التعليم وتحقيق التنمية المُستدامَة في العالَم العربيّ

أفق – د. ماجد السلمي*

يُواجِه تحقيق أهداف التنمية المُستدامَة في المنطقة العربيّة تحدّياتٍ عدّة تكاد تكون نفسها بين البلدان العربيّة على الرّغم من اختلاف مستويات الدخل، والمَوارِد الطبيعيّة، والنموّ السكّاني فيها. ويُؤمَل من العالَم العربيّ الإسراع في مُواكَبة تحقيق هذه الأهداف مُقارَنةً بالدول المتقدّمة وتذليل هذه التحدّيات، وذلك بإطلاق الطّاقات الكامنة في الأفراد، وتحويل الالتزام بخطّة التنمية المُستدامَة لعام 2030 إلى واقع من طريق تعزيز كفاءة القدرات البشريّة، ولاسيّما من خلال رفع مستوى جودة التعليم وتفعيل مُشارَكة القطاع غير الربحيّ والقطاع الخاصّ.

فبمقدور التعليم أن يقوم بأدوارٍ مُهمّة في التحوُّل المنشود في الدول العربيّة وأن يجعلها مُجتمعات أكثر استدامة. فالتعليم يصوغ المفاهيم والقيَم والاتّجاهات، ويُسهم في تنمية المهارات والأدوات التي يُمكن أن تُستخدَم في خفْض أو إيقاف المُمارسات غير المُستدامَة وتطويرها، والتصدّي للتحدّيات البيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فالتعليم هو الوسيلة الأكثر فعاليّة لتحسين سُبل العيش من خلال زيادة دخل الفرد، وتنمية المهارات اللّازمة لتحويل الاقتصادات والنُّظم الغذائيّة إلى نُظم أكثر شمولاً ونفعاً للمُجتمعات. وللتعليم دَور أساس في التأثير على السلوك البيئي الفردي والجماعي من خلال تأصيل التعلُّم مدى الحياة.

فقد أَطلقت اليونسكو تقريراً عالَميّاً حول مستقبل التربية والتعليم، بعنوان “تصوُّرات جديدة لمُستقبلنا معاً”، وذلك في اجتماع عُقد في مقرّها الرئيسي في باريس في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021. حيث استند التقرير إلى عمليّةٍ تشاوريّةٍ عالميّة شارَك فيها ما يزيد على مليون شخص. يدعو هذا التقرير إلى إحداث تحوُّلٍ كبير في التعليم بُغْية إصلاح جذريّ فيه، وتعزيز القدرات على العمل معاً من أجل مُستقبل أكثر استدامة. ويتعيَّن على نُظمنا التعليميّة أن تؤكِّد بشكلٍ أفضل على ترابطنا وأن نُعزِّز التفكير النقدي والمُشاركة المدنيّة والوعي بإنسانيّتنا المُشترَكة وكَوكبنا. وتُشكِّل صياغةُ عقدٍ اجتماعي جديد للتربية والتعليم في هذا السياق خطوةً حاسمة نحو تحقيق الاستدامة.

فقد أشارت المديرة العامّة لليونسكو، أودري أزولاي، إلى أنّه “في وقتٍ تتقاطع فيه التحدّيات المناخيّة والصحيّة والتكنولوجيّة، باتت إعادة التفكير في التعليم حاسمةً أكثر من أيّ وقتٍ مضى من أجل توجيه المستقبل. ويجب علينا أداء ذلك معاً إذ إنّ التعليم في المستقبل يتطلّب توفير مساحة أكبر للمُشاركة والمُساهمة من جانب المجتمع التعليمي بأكمله والمجتمع ككلّ”.

وبدَورها أصدرت اللّجنة الدوليّة المعنيَّة بمُستقبل التربية والتعليم تقريراً من أجل إعادة التفكير في السُبُل التي يُمكن للمعرفة والتعلُّم من خلالها تشكيل مستقبل البشريّة والكوكب، وما يجسِّد التوقّعات الخاصّة بالتعليم حتّى العام 2050 وما بعده، بهدف تسليط الضوء على الاضْطرابات الرئيسة المتعلّقة بالمناخ والرقْمَنة. ويقترح التقرير عقداً اجتماعيّاً جديداً للتعليم يهدف إلى إعادة توازن علاقاتنا مع الكوكب والتكنولوجيا.

ويدعو التقرير المُعلّمين والباحثين ومُتّخذي القرارات إلى الالتزام بتجديد التعليم من خلال إعادة تصوُّره بشكلٍ إبداعي من جديد، وكيفيّة تحقيق ذلك في مؤسّساتهم التعليميّة ومُجتمعاتهم المحليّة، وتشجيع الحوار التعليمي والعمل على نطاقٍ واسع بُغْيّة تسخير التنوُّع الثري للإبداع البشري والابتكار.

وإلى أن تتحوَّل المناهج الدراسيّة نحو التعلُّم الإيكولوجي والثقافي والمتعدّد التخصّصات وعلى تجديد التضامُن العالَمي والتعاوُن الدولي بُغْية توسيع الفُرص التعليميّة عبر حياة الإنسان وعبر المساحات الاجتماعيّة والثقافيّة والمهنيّة، يُشدِّد التقرير على ضرورة الحاجة إلى توسيع الحقّ في التعليم بما يجعله مدى الحياة وشاملاً الحقّ في القدرة على الاتّصال الإلكتروني. وهو يشير إلى ضرورة زيادة الكفاءة المهنيّة في التعليم بوصفه مسعىً تعاونياً وأن يُعترف بالمعلّمين باعتبارهم جهات فاعلة رئيسة في التحوُّل التعليمي والاجتماعي؛ ويدعو إلى حماية المدارس بوصفها مواقع لا غنىً عنها من أجل تعزيز الإدماج والإنصاف والرفاه الجماعي، وإلى إعادة تصميمها بُغْية تشجيع المزيد من التعاوُن وأن تصبح نماذج للاستدامة ومُحايِدة من حيث انبعاثات الكربون.

المدارس الخضراء أحد نماذج مدارس الاستدامة

يتطلّب التعليم من أجل التنمية المُستدامَة تصميم برامج خاصّة بالتعليم لتحفيز المُتعلّمين على تغيير سلوكهم وتمكينهم من اتّخاذ الإجراءات اللّازمة لتحقيق أهداف التنمية المُستدامَة الأمر الذي يفرض علينا توفير نوعيّة تعليم مُبتكَرة من أجل تحقيق التنمية المُستدامَة. وتُعَدّ مُبادَرة المدارس الخضراء من المُبادرات التي تُسهِم في مُعالجة قضايا البيئة والاستدامة لدى الطلبة حيث يتمحور عمل المدرسة الخضراء حول قضايا التغيُّر المناخي والحفاظ على التنوُّع الحيوي وترشيد استخدام المياه والطّاقة والتوعية الصحيّة، ما يُسهم في تحقيق العديد من أهداف التنمية المُستدامَة كالتعليم الجيّد والصحّة والرفاه، والعمل المناخي، والاستهلاك، والإنتاج المسؤول، والحياة في البرّ، والحياة تحت الماء، وتوفير المياه النظيفة.

ويرتكز التعليم في المدرسة الخضراء على بناء قدرات التربويّين والمُعلِّمين بيئيّاً بشكلٍ أساسي، ما يُسهم في تغيير سلوك الطلبة من خلال إدماج قضايا البيئة والاستدامة في المنهج والمواقف التدريسيّة في الفصول الدراسيّة، وفي تحويلٍ نوعيّ في بيئة التعلُّم عبر استخدام طرائق تدريس وأساليب تعلُّم تسمح للطلبة بتطوير عمليّات التقصّي، والتقييم، والتفكير الموجَّه نحو العمل البيئي، واستخدام هذه المهارات بعد ذلك في تقييم تأثيرهم الخاصّ على البيئة التي يعيشون فيها؛ بحيث يساعد هذا كلّه الطلبةَ على اتّخاذ قراراتٍ مستنيرة بشأن المسائل المتعلّقة بالبيئة، والعمل بالتالي من خلال المدرسة على حلّ القضايا والمشكلات التي يعاني منها المُجتمع.

تعلُّم عالَميّ نحو الاستدامة

يساعد التعلُّمُ النظاميّ الطلبةَ على فهْم المُشكلات البيئيّة وما يترتّب عنها من عواقب وإجراءات لازِمة لمُعالجتها. وقد باتت المعارف المتعلّقة بالبيئة تُدرج على نحوٍ متزايد في المناهج الدراسيّة الرسميّة. ويُبيِّن تحليلٌ لـ78 منهجاً من المناهج الدراسيّة الوطنيّة أنّ 55% منها تَستخدم مفردة “إيكولوجي” و47% منها تستخدم مصطلح “التربية البيئيّة”.

ففي الهند بدأت الوكالات الحكوميّة في العام 2003، بإنتاج مادّة تعليميّة في مجال التربية البيئيّة مكَّنت أكثر من 300 مليون طالب في 1.3 مليون مدرسة من تلقّي بعض التدريب في حقل التربية البيئيّة. ويُشجِّع مُقرَّرُ التربية البيئيّة أنماطَ الحياة المُستدامَة، والحدّ من النفايات، وتحسين استخدام الطّاقة، وزيادة استخدام مواصلات النقل العامّة، ودعْم السياسات الصديقة للبيئة، ونشاط البيئة. وتفيد البيانات المُستمدَّة من برنامج التقييم الدولي للطلّاب لعام 2006، بأنّ الطلّاب في إستونيا والسويد، حيث يشكِّل موضوع التنمية المُستدامَة جزءاً من المنهج الدراسي، أكثر قدرة من نظرائهم في البلدان التي تفتقر إلى هذا النّوع من الموادّ التعليميّة على إعطاء أجوبة صحيحة بخصوص العلوم البيئيّة. وقد اعتمدت بعض المدارس مقاربةً جامِعة للتربية البيئيّة. وتُبيِّن البحوث التي تناولت هذا النَّوع من المدارس (المَملكة المتّحدة) وجود تحسُّن في الروح والأخلاقيّات الجماعيّة للمدرسة وفي صحّة الطلّاب، وانخفاض الآثار الإيكولوجيّة النّاجمة عن هذه المدارس، وبالتالي صار من المهمّ أن تقوم المؤسّسات التعليميّة باتّخاذ إجراءات نحو إدماج الاستدامة في المناهج الدراسيّة والأنشطة التعليميّة المُختلفة.

إلى جانب التعليم النظامي، يُمكن للمؤسّسات الحكوميّة، والجمعيّات غير الربحيّة، ومؤسّسات القطاع الخاصّ، أن تساعد في تغيير السلوك الفردي والجماعي بما ينعكس على المجتمع ككلّ في تحقيق التنمية المُستدامَة. ومثال لذلك أنّ أثيوبيا وبعض الشركاء أطلقوا في العام 2015 حملةً لتوعية الجمهور تستمرّ لمدّة سنتَيْن ترمي إلى تشجيع منتجات الإضاءة الشمسيّة. كما يُمكن للمسؤولين في المجالات الدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة أن يساعدوا في ترويج القيَم والسلوكيّات الإيجابيّة من الناحية البيئيّة، ونشْرها.

وتقوم المنظّمات غير الحكوميّة، من خلال حملات التوعية العامّة والمشروعات والشراكات والتحالُفات الصديقة للبيئة، بدَورٍ حيوي في توعية المُجتمع لدعْم البيئة وصوْنها بصورةٍ خاصّة والاستدامة بصورة عامّة. وتُسهِم المجموعات التي تُنظِّم حملات إلكترونيّة، مثل “مجموعة آفاز” التي يبلغ عدد أعضائها 44 مليون عضو في 194 بلداً، في إذكاء الوعي بشأن البيئة والقيام بمُبادراتٍ نوعيّة مثل حملة العامَين لحظْر استخدام مبيدات الآفات الزراعيّة التي تقتل النحل؛ ومن هنا يتّضح جليّاً دَور التعليم في رفْع مستوى الأداء التكاملي بين القطاعات المُختلفة في تحقيق التنمية المُستدامَة.

التعليم والحدّ من مَخاطر المناخ

يُعزِّز التعليم قدرة الناس على التصدّي للمَخاطر المتعلّقة بالمناخ والصمود أمامها. كما يُشجِّع دعمهم لإجراءات وأنشطة التخفيف من وطأة المخاطر والمُشارَكة فيها. هذا ويُعتبر توسيع فُرص الالتحاق بالتعليم أكثر فعاليّة في مُواجَهة آثار تغيُّر المناخ من الاستثمار في بنى تحتيّة مثل جدران البحار ونُظم الريّ. وتشير الدارسات إلى أنّه في حالة توقُّف التعليم عن التقدُّم، فإنّ الوفيّات النّاجمة عن الكوارث في المُستقبل ستزداد بنسبة 20% خلال العقد الواحد. وأكثر المُجتمعات عرضةً لخطر الكوارث الناجمة عن تغيُّر المناخ توجد عموماً في البلدان التي تُعاني من نسبة متدنّية وغير متساوية من التحصيل الدراسي.

وبإمكان التعليم أن يُساعد المُجتمعات على الاستعداد للكوارث المتعلّقة بتغيُّر المناخ والتكيُّف معها. وقد وجَدت دراسة عن كوبا وهايتي أنّ الافتقار إلى التعليم وتدنّي نسبة القرائيّة مَنعا الناس من فهْم التحذيرات من الكوارث. وعملت المُجتمعات المحليّة في الفلبّين مع المسؤولين في مجال التعليم وشركاء آخرين على تثقيف الشباب بشأن التكيُّف مع تغيُّر المناخ، ما يساعد على تنمية قدرة المُجتمعات المحليّة على التعامُل مع آثار هذا التغيُّر.

*مختصّ في الموارد البشريّة – السعوديّة

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


9 + 1 =