سلاح العقوبات الاقتصاديّة: تاريخٌ طويل عمره من عمر الحروب بين الأُمم

أفقد. محمّد دياب*

منذ أن بدأت روسيا عمليّتها العسكريّة في أوكرانيا وهي تتعرَّض لموجةِ عقوباتٍ اقتصاديّة غير مسبوقة من حيث لائحة العقوبات المفروضة (تجاوَزت الألف) أو عدد الدول المُشارِكة فيها (على الرّغم من أنّها غير أُمميّة) أو شمولها مكوّناتٍ سياديّة (البنك المركزيّ الروسيّ، على سبيل المثال) وقطاعاتٍ اقتصاديّة وماليّة عامّة وخاصّة، وكذلك السرعة الفائقة التي يتتالى فيها فَرْضُ رزمِ العقوبات. 

ما يجري بمثابة حربٍ اقتصاديّة خاطفة الهدف منها شلّ الاقتصاد الروسي ومن ثمّ تقويض أُسسه وإمكانات مقاومته، كوسيلةٍ ناجعة في رأي الدول الغربيّة لإلحاق هزيمةٍ ساحقة بروسيا اقتصاديّاً وعسكريّاً وجيوسياسيّاً، بل وحضاريّاً أيضاً بحسب بعض الرؤوس الحامية في أوروبا.

سنُحاول في مقالتنا هذه تقديم مُطالَعة استعاديّة سريعة لتاريخ ظاهرة العقوبات الاقتصاديّة على مرّ العصور. وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ الدولة (الأكثر قوّة عادةً) كانت تلجأ، بمفردها أو بمُشاركة دول أخرى حليفة لها أو تدور في فلكها، إلى سلاح العقوبات الاقتصاديّة، إمّا كبديلٍ من الحرب العسكريّة المباشرة أو كوسيلةٍ مُكمِّلة لها، وذلك من أجل إرغام الجهة التي تتعرَّض للعقوبات على الرضوخ لإرادة مَن يفرضها. أي تحقيق الأهداف المرجوَّة بوسائل اقتصاديّة.

سلاح العقوبات قديماً: من أثينا وحتّى نابليون

يرى بعض المؤرّخين الاقتصاديّين أنّ تاريخ أولى العقوبات الاقتصاديّة يعود إلى العصور الإغريقيّة. وذلك عندما أَصدرت الجمعيّة العامّة في أثينا ما سُمّي “المرسوم الميغاري” (في العامَين 433 – 432 قبل الميلاد) الذي مُنع تجّار مدينة ميغارا بموجبه من المُتاجَرة في الأسواق الأتيكيّة ودخول مرافئ الاتّحاد البحري الأثيني. وكان ذلك بمثابة حصارٍ تجاري بحري على المدينة، التي أَسهَمَ موقعها الاستراتيجي في وسط اليونان وبيلوبونيز في ازدهارها السريع وتوسّعها التجاري، فأنشأت سلسلة من المستوطنات في حوض البحر المتوسّط، وغَدت مُنافِساً جدّيّاً لأثينا فيه. وقد حقَّقت تلك العقوبات نجاحاً ملموساً في البداية وأدَّت إلى إفقار ميغارا، ولكنّها كانت سبباً من أسباب اندلاع حربٍ شعواء عُرفت بحرب البيلوبونيز بعدما لجأت ميغارا إلى التحالُف مع إسبرطة، كانت كلفتها باهظة على أثينا نفسها. 

في القرون الوسطى استُخدمت العقوبات على نطاقٍ واسع، ولكنّها كانت في الغالب قصيرة الأمد، حيث كانت التحالُفات والعداوات بين الحُكّام سريعة التقلُّب، فعدوّ اليوم يُصبح حليفاً غداً، والعكس صحيح. بيد أنّ العقوبات التي كانت تُفرض على الإمارات الروسيّة كانت استثناءً من هذه القاعدة. فالحَظْر الذي فرضته إمارات أوروبيّة في العام 1137 على تصدير الموادّ الغذائيّة إلى إمارة نوفغورود الروسيّة لسنواتٍ طويلة ظلَّ من دون نتيجة. وفي العام 1179 فَرَضَ بابا روما ألكسندر الثالث حَظْراً على التجارة مع السراسنة (المُسلمين) واليهود والهراطقة. والمقصود بالهراطقة الروس، حيث إنّ العداوة بين الكاثوليك والأرثوذكس كانت في أشدّها حينذاك، بعد انقسام الكنيسة في العام 1052. وبعد مئة سنة على عقوبات الفاتيكان فَرَضَتِ الرابطةُ الهانزيّة (وهي تحالُف ضمَّ العديد من المُدن التجاريّة في بحر الشمال والبلطيق وكان شديد البأس حينذاك) حَظْراً على تصدير الحبوب إلى الأراضي الروسيّة. واستمرَّ هذا الحَظْر (مع فتراتٍ متقطّعة) من القرن الثالث عشر وحتّى الحرب اللّيفونيّة (1558 – 1583). أمّا الحَظْر الذي فَرَضَه محفل ليفونيا البلطيقي على تصدير الحبوب من منطقة البلطيق إلى روسيا في العام 1437، واستمرّ قرابة الثلاثين عاماً، فلم يُحقِّق الأهداف المرجوَّة منه، بحيث صَمَدَت روسيا ولم تَرضخ حينها على الرّغم من المجاعة التي تفشَّت في مختلف أرجائها. 

اقترنَ ظهور الإمبراطوريّات العالَميّة بتطوُّرِ منظومة العقوبات الاقتصاديّة. فلم يَعُد الأمرُ يقتصر على حَظْرِ بيع الموادّ الغذائيّة أو السلاح، بل صار يشمل أيضاً فرْضَ قيودٍ متشدّدة على بَيع الموادّ الأوّليّة لدولٍ ومناطق معيّنة. وفي القرن السادس عشر عمل التجّارُ الألمان على إعاقة وصول السفن البريطانيّة إلى السواحل الروسيّة تعبيراً عن سخطهم من تطوُّر التجارة بين روسيا وإنكلترا. وردّاً على ذلك فَرَضَ القيصرُ الروسي عقوباتٍ مضادّة واستأجَر قراصنةً دانماركيّين عملوا على مُهاجَمة السفن الألمانيّة. 

في القرن التاسع عشر أصبح الحصار البحري أداةً رئيسيّة في مُمارَسة الحروب الاقتصاديّة. وأبرز مثال على ذلك الحصار البحري المُشترَك الذي فرَضَتْه الأساطيل الروسيّة والبريطانيّة والفرنسيّة على حركة الملاحة العثمانيّة في البحر المتوسّط في العام 1827. ومنذ ذلك الحين وحتّى بداية الحرب العالَميّة الأولى، استُخدم هذا النوع من الضغوط الاقتصاديّة أكثر من عشرين مرّة. والجدير بالذكر أنّ الإمبراطوريّة البريطانيّة كانت الأكثر نشاطاً في هذا المجال، واستخدمته بصورة خاصّة أثناء حرب الاستقلال الأميركيّة. وممّا له دلالته أنّ كلّ الحصارات البحريّة كانت تُفرَض على الطرف الأضعف. والاستثناء الوحيد من ذلك، كان الحصار الذي عمل نابليون على فرْضِه على بريطانيا، وكاد هذا الحصار يُحقِّق أهدافه، بيد أنّ هزيمة جيوش نابليون على أبواب موسكو كانت بمثابة هديّة من السماء للبريطانيّين. 

سلاح “صامت” فتّاك

كانت الحرب العالَميّة الأولى محطّةً مفصليّة في مجرى تحوُّل العقوبات الاقتصاديّة إلى أداةٍ فعّالة من أدوات السياسة الدوليّة. وقد اقترنَ ظهور مُصطلح “العقوبات” مع نشوء عصبة الأُمم بوصفها المُحاولة الأولى لإنشاء منظومةِ أمنٍ أُمميّة فعّالة. ففظاعة الحرب والخسائر البشريّة والماديّة الهائلة التي خلَّفتها أَرغمت رجالَ السياسة على الوصول إلى قناعة بأنّه من المُمكن خنْق العدوّ وشلّ قدرته على المُقاومة بوسيلةٍ أخرى غير الحرب. وكان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون أوّل مَن صاغ هذا “المبدأ” بوضوح وصلافة لا نظير لها، حيث قال: “إنّ الأمّة التي تتعرَّض للعقوبات ستضطرّ حتماً إلى الاستسلام. يُمكن للمرء استخدام هذه الوسيلة الاقتصاديّة، السلميّة، الصامتة، التي لا تَرحم، من دون أن يحتاج إلى استخدام القوّة. إنّها وسيلة قويّة، ولا تؤدّي إلى خسائر بشريّة خارج البلد الذي يتعرّض للعقوبات. الضغط يُمكن أن يكون شديد الوطأة بحيث إنّ ما من أمّة مُعاصرة يُمكن أن تتحمّله”. 

كانت روسيا السوفياتيّة أوّل مَن أصابته سهام هذا السلاح “المُسالِم” في العصر الحديث. ففي العام 1917 فَرضت الولايات المتّحدة عقوباتٍ على الجمهوريّة الفتيّة، ثمّ انضمّت إليها كلٌّ من بريطانيا وفرنسا وألمانيا في العام 1919. بيد أنّ هذه العقوبات، التي أَعقبها تدخُّل عسكري سافر، فشلت في إسقاط حكومة البلاشفة. لذا لجأت الدول المذكورة في العام 1925 إلى فرْضِ ما سمّي “الحصار الذهبي” على الاتّحاد السوفياتي، حيث فَرضت حَظْراً على التجارة معه لقاء الذهب. وبعد خمس سنوات فُرِض عليه حَظْرٌ تجاريّ كامل (استُثنيَت منه الحبوب). وبعد اندلاع الحرب مع فنلندا في العام 1939، فُرضت عليه رزمة جديدة من العقوبات، من ضمنها منْع بَيع سِلَعٍ تدخل في صناعة الطائرات. واستمرَّ هذا الحَظْرُ حتّى دخول الاتّحاد السوفياتي الحرب ضدّ ألمانيا الهتلريّة. 

لم تكُن روسيا وحدها مَن تعرَّض للعقوبات. فقد فَرضتْ عصبةُ الأُمم في العام 1925 عقوباتٍ على اليونان التي حاولت احتلال جزءٍ من بلغاريا، ما أَرغمها على التراجُع. وبعد عشر سنوات حاولت العصبة مُعاقبة إيطاليا جزاءَ الحرب في أثيوبيا، ولكنّها فشلت في ذلك نتيجة صعود الفاشيّة. أمّا في إسبانيا فقد لعبت العقوبات التي فَرضت حَظْراً على إرسال الأسلحة إلى البلاد، دوراً كبيراً في هزيمة الحُكم الجمهوري الذي حُرم من وسائل الدعم، في حين ظلّ نظام فرانكو يتلقّى هذا الدعم من الولايات المتّحدة وألمانيا وإيطاليا. 

عقب الحرب العالَميّة الثانية أُنشئت منظّمة الأُمم المتّحدة كبديلٍ من العصبة، فلَجأت بدَورها إلى سلاح العقوبات، الذي استُخدم على نطاقٍ واسع في النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت الولايات المتّحدة الأكثر اندفاعاً وعدوانيّة في استخدام هذا السلاح، سواء عبر الأُمم المتّحدة أو كعقوباتٍ أميركيّة مدعومة من حلفائها الغربيّين في الغالب. ففي العام 1960 فَرَضت واشنطن عقوباتٍ على كوبا، سرعان ما تحوَّلت إلى حصارٍ اقتصاديٍّ شامل لا يزال بشكلٍ أو بآخر قائماً حتّى الآن، ويُعتبر الأطول في التاريخ الحديث. صَمدت كوبا في وجه الحصار بدعمٍ كبير من الاتّحاد السوفياتي، الذي لم ينجُ بدوره من سِهام العقوبات. 

بدأت الضغوط الاقتصاديّة على الاتّحاد السوفياتي، الذي خَرَجَ مُنتصِراً من الحرب ولكنْ مُنهَك اقتصاديّاً ومُهشَّم عمرانيّاً وبشريّاً. وما أن أَلقت الحرب أوزارها حتّى انطلقت الحرب الباردة فوراً، وكان الهدفُ الرئيسي منها منْعَهُ من استعادة قواه وإعادة بناء اقتصاده وقوّته العسكريّة للحيلولة دون تحوُّلِه إلى قوّة عظمى مُنافِسة للولايات المتّحدة. ففي العام 1949 أُنشئت بمُبادرةٍ أميركيّة “الوكالة التنسيقيّة للرقابة الشاملة على الصادرات”، وكانت مهمّتها فرْض قيودٍ شديدة تصل في بعض جوانبها إلى حدّ الحَظْرِ التامّ على تصدير السلع والتكنولوجيا الاستراتيجيّة إلى الاتّحاد السوفياتي ودُول المُعسكر الشرقي. كان الهدفُ من ذلك كلّه ضمان تخلُّف الاتّحاد السوفياتي في الميدانَيْن العسكري والتكنولوجي، ما من شأنه تأمين تفوُّق حلف شمالي الأطلسي الاستراتيجي. وأقرّ عام 1974 أيضاً “تعديل جاكسون – فينيك” على قانون التجارة الأميركي الذي سَمَحَ بفرْضِ تعرفاتٍ جمركيّة تمييزيّة بحقّ البلدان التي ترى الولايات المتّحدة أنّها تنتهك حقوق الإنسان، وحرمانها من نظام الدولة الأولى بالرعاية في التجارة وفي الميدان الإئتماني. استُخدم هذه “التعديل” ضدّ الاتّحاد السوفياتي وحلفائه بالدرجة الأولى، ولم يُلغَ إلّا في العام 2012، قبل عامَيْن من مَوجة العقوبات الجديدة على روسيا عقب ضمّ شبه جزيرة القرم. 

وداعاً لعصر الأحاديّة القطبيّة!؟

في الكثير من الحالات كانت العقوبات تهدف إلى إسقاط الأنظمة “المُشاغِبة” والمُتمرِّدة على الإدارة الأميركيّة، أو مُحاصرتها وإضعافها لإرغامها على الرضوخ لهذه الإدارة. لذا كانت غالبيّة العقوبات التي فُرضت على العديد من البلدان “المغضوب عليها” إمّا عقوبات أميركيّة مدعومة من حلفاء غربيّين واضطرَّت بلدانٌ عديدة في العالَم للالتزام، وإنْ غير المُعلَن، بها خوفاً من “القصاص” الأميركي، وإمّا “أُمميّة” فُرضت بمُبادَرةٍ من واشنطن وبضغطٍ منها. من أبرز تلك العقوبات تلك التي فُرضت ولا تزال على كوبا، وكذلك على إيران وكوريا الشماليّة ويوغوسلافيا السابقة والعراق وسوريا.. 

خلافاً للعقوبات الفاعلة و”الناجحة” التي فُرضت حتّى نهايات القرن العشرين، نادراً ما صارت مثيلاتها في العقدَين الأخيرَيْن تُحقِّق النتائج المرجوَّة منها. وقد يكون ذلك مؤشِّراً على ارتخاء القبضة الأميركيّة وبداية انتهاء عصر الأحاديّة القطبيّة على المستوى الدولي. فقد عملتْ واشنطن في السابق على إلزام الدول الأخرى (الحليفة وغير الحليفة) التقيُّد بالعقوبات المفروضة على البلد “المُذنِب”، حتّى ولو كان على حساب مصالحها الوطنيّة. وغالباً ما كانت العقوبات الأميركيّة تتحوَّل إلى عقوباتٍ “أُمميّة” لا يستطيع أحد التفلُّت منها. بيد أنّ ما تشهده الحرب الاقتصاديّة الغربيّة على روسيا اليوم يُشير إلى تبدُّل صورة المشهد الدولي بصورةٍ جذريّة. فالسلاح الاقتصادي المرفوع في وجهها اليوم يبقى سلاحاً أميركيّاً – أوروبيّاً حصراً. لقد عجزت واشنطن عن إرغام أيّ دولة من خارج “السرب” الغربي على الانضمام إلى حرْبها. ولهذا الفشل أسبابه. أوّلها، بالطبع، حجْم الاقتصاد الروسي نفسه والقدرات والموارد الاستراتيجيّة الهائلة التي يملكها وانخراطه العميق في الاقتصاد المُعولَم، ما يجعل من المستحيل عمليّاً عزْله عن الاقتصاد العالَمي، ونجاح القيادة الروسيّة في شبْكِ علاقاتٍ واسعة مُثمرة ومتنوّعة، سياسيّة واقتصاديّة، مع الكثير من البلدان غير الغربيّة التي كانت تقليديّاً في مصافّ الحليف لواشنطن. والسبب الآخر الذي لا يقلّ أهميّة يكمن في رغبة الكثير من الدول في مختلف القارّات في التفلُّت من الهَيْمَنة، وسعيها إلى إتباع سياسات اقتصاديّة تضع مصالحها الوطنيّة في رأس أولويّاتها. كلّ ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، يجعلنا نميل إلى الحديث عن بداية انتهاء عصر الأحاديّة القطبيّة تدريجاً، والتحوُّل نحو عالَمٍ تسود فيه تعدديّة قطبيّة، سياسيّة واقتصاديّة، على المستوى الدولي. 

*أستاذ جامعي، باحث في الشؤون الاقتصاديّة

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 18 = 26