بقلم : محمد حسيكي
في بلاد المغرب عرف الساقي المهذب بالقائم على تحضير الشاي، من وسط جماعي من مناسبات دينية أو اجتماعية، أو من مجالس ثقافية أو اقتصادية أو من وقت ثالت لأخذ قسط من الراحة والفكاهة .
وقد ظهر الساقي المهذب مع ظهور أواني الشاي، بالأوساط السلطانية، ولم يغب عن ذهني من وقت الدراسة التاريخية، صورة المجلس السلطاني من عهد السلطان المولى يوسف، وأواني الشاي تتوسط جمع الحضرة السلطانية .
والشاي نبات زراعي، يحول بعد التجفيف والتعبئة والتلفيف، إلى مادة مصاحبة للوجبات الغذائية، تتم تهيئتها من شراب دافئ على منوال تحضير أكواب القهوة، وهو منشط حيوي للشعيرات الدموية من الجسم .
اشتهرت من انتاجه وتجارته بلاد الصين، عهد تجارة قوافل الحرير والشاي بين آسيا وأوروبا، عبر ترعة سيناء البرية بين البحر الابيض المتوسط والبحر الأحمر، قبل إنجاز قناة السويس المائية، التي تربط بحريا بين الابيض المتوسط، والبحر الأحمر .
عرف العرب شرب الشاي كشرب القهوة، وكان قبل ظهور الصناعة السكرية، يشرب طبيعيا على الطريقة الصينية، إلى جانب التمر العربي، كما الشأن في شرب الحليب بالتمر .
ومن رجال الفكر العرب، وقبل ظهور مادة التبغ كان من يستعمل الشاي مضغة، وقت خلوته للقراءة والكتابة، والتي وجدت آثارها من تلك المخطوطات .
وبالمغرب عرف شرب الشاي، عبر التواجد البريطاني, من عهد الحرب مع الهنود الحمر بالقارة الأمريكية، وتجنيد الأفارقة للاستيطان بالأراضي الجديدة .
وخلال تلك الحقبة ظهرت الصناعة السكرية بالمغرب، وكان من عهد السعديين معرفة المغاربة شرب الشاي من مجالس خاصة.
ومن حقبة الحماية، انتشر بالمغرب تعميم شرب الشاي، وينطقونه باللسان من اسم ” الثاي “بالثاء المعجمة من محل الشين الشمسية، كناية عن كونهم عرفوا شربه من الغرب، وليس من الشرق .
أواني الشاي :
تتكون أواني الشاي، من طاولة دائرية من فضة أو نحاس، مع إبريق معدني يعرف اسميا بالبراد، مع كؤوس زجاجية للشرب، فضلا مرجل نحاسي كموقد فحم من النار يوضع عليه ميقراج ماء مغلى، لتحضير الشاي من البراد، إلى جانب علبة الشاي الصيني، وعلبة السكر، وعلبة النعناع المغربي .
ويتم شرب الشاي المغربي في أجواء جماعية، يصحبها المرح والفكاهة الأدبية، والمجالسة العملية من الفكر والأدب، وتثبيت الراي على جادة الصواب .
الساقي المؤدب :
عهد مرحلة الحماية الدولية والاسبانية والفرنسية ، عرف المغاربة بجلسات الشاي، التي أصبحت إلى جانب جلسات الطعام التي تتميز بالطباخ، تتميز جلسة الشاي بالساقي المؤدب، الذي يقوم على إعداد الشاي من وسط الجمع المنظم لذوي السلطة والجاه.
وغالبا ما كان وجوده بالجانب الرسمي، حين تسهر السلطة العمومية على عمل رسمي عام، يحضره القواد بالمناطق القروية، والباشوات بالمناطق الحضرية .
خلال تلك التظاهرات العملية، وبعد الانتهاء من الأشغال، تحضر الشخصيات الرسمية حفلة غذاء، يعقبها وقت للاستراحة في جلسة شاي مريحة .
ومن طرائف تلك الأزمنة عن ساقي الشاي، قولة العموم على لسانه ، خلال تعيينه، ووضع طاولة تقييم الشاي للوجهاء والقادة من الحضور .
ومن ثمة حين وضعت الأواني أمامه، والشخصيات الرسمية حوله، بدأت للوهلة الاولى ترتعش فرائسه، من المهمة التي صار يتحملها ويحملها .
وبعد أن وضع الساقي اليد على الأواني، زال كل الارتعاش وكل هموم الجمع من الحضور، وشرع في مزاولة أشغاله بكل مهنية وأريحية، على طريقة قائد طاولة الشاي المخزنية، جعلته يستحضر الذهن مع العمل، بما يرضي النفس والجمع، حتى صار ينشد في قرارة جلسة عمله .
أنا الساقي المؤدب،،، نسقي بالكأس المذهب،
وبرضاك نسقي يا أمي ذهيبة،،، أنا ولدك، أنا الكبيدة،،،
قيدتني من جمع القياد، أنا الساقي بالكأس المذهب،
أنا نسقي بالكاس المذهب،، وانت تسقي برضاك ياأمي ذهيبة .
و من الجمع تمت طلعة الكأس،، وطلعة الرغبة من اسم كوب، وهو الكأس، وتعني في عرف المغربي، اسقي يا ساقي وأعد .
وهكذا مر ت علاقة الانسان مع الشاي من الشراب الفردي، إلى الشرب الجماعي، والتغني به من جلسات الانس والأدب، إلى جلسات الساقي المهذب .

قم بكتابة اول تعليق