مقاربات في مفهوم المشاركة السياسية

أفق – ممدوح مبروك*

تعني المُشارَكة بصفة عامّة أيّ عمل تطوّعي يقوم به المُواطِن، بهدف التأثير على اختيار السياسات العامّة، وإدارة الشؤون العامّة أو اختيار القادة السياسيّين على أيّ مستوى حكوميّ أو محلّيّ أو قوميّ، وإسهام المواطنين كذلك، بدرجة أو بأخرى، في إعداد سياسات التنمية المحلّية وتنفيذها، سواء بجهودهم الذاتيّة أم بالتعاون مع الأجهزة الحكوميّة.

تنقسم المُشارَكة بشكل عامّ إلى ثلاثة أنواع رئيسة هي: المُشارَكة السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، وإن كانت هناك صعوبة في الفصل بين هذه الأنواع في الواقع العمليّ لارتباطها بعضها ببعضها الآخر ارتباطاً قويّاً، وتداخلها تداخلاً قويّاً، وتأثّر كلّ نوع منها بالنوعَيْن الآخرَيْن وتأثّرهما به تأثّراً كبيراً.

تتباين تعريفات مصطلح المُشارَكة Participation باختلاف الزاوية التي يَنظر من خلالها كلّ باحث، وباختلاف المجال الذي يعمل فيه، والبيئة التي ينتمي إليها، والثقافة التي يعتنقها؛ ولذلك تختلف المسمّيات، فهناك من يُطلِق عليها “المُشارَكة الجماهيريّة”، وهناك مَن يقول “المُشارَكة الشعبيّة”، وثمّة مَن يراها “مُشارَكة المُواطنين”، وثمّة مَن يسمّيها “المُشارَكة العامّة”. وعلى الرّغم من اختلاف المسمّيات، إلّا أنّها تدور حول معنى واحد ألا وهو إسهام كلّ فرد من أفراد المجتمع في مختلف جوانب الحياة السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة.

حظيت المُشارَكة السياسيّة دون غيرها باهتمامٍ كبير من جانب الباحثين والمفكّرين على مختلف توجّهاتهم حتّى وصل الأمر بالبعض إلى تعريفها على أنّها ” المُشارَكة في مجالات الحياة كافّة”، يُضاف إلى ذلك كثرة التعريفات التي تناولت المُشارَكة السياسيّة من زوايا مختلفة تتّسم بالشمول والاتّساع، أو تلك التي، على عكس ذلك، قَصَرتْها على نخبة معيّنة أو عرق معيّن، أو كمُشارَكة مفرغة من محتواها بمعنى أنّها مُشارَكة شكليّة لا تنمّ عن مُشارَكة المُواطِن في صنع القرار، وهذا يتنافى مع أهمّ القيَم الأساسيّة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، فضلاً عن قيَم الحرّية، والمساواة، وتداول السلطة. وفي السياق نفسه، فإنّ لغياب هذه المؤشّرات تأثيرات كبيرة على تفعيل عمليّة المُشارَكة السياسيّة حتّى في حالة تعدّد الأحزاب سواء من زاوية عدم توافر قنوات المُشارَكة، أم من زاوية ما يُمكن أن تقوم به بالفعل من دَور مُعتبَر في عمليّة المُمارسَة السياسيّة. وتُعتبَر المساواة كذلك، قيمة أساسية من قيَم النظام الديمقراطي، فضلاً عن أهمّيتها للمشاركة بحيث لا يُمكن تصوُّر قيام مُشارَكة مؤثِّرة من دون أن تكون تلك المُشارَكة متاحة للجميع على السواء، ووفق معايير محدَّدة ومنضبطة. ويبقى دَور التّداول السلميّ للسلطة بمثابة الشاهد المادّي على فاعليّة المُشارَكة السياسيّة، إذ غالباً ما ارتبط غياب تداول السلطة بانخفاض مستوى المُشارَكة، ما يعني أنّ تداول السلطة مؤشّر قويّ على المُشارَكة وعلى تعدّد البدائل وتنوّعها داخل المجتمع.

تلعب المُشارَكة السياسية دَوراً أساسيّاً في عمليّة التحديث والتنمية السياسيّة، بخاصّة في المجتمعات الريفية التي تعمل غالبيّة سكّانها بالزراعة، وتستند إلى منطلقات معيّنة مثل: الطبقة، والجماعة الاجتماعية، والجيرة السكّانية، والتجمّعات الشخصية. وأيّاً كانت الأسس التي تقوم عليها هذه التجمّعات، فإنّ المُشارَكة تلعب دَوراً مهمّاً في عمليّة تطوّر هذه الكيانات الاجتماعيّة.

لم تغفل المواثيق الدوليّة عن المُساهمة في تعريف المُشارَكة وإثباتها كحقّ طبيعي للأفراد يرتبط بمنظومة القيَم الإنسانيّة التي أكّدها المجتمع الدولي. فقد وَرَدَ في الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان الصادر في 15 كانون الأوّل (ديسمبر) 1948 في باريس، أكثر من نصّ في مواقع عديدة تؤكّد جميعها على حقّ الأفراد في المُشارَكة في أمور المجتمع الذي يعيشون فيه. وقد تناولت المادّتان الأولى والثانية قضيّة الحرّية والمساواة بين البشر، وتناولت المادّة الثامنة عشرة حرّية التفكير والضمير والدّين، وكذلك المادّة التاسعة عشرة التي أكّدت على حرّية الرأي والتعبير. أمّا الإشارة المُباشرة للمُشارَكة السياسيّة، فقد جاءت في المادّة الحادية والعشرين، التي نصّت على أنّ ” لكلّ فرد الحقّ في الاشتراك في إدارة الشؤون العامّة لبلاده إمّا مباشرةً أو بواسطة ممثّلين يُختارون اختياراً حرّاً، ولكلّ شخص الحقّ نفسه الذي لغيره في تقلّد الوظائف العامّة للبلاد، وأنّ إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويُعبَّر عن تلك الإرادة بانتخابات نزيهة وحقيقيّة تُجرى على أساس الاقتراع السرّي، وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو بحسب أيّ إجراء مُماثل يضمن حرّية التصويت”.

تتوقّف المُشارَكة السياسيّة جزئيّاً على كمّ المنبّهات السياسيّة التي يتعرض لها المواطن ونوعيّتها، حيث التعرّض لهذا المنبّه وحده ليس كافياً لدفْع الفرد نحو المُشارَكة السياسيّة، إذ لا بدّ أيضاً من أن يتوفّر لديه قدر معقول من الاهتمام السياسي، وهو ما يتوقّف على نوعيّة خبرات تنشئته المبكّرة؛ فالشخص الذي ينشأ داخل المجموعات الأوّلية، كالأسرة والمدرسة، بأسلوبٍ ديمقراطي قوامه التحاور والمُشارَكة في اتّخاذ القرارات يكون أكثر مَيلاً واستعداداً للمُشارَكة السياسيّة من الشخص الذي يخضع لتنشئة اجتماعيّة سلطويّة.

عرَّف صمويل هنتنجتون Samuel Huntington المُشارَكة السياسيّة على أنّها نشاط المواطن الهادف إلى التأثير في القرار الحكومي، وهي إمّا فرديّة أو جماعيّة، منظّمة أو عضويّة، مَوسميّة أو مستمرّة، سِلميّة أو عنيفة، فعَّالة أو غير فعَّالة، شرعيّة أو غير شرعيّة. 

يشير هذا التعريف إلى أنّ المُشارَكة هي سلوك وليس اتّجاهاً كما أنّه يتّجه إلى السلوك السياسي للمواطنين بالدرجة الأولى تجاه المسؤولين الذين يقومون بالتوزيع السلطوي للقيَم داخل المجتمع، ويتضمّن كذلك جميع الأنشطة التي تهدف إلى التأثير على صنْع القرار الحكومي سواء حدث أم لم يحدث هذا التأثير . وفي هذه الحالة تُثار مجموعة من القضايا الفرعيّة من أبرزها علاقة المُشاركين بكلٍّ من الاتّجاهات والسلوك؛ فكون المُشارَكة تُعرَّف كنشاطٍ للتأثير في صنع القرار ، معناه أنّ الأمر ينطوي على معانٍ عدّة أهمّها:

  • إنّ المُشارَكةَ نشاطٌ وسلوكٌ لا يتضمّن اتّجاهاً وإن كان البعض ينظر إليها كاتّجاه ونشاط في آن واحد، إذ يستبعد البعض المعرفة السياسية والاهتمام بالسياسة والإحساس بالفعالية السياسية وإدراك المواطن لأثر السياسة على حياته الخاصّة، بحيث لا يعدو هذا الأثر كونه مشاركةً سياسيّةً، على الرّغم من الاعتراف بوجود علاقة بين هذه المكوّنات كلّها والفعل السياسي الظاهري.
  • إنّ المُشارَكة السياسية تمثِّل نشاطاً طوعيّاً شخصيّاً من جانب المواطن العادي، وإنّه يُمكن التمييز بين المُشارِك والمُحترِف السياسي الذي يُمارِس السياسة كمهنة. فالنشاط السياسي للمُشارِك متقطّع وعادةً ما يكون ثانويّاً بالنسبة إلى الأدوار الاجتماعية الأخرى.
  • إنّ المُشارَكة السياسية تقتصر على الأنشطة الهادفة للتأثير في صنْع القرارات التي تمتلك القرار الشرعي النهائي.
  • ليس من الضروري أن تكون أنشطة المُشارَكة قانونية أو تتّفق مع معايير النظام السياسي، لذلك يُمثِّل الشغب والعنف والمظاهرات أنشطةً للمُشاركة السياسية.

توالت بعد ذلك محاولات الباحثين لتعريف مفهوم المُشارَكة السياسيّة، ومن أبرز تلك التعريفات ما يلي:

– المُشارَكة السياسيّة هي نشاط يهدف إلى التأثير في الحكومة ويخرج من التعريف كلّ أشكال الانغماس النفسي في عالَم السياسي، ومنها الوعي السياسي والاهتمام السياسي ومُتابَعة وسائل الإعلام.

– المُشارَكة السياسيّة هي نشاط اختياري يستهدف التأثير في اختيار السياسة العامّة أو اختيار القادة السياسيّين على المستوى المحلّي، والقومي.

– المُشارَكة السياسيّة هي الساحة التي تحدث عليها الأنشطة المتنوّعة المتخصّصة للتأثير على صناعة القرار الحكومي وتشمل هذه الأنشطة التصويت، والإسهام في الحملات الانتخابيّة، والأحزاب السياسيّة، والنشاط المحلّي الأهلي، وحتّى المُعارَضة. 

– المُشارَكة السياسيّة هي حرص الفرد على أن يكون له دَور إيجابي في الحياة السياسيّة من خلال المزاولة الإراديّة لحقّ التصويت أو الترشيح للهيئات المُنتخَبة أو مُناقشَة القضايا السياسيّة مع الآخرين أو بالانضمام إلى المنظّمات الوسيطة.

– المُشارَكة السياسيّة هي تلك الأنشطة الاختيارية أو التطوّعية التي يسهم أفراد المجتمع عن طريقها في اختيار حكّامهم وفي صنْع السياسة العامّة بشكل مباشر أو غير مباشر.

– المُشارَكة السياسيّة هي عمليّة ديناميكيّة يشارك الفرد من خلالها في الحياة السياسيّة لمجتمعه بشكلٍ إرادي من أجل التأثير في المسار السياسي العامّ بما يحقِّق المصلحة العامّة التي تتّفق مع آرائه وانتمائه الطبقي.

– المُشارَكة السياسيّة تعني في أوسع معانيها حقّ المُواطن في أن يؤدّي دَوراً معيّناً في عمليّة صنْع القرارات السياسيّة، وفي أضيق معانيها تعني حقّ المُواطِن في مُراقَبة هذه القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها من جانب الحاكِم.

في ضوء ذلك، يُمكن القول إنَّ المُشارَكة السياسيّة هي تلك الأنشطة التي تقوم بها الجماهير، وتُمارَس فيها السلطة من دون وجود وسائل وسيطة؛ بحيث يتحقَّق لأفراد المجتمع بأسره امتلاك وسائل التأثير كافّة، ويجوز للأفراد والجماعات مباشرة سلطة القرار، وبذلك تنتفي أسباب الإكراه، وتكون الديمقراطيّة المباشرة هي الأساس في المُمارسة، لأنّ المُشارَكة على هذا النحو هي أصدق طريقة لتجسيد رغبات الجماهير؛ إذ إنّ مثل هذه المُشارَكة هي التي يتمتّع فيها المواطنون بالسيادة الكاملة وبمُمارَسة حقوقهم الطبيعيّة في اتّخاذ القرارات التي تمسّ حياتهم، وذلك من دون وسيط أو ممثّل. وفي ظلّ هذا النظام أيضاً، يرتفع المواطنون إلى مستوى المُشارَكة المباشرة في المسؤوليّات العامّة، ويولد مستوى عالٍ من الإدراك، والفهم الاجتماعي، ويقوى الرابط الاجتماعي المُشترَك، وتُزال الاختلافات الطبقيّة، والطائفيّة، والعرقيّة، والثقافيّة داخل المجتمع. 

*باحث سياسي مصري

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 22 = 30