رؤية فرنان بروديل لتشكُّل الحضارات 

أفقد. مسعود ضاهر*

فرنان بروديل (1902 – 1985) من أشهر المؤرّخين الفرنسيّين. نَشَرَ كُتباً عدّة من أبرزها: “المتوسّط والعالَم المتوسّطيّ في عصر فيليب الثاني” في العام 1949، و”قواعد لغة الحضارات” في العام 1963، و”الحضارة الماديّة والاقتصاد والرأسماليّة” في العام 1979. وهو مؤسّس ومدير المجلّة التاريخيّة: “الحوليّات” الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي قامت بدَورٍ مُهمّ في تطوير كتابة التاريخ الجديد في فرنسا وأوروبا، ونَقَلَها من المستوى السياسيّ والحوادثيّ الوحيد الجانب، إلى التاريخ الاجتماعيّ الشموليّ الذي يستند إلى مختلف العلوم الإنسانيّة. 

نال بروديل في العام 1985 أعلى تتويج يُمكن أن يحلم به مثقّف فرنسيّ، وهو دخول الأكاديميّة الفرنسيّة، وبات في صفّ “الخالدين”. لكنّه توفّي في السنة نفسها. وصدر له بعد وفاته كِتاب “حركيّة الرأسماليّة” في العام 1986، و”هويّة فرنسا” في العام1987، وأُعيد نَشْرُ كِتابه “قواعد عِلم الحضارات” في العام 1987، وتُرجم إلى العربيّة في العام 2008.

قواعد لغة الحضارات 

شدَّد بروديل على أنّه ليس بالإمكان تعريف لفظ الحضارة إلّا بتضافُر إضافات كلّ علوم الإنسان بما فيها التاريخ. ويتطلّب فَهْمُ الحضارة الرجوعَ إلى الجغرافيا، وعِلم الإجتماع، والاقتصاد، وعِلم النَّفس الاجتماعي. وتستوجب مُعالجة مفهوم الحضارة دراسةَ فضاءاتٍ وتضاريس ومناخات ونباتات وأجناسٍ حيوانيّة وكلّ ما يُنتِج مَنافع لمصلحة الإنسان. 

في دراسته قواعد الحضارات، أبدى بروديل اهتماماً كبيراً بالجوانب الماديّة أو الاقتصاديّة، بالإضافة إلى إبراز دَور الأديان، والثقافات المحليّة، والأحزاب والمنظّمات السياسيّة، وذلك على المدى الزمني الطويل؛ فشكّلت كتاباته ظاهرةً أوروبيّة جديدة قلّ نظيرها في مناطق أخرى من العالَم. وحلَّل تَمايُزَ الحضارة الغربيّة منذ تطوّر الفكر الإغريقي بقوله إنّ هاجسها الأساس كان الارتقاء إلى العقلانيّة فرَسمت بذلك مَسار فرادتها. وتبيّن له أنّ النّزعة الثقافويّة التي كان محورها الحضارة الغربيّة منذ ربْطها بالفكر الإغريقي كانت نتاج توجُّهها العقلاني. 

التأريخ على المدى الزمنيّ الطويل 

دَرَسَ بروديل الحضارات الكونيّة بمنهجيّةٍ علميّة مُعمّقة، ونأى بنفسه عن الذهنيّة المُتمحورة حول الذات الأوروبيّة، وعن الاستعلاء الذي طَبَعَ كِتابات أغلب المُثقّفين الغربيّين عن العوالم الأخرى. كان مُتحمّساً جدّاً لمقولة إنّ عِلم التاريخ هو “العنصر الذي من دونه لا يُمكن لأيّ وعي وطنيّ أن يتشكّل، وأنّ الوعي الوطنيّ هو العنصر الذي من دونه لا يُمكن لأيّ ثقافة جديدة أو أيّ حضارة حقيقيّة أن تتشكّل”. 

دعا إلى الترابُط الوثيق بين علوم التاريخ والجغرافيا والاجتماع، وضرورة الانفتاح التامّ على التاريخ العالَمي وعدم الانعلاق على التاريخ الوطني أو القومي. وقد تشكّل هذا الوعي لديه من تجربته الشخصيّة في الحرب العالميّة الثانية التي كرّست الترابُطَ بين جميع دول العالَم. وانطلاقاً من هذه المقولة في كتابة التاريخ، استنبط مقولة “الاقتصاد – العالَم” المُغايرة للاقتصاد العالَمي. ويعني بـ”الاقتصاد – العالَم” أنّ جزءاً من العالَم يُشكّل وحدة اقتصاديّة مُتناغمة حول قطبٍ حَضريّ معيّن غالباً ما يلتفّ العالَم حوله. 

التأريخ والأزمنة التاريخيّة 

استنبطَ بروديل رؤيةً منهجيّة خاصّة حول تعدُّد الأزمنة التاريخيّة في حدّ ذاتها: الزمن السريع للأحداث، والزمن المُمتَدّ للحقبات التاريخيّة، والزمن البطيء للحضارات؛ فتاريخ المدى الزمنيّ الطويل هو تاريخ التغييرات البنيويّة الجوهريّة. ولا يُمكن مَعرفة تلك التغيّرات إلّا من طريق معرفة الأنماط التي تتحقَّق من خلالها دون أن تُحدِّدها البنية الاجتماعيّة. وهذا المفهوم يمتلك حضوراً عالَميّاً أكثر ممّا لدى التاريخ السردي التقليدي، وهو يؤكّد على تنوُّع التفاعُلات المكوِّنة للوحدة ذات القاعدة الواسعة.

وشدَّد على ضرورة الربط بين حقول المعرفة في العلوم الإنسانيّة والأزمنة التاريخيّة. فالمستوى الأوّل يختصّ بالبيئة أو الزمن الجغرافي ويتضمّن تكراراً بطيئاً يكاد يكون غير ملحوظ. والمستوى الثاني يتعلّق بالتاريخ الاجتماعي والثقافي، وهو زمن المجموعات والتجمُّعات والإمبراطوريّات والحضارات. والتغيُّر فيه أسرع كثيراً من التغيُّر في البيئة. والمستوى الثالث يعتمد سرد الحوادث، وهو تاريخ الأفراد المُتبدِّل بسرعة، وزمن السطحيّات والمَظاهر الخادعة.

تُشكِّل الأحداث التاريخيّة مُجتمعةً نسيجاً غنيّاً يندمج فيه الجزء بالكلّ، لكنّ وحدة الكلّ ليست نظاماً فرديّاً مُغلقاً، بل هي وحدة الكثرة. والعنصر الأهمّفي مشروع بروديل يكمن في إدراك أنّ كلّ نظام فرعي يتحرّك وفقاً لإيقاعه الخاصّ. “فالعِلم والتقنيّة والمؤسّسات السياسيّة والتغيُّرات المفاهيميّة والحضارات جميعها، لها إيقاعاتها الخاصّة المُتعلّقة بالحياة والنموّ. والتاريخ الجديد للأزمات، بوصفه ملتقى الأحداث، سيكون مُكتملاً في حالةٍ واحدة فقط: عندما يؤلِّف أوركسترا مُتكاملة”.

الحضارات ركيزة التاريخ العالَميّ 

اختارَ بروديل حقلَ الحضارات الكبرى بصفتها أُطراً معقولة للعالَم الرّاهن وتجاوُزاً للحركة السريعة للتاريخ. وهذا ما يدعو إلى التفكير في تاريخٍ معيّن ذي إيقاعٍ بطيء أو ذي أَمَدٍ طويل. “فللحضارات شخصيّات خاصّة تتجاوز أعمارُها ما يُمكن تصوُّره. وهي رائعة بعمرها المديد، وبتواصُل العيش طويلاً في كلّ واحدٍ منّا بعدما نفنى نحن”.

ركائز الحضارات متنوّعة، منها الموروثة ومنها المصنوعة. فكلّ حضارة هي نِتاج امتيازاتٍ مباشرة استغلَّها الإنسانُ باكراً، فازدهرت منذ فجر التاريخ الحضارات المائيّة في العالَم القديم على ضفاف الأنهار. وكذلك ازدهرت الحضارات البحريّة. وليس ثمّة حضارة قادرة على العيش من دون حركيّة خاصّة؛ فكلّ واحدة منها تغتني بفضل التبادُل والمُصادمات التي يتسبّب بها التفاعُل بين الحضارات. 

حلّل بروديل ما قدّمه أرنولد توينبي في نظريّته الجذّابة حول تفاعُل الحضارات. وأنّ وراء كلّ نجاح بشريّ ثمّة دوماً تحدٍّ واستجابة. وبصفتها صعوبة لا بدّ من التغلّب عليها، تطرح الطبيعة على البشر مهمّات كبيرة. وإذا ما واجه الإنسانُ التحدّي، فإنّ تصدّيه له يخلق القواعد نفسها للحضارة. ويتضمّن مصطلح الحضارة فهماً مزدوجاً: أخلاقي قيَمي ومادي. ولا بدّ من التمييز بين الثقافة والحضارة. وتتضمّن الحضارةُ مجموعةَ مُمتلكاتٍ ثقافيّة، ومقرّ سكناها الجغرافي هو فضاء ثقافي، وتاريخها هو تاريخ ثقافي، وما تأخذه حضارةٌ عن أخرى، هو استعارات أو عمليّات نقل ثقافيّة، وهي إمّا ماديّة أو روحيّة. وكلّ حضارة مُرتبطة بفضاءٍ ذي حدودٍ ثابتة تقريباً. والنتيجة ظهور جغرافيا حضاريّة محدَّدة تتمثّل في الإمكانات والمعوّقات المُعطاة جغرافيّاً، بعضها شبه مُستدامة، لكنّها تختلف بين حضارة وأخرى.

فالحضارة المُسمّاة بالحضارة “الغربيّة” هي في الوقت نفسه “الحضارة الأميركيّة ” للولايات المتّحدة، وحضارة أميركا اللّاتينيّة. وهي أيضاً روسيّة، وبولونيّة، وألمانيّة، وإيطاليّة، وإنكليزيّة، وفرنسيّة… كانت كلّ حضارة تُصدِّر إنجازاتٍ ثقافيّة وتتلقّى في المُقابل إنجازاتٍ من ثقافة الغير. أمّا اليوم، فقد تَسارَعَ رواج الإنجازات الثقافيّة بصفةٍ جنونيّة. وقريباً لن يكون هناك مكان واحد في العالَم بمنأىً عن “عدوى” الحضارة الصناعيّة الآتية من أوروبا” لذلك شهدت ظاهرة انتشار الإنجازات الثقافيّة المُشترَكة لكلّ البشريّة في عالَم اليوم، زخماً فريداً من نوعه؛ فأيّ تقنيّة صناعيّة يُنتجها العالَم الغربي تُصدَّر إلى كلّ العالَم الذي يتلقّفها برغبةٍ جامحة. 

التفاعُل بين الحضارات 

يقول ريمون أرون: “نحن نعيش في مرحلة اكتشفنا فيها، في الآن نفسه، الحقيقة النسبيّة لمفهوم الحضارة والتجاوُز الحضاريّ لهذا المفهوم”. فالحضارات نِتاج استمراريّتها على المدى الزمني الطويل. وغالباً ما تنفر أيّ حضارة من تبنّي تقاليد ثقافيّة قد تُسيء إلى واحدٍ من ركائزها الصلبة والعميقة. لذا أكَّد بروديل على أنّ رفض الاستعارة هذا وتلك العداوات الخفيّة أشياء نادرة نسبيّاً، لكنّها تنفذ إلى قلب هذه الحضارة. والنشاط المُتمثّل في الاستقبال أو الرفض الذي تُمارسه حضارةٌ إزاء الحضارات الخارجيّة، تُمارسه أيضاً ببطءٍ حيال نفسها. وهذا الاختيار هو دائماً اختيار يكون الوعي به محدوداً أو مُنعدماً. وبفضل ذلك الاختيار تتغيّر الحضارة تدريجيّاً عبر التخلّي عن جزء من ماضيها. 

وردّاً على مقولة التصادُم العنيف بين الحضارات، رأى بروديل أنّ تصوُّرَ البعض للعلاقة بين الحضارات على أنّها علاقة نقيّة غير صحيح، إذ لكلّ حضارة خياراتها الحرّة. إلّا أنّ العلاقات العنفيّة ظلّت في الأغلب الأعمّ هي القاعدة. كانت علاقات مأسويّة دائماً، لكنّها عديمة الفائدة على المدى الزمني الطويل. وظلّ الإنسان لقرونٍ طويلة الأداة الوحيدة والمُحرِّك الوحيد، والصانع الوحيد للحضارة الماديّة، فبنى هذه الحضارة عبر تاريخٍ طويل بقوّة ساعدَيه. لكنّ للحضارات سماتٍ خاصّة تتجاوز أعمارها الزمانيّة. 

ملاحظات ختاميّة 

آمن بروديل بفكرة الأزمنة الثلاثة في كِتابة التاريخ: الزمن الجغرافي، والزمن الاقتصادي والاجتماعي، والزمن السياسي، وذلك على المدى الطويل أو زمن تشكّل الحضارات الكبرى. وركّز في دراساته الطليعيّة والمعمّقة على الجوانب الماديّة الاقتصاديّة للحضارات، فضلاً عن أثر الأديان والثقافات والأُطر السياسيّة على المدى الزمنيّ الطويل. وطالَبَ بمزيدٍ من الترابُط بين عِلم التاريخ والجغرافيا وعِلم الاجتماع، وعِلم الإنسان إلى جانب الانفتاح على التاريخ الوطنيّ والقوميّ. 

يبدو أنّ عصر الحضارات في نظر بروديل قد اكتمل، وأنّ البشريّة اليوم هي بصدد الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة، أي الانتقال الشمولي إلى حضارة قادرة على تغطية العالَم كلّه. فالحضارة الصناعيّة التي صدَّرها العالَم الغربي، لم تكُن سوى وجه واحد من أوجه الحضارة الغربيّة، وتبنّي العالَم لها، لا يعني أنّه قَبِلَ بكلّ ما جاء فيها؛ فالحضارة الصناعيّة اليوم آخذة في الالتحاق بالحضارة الجماعيّة. وقد آن الأون لكلّ حضارة أن تُطوِّر هياكلها في اتّجاه المُستقبل. فماضي الحضارات ليس إلّا تاريخ الاستعارات المُتواصِلة التي كانت تُمارسها بعضها مع البعض الآخر، من دون أن تفقد خصوصيّاتها. ويجب الاعتراف بوجود تحوّل للمرّة الأولى هدفه استعارة ما هو مرغوب فيه من كلّ حضارات العالَم، وساعدت سرعة الاتّصالات الحديثة على الترويج الناجح له. فكلّ حضارات العالَم ستتواصل بفضل التقنيّات الحديثة، لكنّنا سنظلّ إلى أمدٍ طويل حيال حضارات مُختلفة في ما بينها، وسيظلّ مفهوم الحضارة لقرونٍ عدّة مُحتفظاً بصيغة المفرد المُتضمّن صيغة الجمْع. 

*مؤرِّخ وكاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 8