سيادة الدولة: الأب الشرعيّ للإنجاز والحضارة

أفقمحمود برّي*

السيادة الوطنيّة “Sovereignty” هي عماد الدولة المستقلّة، فلا تكون دولة من دون سيادة. من حيث تعريفها، فالسيادة بمفهومها التقليديّ هي الحقّ الكامل للهيئة الحاكِمة وسلطتها على نفسها، من دون أيّ تدخّلٍ من جهاتٍ أو هيئاتٍ خارجيّة. بموجبها تتّخذ السلطةُ السياسيّة قراراتها، وتختار ما تجده متناسباً مع مصالح الدولة وأهدافها، من دون أن تكون مُرتهَنة ولا خاضعة. بهذا المعنى فالسيادة حصانة، وصفة جوهريّة تلحق بسلطة الدولة التي هي سلطة سياديّة، تشكّل أحد الأركان الجوهريّة التي تُبنى عليها نظريّة الدولة في الفكر السياسيّ والقانونيّ، وأحد أهمّ المصطلحات المُعتمدة في القانون الدوليّ العامّ لارتباطها الوثيق بمفهوم الدولة.

ينطبق الأمر على كلّ دولة، كما على مجموعة الدول المنضوية ضمن اتّحاد، حيث يصير لهذا الاتّحاد سيادة تامّة لا يستقيم من دونها. وهذا حال الاتّحاد الأوروبي على سبيل المثال.

بموجب السيادة تحتكر الدولةُ السيطرةَ السياسيّة على إقليمٍ معيّن، فيكون لها القرار في مختلف شؤونه الداخليّة، وما يتّصل بالعلاقات مع الدول الأخرى؛ إلّا أنّ الركائز المعياريّة لسيادة الدولة وهَيْبتها، وإنْ حافظت على فعاليّتها القيميّة كنظريّة، إلّا أنّها فقدت بعض فعاليّتها العمليّة، ولم تبقَ على حالها، بل راحت تَخسر من ثباتها وصلابتها مع تقادُم الزمن وتطوُّر الأحداث، ويتضاءل احترام موجباتها شيئاً فشيئاً في ظلّ المتغيّرات الدوليّة التي عرفها العالَم في مسيرة تطوّره وتقلّبات ظروفه، ولاسيّما خلال العقود الأخيرة من عالَم ما بعد الحرب الباردة. 

الضربة الأولى التي نزلت بسيادة الدولة جاءت مع انهيار، وبالتالي انتهاء وجود ما كان يُعرف بالاتّحاد السوفياتي وأفول الثنائيّة القطبيّة، حيث انصاع العالَم إلى كنف أحاديّةٍ أميركيّة ذات تفوّقٍ استراتيجي شامل ومُهيْمِن يرى إلى سيادة الدول من منظارٍ مُصغَّر. ثمّ جاء قطار العَولمة ليقضم المزيدَ من سياديّة الدولة لمصلحة اندماجها في البوتقة الدوليّة الجماعيّة النّاهضة والتحالُفات التي أَمْلَتْها مستجدّات ومصالح القوى العالميّة. وتمثّلت الضربة الثالثة لمفهوم سيادة الدولة بشيوع الإرهاب الدولي بصيغته الأفغانيّة وتجليّاتها، وقيام الحرب العالَميّة عليه، هذه الحرب التي أتاحت لما يُمكن تسميته بالدول القائدة، أن ترسمَ لسلطانها حدوداً تتجاوز في بعض الأحيان حدود سيادة الدول الأخرى في سبيل حماية الصالح العامّ، فضلاً عن ظهور قضايا جديدة أوجبت تنامي ديناميّات تعاون دولي جديد وحركيّات مُبتكرة للاعتماد المتبادل بين الدول، والتي تحوّلت بالتدريج إلى عولمة “مطوَّرة” معقّدة التركيب تمسك بإدارتها قطبيّة مُفردة. أدّى ذلك إلى ظهور معايير بنيويّة جديدة لمفهوم السيادة، كالأمن الإنساني، والحماية الدوليّة لحقوق الإنسان، وحقّ التدخُّل الإنساني والديمقراطي، بحيث لم يعُد المفهوم التقيلدي لسيادة الدولة “مقدَّساً” بكلّ مندرجاته، كما كان الحال في الماضي. وأدّى ذلك إلى تفكيك القيَم القديمة والتقليديّة لمفهوم السيادة، وبات مُباحاً تجاوزها والتطاوُل عليها بذريعة المُحافظة على السِّلم والأمن الدوليّين. وخرجَ أحدُ أبرز المفكّرين السياسيّين الأميركيّين “ريتشارد هاس”، التقليدي المُحافظ، ليُعلن فكرته التي ما لبثت أن تحوّلت إلى شبه قانون دولي غير مُعلَن، إنّما هو معمول به، دعا صاحبه الولايات المتّحدة الأميركيّة، باعتبارها حَجَرَ الرحى في عالَم القطبيّة الواحدة، وفي الغرب من بابٍ أولى، إلى تأدية دَورٍ أكثر فاعليّة على المسرح الدولي على أساس نظريّته القائلة إنّ “الدول لا تعود سيّدة عندما تتحوّل أراضيها إلى ملاذاتٍ آمنة للإرهاب الدولي”. 

وسط هذه الحال العالَميّة المستجدّة، خرج رئيس المفوضيّة الأوروبيّة في حينه، “جان كلود يونكر”، يتحدّث عمّا سمّاه “حالة الاتّحاد”، كأنّما هو يُلقي الخطاب الأخير في مسيرة ضمور المفاهيم التقليديّة لسيادة الدول، فرفع صوته متحدّثاً عن “ساعة السيادة الأوروبيّة”، شارحاً كيف لأوروبا أن تصبح أكثر استقلاليّة وقوّة في إطار الوحدة، وأن تُطوِّر دَورَها في تشكيل شؤون العالَم. 

لا شكّ أنّ الرجل، ومن موقعه في رئاسة المفوّضيّة الأوروبيّة، كان يُدرك أنّ خطابه الحماسي كان آخر نبضة من ماضٍ في سبيله إلى الأفول، وقد عفت عليه الأحداث المستجدّة في عالَمٍ لا يقف في مكانه. فالرياح العالَميّة العاصفة كانت باشرت هبوبها خلال تلك الآونة في الاتّجاه المُعاكس تماماً لمفاهيم سيادة الدولة التي يسبح “يونكر” بين أمواجها. كذلك كانت القارّة العجوز تَضع يدها على قلبها متخوّفةً من تصريحاتِ الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” عن إمكانيّة سحْبه الجيوش الأميركيّة المُرابِطة على أراضيها لغرضِ حمايتها وضمان أمنها، مُطالِباً الدول الأوروبيّة ذاتها بالإسهام الفعّال، ماديّاً وعسكريّاً، في حماية نفسها بنفسها. 

ثقل “الحليف الأبويّ”

الواضح أنّ رياح التحوّلات العالَميّة العاصفة يومها، لم تكُن تهبّ بما تشتهي مفاهيم سيادة الدول الأوروبيّة المنضوية في اتّحادها وسط محيطٍ دولي شديد الشراسة، وتدين بالتالي بشكلٍ بالغ الوضوح لحليفها الأبوي (الولايات المتّحدة الأميركيّة) العامل على حمايتها، بينما السيادات الأوروبيّة تعيش المزيد من الاتّكاليّة التي أفضت إلى شيء، قَلَّ أو كَثُر، من الارتهان بمعنىً ما، مقابل ثقل القوى الدوليّة الحليفة والمتطلِّبة من جهة (أميركا)، والقوى العالَميّة الأخرى المُنافِسة والتي تشكِّل خطراً من جهة أخرى (الصين وروسيا)، وهي تبحث جميعها عن تثبيت موقعٍ لها في خضمّ المتغيّرات، وعلى حساب الدول الأضعف. وأدّى ذلك بطُرقٍ شتّى، مباشرة وغير مباشرة، إلى المزيد من “قضْم” سيادة الدولة في العالَم، وفي أوروبا تحديداً، كما سيادة دول الاتّحاد الأوروبي مُجتمعة. 

كانت “صدمة” صفقة الغوّاصات الفرنسيّة التي اقتنصها الأميركيّون من فَمِ باريس، أكثر من دليل على ترهُّل مفاهيم السيادة والنفوذ والتأثير الأوروبيّة واندثارها في مواجهة أقرب حلفاء القارّة. وبينما ارتفعت أصواتُ الاستهجان في فرنسا التي شعرت أنّها ضُربت من بيت أبيها، وراح وزير خارجيّتها يتحدّث عن طعنة في الظهر، كانت الحقيقة القاسية بعيدة عن كلّ هذه الانفعالات والعواطف، تُعبِّر بواقعيّة مريرة عن حالة انسحاق السيادة الوطنيّة أمام “المصالح الكبرى”. 

والأمر ذاته أعادت السلطاتُ العليا الفرنسيّة استذكاره مؤخّراً، حين أشار الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، بمرارةٍ فائضة، إلى أنّ “الولايات المتّحدة تتّبع معايير مزدوجة في تحديدها أسعار الغاز المسال الذي تُصدّره للاتّحاد الأوروبي” لتعويض المفقود الروسي منه، مؤكّداً بشيء من الاستنكار، أنّ “الغاز الأميركي يُباع أرخص بثلاث إلى أربع مرّات في السوق المحليّة الأميركيّة من السعر الذي يشتريه به الأوروبيّون”. وفي الصدد إيّاه، كان وزير الاقتصاد الألماني “روبرت هابيك” قد أعلن في وقتٍ سابق عن استيائه من حقيقة أنّ تصرّفات بعض “الدول الصديقة”، بما في ذلك دول الاتّحاد الأوروبي والولايات المتّحدة، أدّت إلى زيادة أسعار الغاز الطبيعي المسال، والذي بات قضيّة أوروبا الأولى مع اقتراب موسم الشتاء والصقيع.

كلّ ذلك كان يشير بقدرٍ كافٍ من الوضوح إلى اجتياح الحليف الحامي والأقوى لمفاهيم الصداقة والتحالُف، وبالتالي للحدود السياديّة للدول الأوروبيّة. وكان هذا ضربة إضافيّة تواصل تهشيم الهياكل السياديّة للدول. فمنذ عقود قليلة فقط كانت فرنسا، على سبيل التذكير، مثالاً عالَميّاً باهراً على الاستقلاليّة السياديّة المُشرقة في عزّ الزمن الديغولي، وكانت باريس تتباهى بشخصيّتها الأوروبيّة المستقلّة والمُتحالفة مع الأميركيّين، مع حفاظها في الوقت ذاته على سيادتها كبلدٍ حضاري من الدول المتميّزة ضمن نادي الدول الكُبرى المُهابة.

لا حضارة من دون سيادة

الحرب الأوكرانيّة فعلت فعلها. لم تكتفِ بتدمير البلد الذي يتعرّض للغزو فقط، بل امتدّ تأثيرها لينال من اقتصادات ورفاهيّة وسيادة الدول الأخرى، والأوروبيّة على وجه التخصيص، الحليفة لواشنطن على الضفّة الأخرى للأطلسي، بفعل مُقتضيات هذه الحرب “العالَميّة” الدائرة على الأراضي الأوكرانيّة، والتي يشارك الأوروبيّون في تعزيزها بالمال والسلاح تحت السقف الأميركي، من دون تردّد ولا اعتراض.

لا فرنسا احتفظت بسيادتها كما أيّام الجنرال ديغول، ولا ألمانيا بقيت قادرة على مدّ يد العون الاقتصادي لأيّ دولة في الاتّحاد الأوروبي. وكلّ جهود دول الاتّحاد الأوروبي صارت مأخوذة بالحرب التي يشنّها الروس على أوكرانيا، تعمل على توفير كلّ المال وكلّ السلاح لساحة المُواجهة القائمة، ليس لأنّ هذا ما تطلبه الولايات المتّحدة الأميركيّة عنوة، ولا لأنّ دول الاتّحاد الأوروبي خسرت سيادتها بالكامل أمام إرادة واشنطن وهَيْمنتها، بل لأنّها كانت في سبيلها للحفاظ على سيادتها واستقلالها أوّلاً، ولأنّ الحرب الروسيّة الخطيرة وسط أوروبا، باتت في حقيقتها حرباً بين الغرب والشرق، ولم تعُد تهدّد القارّة كلّها والغرب جميعه، بل امتدَّت لتهدّد العالَم برمّته، بعد ارتفاع الصياح النووي المذعور من جهة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وخروج صواريخ “يوم القيامة” من مخابئها إلى عدسات الإعلام وشاشاته.

تحت مطارق هذه “الحرب العالَميّة” تغيّرت أوروبا، وتغيّر العالَم، وضاقت بشكلٍ غير مسبوق الحدود التقليديّة لسيادة الدول. 

ليس اكتشافاً القول إنّ اهتزاز الحالة السياديّة في القارّة التنويريّة، هو مثابة ضربة صاعقة للحالة الحضاريّة في عالَم اليوم؛ فاهتزاز السيادة لن يكون أقلّ من عمليّة خنْقٍ لأوروبا ولإمكانات التقدُّم والتطوّر فيها وفي العالَم. إنّ مختلف تجارب البشريّة الناجحة في ترقّيها وتطوّرها، لم تكُن لتتحقَّق وتنجح خارج مظلّة الاطمئنان السياديّ للدول الرياديّة؛ فلا تطوُّر ولا عِلم ولا ثقافة ولا تقدُّم ولا حضارة من دون حالة سياديّة. 

وهذا بالطبع ما لا تجهله الولايات المتّحدة ولا أوروبا بالتأكيد.

*كاتب وإعلامي من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


19 − 14 =