إنْ كانت موضوعيّاً، أي على صعيد منظومة القوانين، لا تكون ذاتيّاً؛ أعني لا يحصل الوعي بها، ولا يَنشأ الحافز الداخليّ للتمسُّك بها والدفاع عنها، بل والعمل على تنميتها بالمزيد من المَوارِد” (ص15). وبالتالي فإنّ المؤسّسات هذه، ونَخصّ بالذكر الأسرة والمدرسة، مُلزَمَةٌ بأداء واجبها إلى جانب مؤسّسات الدولة الماديّة. فإذا كانت الثانية مُطالَبة بتشكيل مخلوقاتٍ سياسيّة تحمل همَّ المُشارَكة في الشؤون العامّة، فإنّ الأولى مُطالَبة بتشكيل مخلوقاتٍ اجتماعيّة تملك استعداداً قبليّاً للانفتاح والتعاوُن والتضامُن من أجل خدمة كلّ ما يتّصل بالمَجال العامّ. يدلُّ مفهوم المُواطَنة إذن على الإنسان بما هو كائن “اجتماعي – سياسي، بل هو التحقيق السياسي الواقعي للإنسان، على الأقلّ في ما تَسمح به – اليوم – مُمكِنات التاريخ” (ص28).

يجلو الوعيُ السلبي بالدولة عن اعتقادٍ فاسد مَفاده أنّ الدولةَ جهازٌ استبدادي وظيفته مُمارَسة القمع والعنف والقهر والإكراه، وينشط هذا الاعتقاد لدى الجماعات البدويّة القبليّة التي تشرَّبت تقاليد التمرُّد على السلطة المركزيّة، كما ينشط لدى الجماعات الحضريّة المُعارِضة (الطبقة الوسطى المُسيَّسة) ولدى أصحاب التجارة والأعمال الذين يتهرّبون من أداء الضرائب، ولدى خرّيجي الجامعات العاطلين عن العمل، ولدى مَن عاشوا تجربةَ الاعتقال السياسي، ويرجع ذلك إلى خلْطهم بين الدولة والسلطة والنِّظام السياسي الحاكِم، كما ينشط لدى الفئات الفكريّة والأكاديميّة والثقافيّة والسياسيّة (اليسار) نتيجة نظرتهم المثاليّة للدولة؛ ونقصد أنّ هؤلاء لا يفكِّرون في الدولة كما هي على أرض الواقع، بل يفكّرون في ما ينبغي أن تكون عليه، أي أنّهم يُركِّزون على المأمول الذهني الخيالي لا على المُمكِن التاريخي الاجتماعي الواقعي. “إنّ ما يُعتبر في جملة أفعال الشرّ، بلغة الأخلاق، أو في جملة أفعال الانتِهاك، بلغة القانون، إنّما هي نتيجة موضوعيّة للنوازع الحيوانيّة والغرائزيّة في الناس، التي تَمنع من تكوين الجماعة والأمّة والدولة. وإذا كان الدّين والتربية يقومان بتهذيبها على صعيد وجدان الفرد، فإنّ الدولة تقوم بتهذيبها على صعيد الجماعة. الدّين والتربية يُعلِّمان الفردَ أخلاق الخير والفضيلة، والدولة تُعلِّم المُجتمع أخلاق القانون والسِّلم المَدنيّة” (ص32).

دَور القنوات الوسيطة

لا يُمكن أن يُبخِّس من قيمة الدولة إلّا مَن لم يَعِش تَبعات غيابها، وتَبعات ضعف مفعول أجهزتها ووَهْنه، فالدولة أسُّ المُجتمع وخَيطه النّاظِم لعلاقاته وتفاعُلاته، وليست السلطة إلّا وجهاً من الأَوجُه المُتعدِّدة للدولة: التنمية والرعاية والأمن الاجتماعي والتنظيم المدني والسيادة؛ فضلاً عن كَون السلطة لا تنحصر في العنف والإكراه والضغط، بل هي تنفيد لإرادة عامّة بموجب سَنَدٍ قانوني وضعي، ويقتضي تطبيق ما سطَّرته الإرادةُ العامّة تلك توسُّلَ العنف المادّي، غير أنّه عنف مشروع قانونيّاً ويهدف إلى تحصيل غايةٍ أخلاقيّة تتمثّل في حماية الأمن والاستقرار ووحدة الجماعة الوطنيّة وخدمة المصلحة العامّة: “ما زال أمامنا شوطٌ فكريّ كبير علينا أن نقطعه، في المُجتمع والثقافة العربيِّين، لنُدرِك معنى الدولة – على التحقيق – ونُميِّزه ممّا يتلبّسه ويُخالطه من معانٍ أخرى غير مُطابِقة مثل معنى السلطة والنّظام السياسي، أي تلك المعاني التي تَجري المُرادفة غير المشروعة بينها ومعنى الدولة في التداوُل الجماعي”. (ص31).

من أجل تجاوُز الأزمة هذه، وُجب المُراهَنة على دَور المُفكِّر والمُثقّف والمُختصّ في عِلم السياسة والفلسفة السياسيّة بشكلٍ خاصّ، غير أنّ نِتاجات هؤلاء لا يُمكن أن تَصل إلى الجمهور الواسع من الناس من دون وسطاء يحترفون تحويلها ونقْلها إلى مَعارِف في مُتناوَل العموم: “الوسطاء الذين نعنيهم ليسوا قليلي الشأن في ميدان التنمية الثقافيّة، كما يُظَنّ، بل هُم المعوَّل عليهم لتوزيع المَعرِفة في الوسط الاجتماعي الأوسع، أي هُم أولئك الذين لا سبيل إلى مُجتمعيّة المَعرفة، ولا إلى اكتسابها من دون أدوارهم في أوساط الجمهور الاجتماعي الأعرض؛ فالاعتقاد لدينا مكين بأنّه لا قيمة لمَعرفة لا تجدُ طريقَها إلى الناس، فتبقى سجينةَ بيئاتها الأكاديميّة الضيّقة، تماماً كما لا قيمة لمزروعاتٍ أو بضائع يُنتجها مُنتجوها ولا تَجِد سبيلاً إلى الناس/ المُستهلِكين” (ص41).

تُعتبر القنوات الوسيطة (المُعلِّم، الأستاذ، الصحافي، الإعلامي) مَدخلاً رئيساً لبِناء الرأي العامّ وتشكيل وعي عموم الناس المُتعلِّم، وتجلو القنواتُ تلك عن دَورٍ خطير يتمثّل في إرساء أُسس الهَيمنة داخل المُجتمع Hégémonie، وعلى الرّغم من أنّ دَورها يتمركز في نقْل المَعرفة لا في إنتاجها، إلّا أنّها لا تعمل على نقلها على نحوٍ حِرَفيّ، بل تعمل على تحويلها إلى مَعرفةٍ قابِلة لأن تُستوعب من قِبَلِ المُتعلِّم البسيط عن طريق إخضاعها لجملة من التقنيّات المَنهجيّة والبيداغوجيّة، ذلك أنّ المُتلقّي يَجِدُ عسراً في الاحتكاك بأصولها، ومن ثمّ فإنّ عمليّة النقل تلك تتطلَّب وسيطاً على مستوىً عالٍ من التكوين والمَعرفة حتّى يتمكّن من قراءة الأصول وفَهْمها، وبالتالي تحويلها لمَعرفةٍ قابِلةٍ للتبادُل: “هذا ما يحملنا على الظنّ أنّ فكرة الدولة، في الوعي الجمعي العامّ، تتضرَّر اليوم كثيراً من عدم وجود حاملها الوسيط داخل هذه الطبقة التي تُدبِّر ميدان المَعرفة والثقافة، من دون أن نُبرِّئ مَن يَكتبون في الدولة من قسطهم من المسؤوليّة” (ص43).

شحّ التأليف الفكريّ

من بين الجوانب التي تُسهِم في ضعف حِرفة الوساطة المَعرفيّة في ما يخصّ مسائل الدولة والسلطة ونظريّاتهما، يَذكر عبد الإله بلقزيز شُحَّ التأليف الفكري الذي يُمكن نقْله من مظانّه إلى المُتلقّي وندرته، ويقصد بذلك عجْزَ الباحثين المُنتمين إلى حقْل العلوم السياسيّة والعلوم الاجتماعيّة والفلسفة السياسيّة والعلوم الإنسانيّة وضُعفهم وتكاسُلهم عن البحث والإنجاز والترجمة؛ إذ لا حديث عن تأليفٍ رصين في قضايا الدولة والسلطة من دون توافُر شرطَين:

• بناء جهاز مَفاهيمي نظري مُتعدِّد المَشارب والمَناهل: فلسفة، علوم اجتماعيّة، علوم إنسانيّة، علوم سياسيّة.

• توخّي الدقّة والوضوح في بسْط المَفاهيم تجنُّباً للانزلاق في فخّ الخلْط وما يُفرزه من أخطاءٍ تكلِّف العمل السياسي غالياً (ص46). 

يُسفر الخلْطُ المَعرفي بين مَفاهيم حقل الدولة عن نتائج خطيرة قد تؤدّي إلى تهديم الوطن باتّخاذ مَواقف عدائيّة من الدولة، وبالتالي إتاحة الفُرصة لذيوع العصبيّات القبليّة، ونقصد بالخلْط المَعرفيّ ما يُميِّز رجلَ السياسة أو الفاعلَ السياسي اليوم، حيث الخلْط لديه واضحٌ بين الدولة والسلطة ونِظام الحُكم في حين أنّ “منطق مؤسّسات الدولة منطق مهني، مُحايد اتّجاه السياسة ومُنازعاتها وأهوائها؛ ومنطق مؤسّسات السلطة الحاكِمة سياسيّ، غَرَضه تحقيق بَرنامج اجتماعي مُحدَّد: يميني يساري، ليبيرالي اشتراكي، ديني أو مَدني… هذه خيارات في السياسة لا تقبل الانطباق على الدولة، حيث لا وجود لدولة يمينيّة أو يساريّة، مؤمنة أو مُلحِدة، ديكتاتوريّة أو ديمقراطيّة، رجعيّة أو ثوريّة…إلخ، هذه صفات تنطبق على أنظمة الحُكم وعلى خياراتها البرنامجيّة. الدولة هي الوعاء الذي يحمل هذه الخيارات ويوفِّر لها فُرص التحقُّق النّاجح، وفي الوقت عينه الذي يوفِّر لمُعارِضيها الفُرص لمُدافعة مَصالحها في وجه تلك الخيارات، الدولة دولة وكفى. تستوعب ولا تُستَوعب” (ص 50 – 51). إنّ ما يزيد الخلْطَ ذاك شدّةً وقوّةً، هو انكباب النّظام الحاكِم على تحويل الدولة ومؤسّساتها إلى ملكيّة خاصّة، حيث يتمّ توظيف الدستور والقضاء والجيش والمُخابرات وكلّ مؤسّسات الدولة وهياكلها التنظيميّة لخدمة مآرب النِّظام الحاكِم وتقوية سلطانه وإدامة نفوذه وإدامة حُكمه، الأمر الذي يؤدّي إلى انحطاط الدولة الوطنيّة في أَعْيُن المُواطِنين.

* كاتب وباحث من المغرب

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


54 − 46 =