الصراع بين نَماذِج الثقافات

أفق – د. عبد العظيم محمود حنفي*

يرى عددٌ من المفكّرين القائلين بالحركة الدائرة في سَيْر التاريخ، أنّ حركة الإيقاع التاريخيّ مكوَّنة من توالي أربعة أدهار من النماذج الثقافيّة، وأنّ تاريخ كلّ نموذجٍ ثقافيّ يشمل حركة ظهوره خلال سَيْر الزمن، وصراعه مع النموذج السابق، وتغلّبه عليه، وتفرّده بالسَّيطرة، ثمّ صراعه مع النموذج اللّاحِق الذي يتغلَّب عليه بدَوره وينسخ أحكامه ويبدِّل شرائعه… وهكذا دواليك. فالصراع بين نَماذج الثقافات صراعٌ أبديّ لا يقف عند حدّ، ولا ينتهي إلى غاية في تقدير هؤلاء. 

ويتجاوَزُ النموذجُ الثقافيُّ في فترة تغلّبه حدودَ الأمّة والسلالة الشعبيّة، وقد تترامى أبعاد تأثيره، فتشمل قارّةً برمّتها، وليس من السهل دائماً تحديد مدى انتشاره وتغلّبه. فهو في داخل حدوده يَستوعِب ألوان الثقافة كلّها، ويَطبعها بطابعه ويفرض عليها شخصيّته، ويبدو تأثيره واضحاً في كلّ إنسان يعيش في محيط سيطرته. كما أنّ كلّ فرد مضطرّ إلى أن يُدخِل في حسابه النموذج الثقافي السائد من دون أن يَفقد حرّيته المعنويّة، وهو يتبعه ويسير بمقتضاه أو يخالفه ويخرج عليه، ولكنّه لا يستطيع بحالٍ أن يتجاهله، وأن يُعارضه؛ حيث إنّ المُعارَضة نفسها تغدو ضرباً من ضروب الاعتراف بوجوده وتقدير مدى تأثيره. 

يَبعث توالي النماذج الثقافيّة الخصبَ في الحياة الإنسانيّة، ويَستثير كوامنها وقوامها الخالِقة، ويبدو النموذج الثقافي الجديد في ريعان طرافته وعنفوان فتوّته، فيشيّع النشاط في نواحي الحياة المُختلفة، ويهزّ رواقد النفوس، ويُحرّك العزائم، وتبدو بقايا النموذج الثقافي السابق حائلة اللّون بالية إلى جانب مَظاهر النموذج الثقافي الجديد كأنّ له قيمة سامية، أو كأنّه الهدف الذي كان يعمل تاريخ البشريّة على تحقيقه. وفي إبّان اكتمال انتصاره، تلوح في الأفق لوائح النموذج الذي سيخلفه، وتبدأ طوالعه في الظهور، وتتوالى نُذره، وتأخذ قوى النموذج السائد في الضعف والذبول بعد أن يؤدّي رسالته، ويَلعب دَوره، وتقلّ الثقة بقيَمه المأثورة، ويتبدّى ذلك باستسلامه للنموذج الصاعِد والتراجُع أمامه، وبتخلية الطريق له ليتمكَّن من بسْط سلطانه على جوانب الثقافة المُختلفة، وهكذا يستمرّ هذا الإيقاع الزمني بغير توقّف ولا انقطاع.

النماذج الأربعة

هناك مَن يرى أنّ ثمّة أربعة نماذج رئيسة للثقافة، لكلّ نموذجٍ منها شخصيّته أو روحه الخاصّة، وهذه النماذج تمرّ مُتتابعةً في سَيْر الزمن، وهي النموذج التناسقي، والنموذج البطلي، والنموذج الزهدي، والنموذج الرسالي.

ففي خلال النموذج الثقافي التناسقي، يبدو الكَون للإنسان وكأنّ به تناسقاً داخليّاً، وكأنّه مُكتمِل النواحي مُتجاوِب الأجزاء ليس به نقص ولا يشينه عَيب، فهو من ثمّ ليس في حاجة إلى القيادة البشريّة لإصلاح عَيبٍ أو استكمال نقصٍ أو إعادة بناء. وفي مثل هذا العهد الثقافي، لا مجال لظهور فكرة التطوّر أو التقدّم. ومفكّرو عهد الثقافة المُنسَّقة يرون أنّ تاريخ البشريّة قد حقَّق الغاية المنشودة، والكون في رأيهم شيء ثابت مستقرّ خالٍ من الديناميكيّة، ويمثِّل هذا النموذج في التاريخ العهد الهومري عند اليونان، وعهد “كونفوشيوس” في الصين، وعهد النسق القوطي في مسيحيّة الغرب الذي امتدّ من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر.

وفي عهد تغلُّب النموذج الثقافي البَطلي، يَنظر الإنسان إلى الدنيا باعتبارها عالَماً تسوده الفوضى وأنّ من واجبه من أجل ذلك أن يبذل الجهد في تنظيم أحوال هذا العالَم المُضطرِب. والإنسان في عهد النموذج البطلي للثقافة لا يعيش فى سلامٍ مع العالَم بل يظلّ في معركة دائمة وصراع مستمرّ، وتَمتلئ نفسه بالثقة، وتهيب به الكبرياء، ويغريه حبّ السيطرة، وتستبدّ به شهوة الامتلاك، فهو يحاول أبداً إخضاع العالَم وصَوغه على المثال الذي يؤثّره، ولا يرفع طرفه إلى السماء وإنّما يجيل بصره في الأرض وقد استولَت عليه المَطامِع وملأ الجشع والحسد شعاب نفسه، ويحوِّل كلّ شيء إلى أغراضٍ دنيويّة أرضيّة حتّى تنتهى حياته بمأساة محتومة.

العالَم في دنيا النموذج البطلي هو عالَمٌ ديناميكي، فليس هناك ثباتٌ ولا استقرار، والإنسان فيه مثل “بروميثيوس” يتحدّى كلّ قوّة، فهو دائم النشاط والتوثُّب والمُغامَرة والاقتحام، ومن أمثلة هذا العصر العالَم الروماني في أوجّ قوّته، والعالَم الألماني الروماني في الغرب بعد القرن السادس عشر. فرجل الغرب البروميثيوسي في خلال القرون الأربعة مثالٌ صالِح لهذا الطِّراز. 

في حين أنّ نموذج الثقافة الزهديّة يرى الوجود في الأرض لَوناً من ألوان الخطيئة، ويرى أنّ عالَم الحسّ سرابٌ وخداعٌ وإغراء شرّير، وأنّ الهرب منه والاستغراق في ما يسمو على الحسّ هو الحكمة وسبيل الرشد. والإنسان الزاهد هَجَر عالَم الحسّ غير آسف عليه وليس له أمل في إصلاح العالَم ولا رغبة فى السموّ بالبشر، ولا يُحاول أن يُحدِث تغييراً؛ ولذلك تُشبه عصور الثقافة الزهديّة عصر الثقافة التناسقيّة، بل هي أكثر منها إمعاناً في طلَب الاستقرار ومُجافاة الحركة، ومن أمثلة عصور الثقافة الزهديّة عصر ازدهار الديانة الهندوسيّة والديانة البوذيّة.

أمّا نموذج الثقافة الرّابع فهو عهد الثقافة الرساليّة. وفي ظلال هذه الثقافة يؤمِن الإنسان بأنّ له رسالة مقدَّسة وأنّ عليه الاستجابة لدعوتها، والاستشهاد في سبيل دعْم مكانتها ورفْع شأنها وتغليبها على غيرها من الثقافات. والفرد فى عهد الثقافة الرِساليّة مثل الإنسان البطل يريد أن يحقِّق النسق الذي يحسّه داخل نفسه ولا يقبل الدنيا كما هي وإنّما يُحاول تغييرها لا من أجل ذاته ومَطالِب مصلحته الخاصّة وإنّما لأداء الرسالة التى يحملها، وهو مثل الرجل التناسقي يحبّ الدنيا ويُقبِل عليها، ولكنّه لا يحبّها كما هي وإنّما كما يجب أن تكون. والدنيا في نظر الرجل التناسقي حقَّقت الغاية وبَلغت مرادها. أمّا الرجل الرسالي، فيرى أنّ بلوغ الغاية منوط بالمستقبل البعيد ولكنّه يؤمن بأنّ هذه الغاية ستُحقَّق، وهو يُخالِف فى ذلك الرجل الزهدي اليائس من الإصلاح. على أنّ الرجل الرسالي لا تحدوه في طَلَب التغيير المَطامِع الشعبيّة، ولا النزوع إلى طَلَب السلطة وشهوة حبّ السيطرة وسياسة فرِّق لتسود، وإنّما يحدوه حرصٌ على تحقيق مَثله الأعلى، والرغبة في التأليف والتجميع لا التوزيع والتفريق، ولا تحرّكه الكراهيّة والخصومة وإنّما الإيمان العميق واليقين الصادق. وهو يرى في البشر إخوة تربطه بهم أواصر القرابة لا خصوماً ينطوي لهم على سوء الظنّ والرغبة في الكيد والأذى، والدنيا في نظره ليست مجالاً لنَهْب الغنائم والاستلاب، وإنّما هي مجال لبعْث الاستنارة وتشريف الحياة وإبرائها من الآثام والشرور والعيوب والنقائص. وهو يبذل جهده، ويعاني الشدائد ليُخرِج من الفوضى نِظاماً، ويُحقِّق مَثله الأعلى وملكوت الله في هذه الأرض. وعهد الثقافة الرساليّة حافلٌ بالحركة والنشاط مثل عهد الثقافة البطليّة، والمسيحيّون الأوائل ومعظم السلافيّين أمثلة لمثل هذا العهد.

ويرى المفكّر الروسي دانيليفسكي، وهو من المفكّرين القائلين بالحركة الدائرة في سَيْر التاريخ، أنّ الفكرة السائدة التي تزعم أنّ الحضارة الأوروبيّة، أو بلفظ أدقّ الحضارة الألمانيّة الرومانيّة هي والحضارة الإنسانيّة العامّة شيءٌ واحد فكرة خاطئة قائمة على مُغالطات شتّى مثل الاعتقاد بأنّ تقدُّم البشريّة يسير في خطٍّ مُستقيم والنَّظر إلى الحضارة الأوروبيّة على أنّها الحضارة الوحيدة التقدميّة وتقسيم الحوادث التاريخيّة إلى عصرٍ قديم وعصرٍ وسيط وعصرٍ حديث نتيجة الأخذ بهذه الفكرة الخاطئة؛ وهذا التقسيم يعتبر سقوط الدولة الرومانيّة الحدّ الفاصِل بين العصر القديم والعصر الوسيط ويعتبر الكشف عن أميركا الحدّ الفاصل بين العصر الوسيط والعصر الحديث. وبناءً على ذلك تُعَدّ الحوادث التي حصلت في تاريخ الحضارة اليونانيّة الرومانيّة والتاريخ الأوروبي علامة مميّزة لتقسيم حركة التاريخ البشري كلّه إلى ثلاثة عصور. ومثل هذا التقسيم ينطوي من الوجهة المنطقيّة على مُغالَطة. فإذا كان سقوط الدولة الرومانيّة حادثة مهمّة في تاريخ الحضارة اليونانيّة الرومانيّة، فإنّه لم يكُن أمراً ذا بال في تاريخ الصين أو الهند أو لدى الكثير من القبائل العربيّة . وليس هناك حادثة واحدة في تاريخ البشرية يُمكن أن تقسِّم مصير البشر إلى عصور يُمكن تطبيقها على الإنسانيّة برمّتها لأنّه ليس هناك حادثة تتعادل أهمّيتها بالقياس إلى الإنسانيّة جميعها. 

والحقيقة أنّ لكلٍّ من روما واليونان والهند ومصر وسائر الأُمم التي لديها تاريخ، عصرها القديم وعصرها الوسيط وعصرها الحديث. فهي مثل أيّ بنية عضويّة حيّة تمرّ بأدوار النموّ المُختلفة المُتعاقبة. وليس من اللّازِم أن تكون هذه الأدوار ثلاثة ليس إلّا. فليس هناك من حضارةٍ واحدة ولكنْ هناك طُرُزٌ من الحضارات لكلٍّ منها خصائصها ومميّزاتها.

*كاتب وأكاديمي من مصر

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 31 = 41