أهكذا تريدون مهنة الصحافة… 

بقلم – السعيد قدري
هناك مساحة تضطلع بها الصحافة وهي نقل الاحداث مع الإحاطة بكامل المعطيات والمعلومات من شتى الأسس والجوانب مهنيا وأخلاقيا وحتى “تعليقا مباشرا” ..

التعليق المباشر على الكاميرا وحتى على واجهة الهاتف النقال وعلى البث المباشر على الفيسبوك بات يمنح في الوقت الحالي سقفا أعلى في طرح زوايا أخرى للحدث تلامس وجهات نظر مختلفة، حيث أصبح البث المباشر على الفيسبوك، من عين المكان، يظفي مسحة جديدة في الصحافة إذ يقع “التعليق” المباشر أو “الايف” عبر الهاتف، في المنتصف بين التناول التقريري والخبري للأحداث وبين مساحة الرأي المباشر، كما الحال بالنسبة ل”الفيتشر” الصحفي.

ليس كل من هب ودب سيفوز برضى المتابع والجمهور من خلال خاصية “اللايف” على الفيسبوك، ومن مكان الحدث، أبدا، لأن هذه الخاصية الجديدة التي وجد اليها بعض أشباه الصحافيين ثغرة لركوب الإعلام من منطلق ” نطلق لساني ونعمل اللايف..”.وهنا أؤكد : لا أدعي الأستاذية ..ولكن لنرتقي قليلا… القاع أملس ..

إنتشار مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا صفحات الفيسبوك، أحدثت ثورة في مسألة حرية الرأي والتعبير وانعكست بدورها على الصحافة ومفهومها وآليات عملها وأدواتها، غير ان للبث المباشر لاحداث معينة لا تتيح لك التحرر بقوة وتفعيل خاصية الكلام الفارغ دون إدراك لا باللغة ولا بأصول العمل ولا بقواعد التقديم، خصوصا وأن المعطيات التي تقدم على البث المباشر في الفيسبوك تتابع عن كثب من قبل المتلقي ..

هل بات من يحمل هاتفا نقالا و “بونجة مدورة او مربعة و فيها لوغو” ودريهمات قليلة من الروشارج صحفيا ؟؟ لا وثم لا …الصحافي الذي ينقل حدثا ما حتى عبر البث المباشر على الفيسبوك يجب أن يحترم متابعيه، أن يحاول قدر الإمكان إطلاق العنان لافكاره التي يعمل على تجميعها في شكل قبلي ووفقا للمعطيات المتوفرة من مصادر متعددة وان يتحلى بكثير من الاحترام للمشاهد..لانه نتابع بعض (اللايفات)… ( تارة ينتقل بك ذاك الرجل او تلك المرأة بكاميرا الهاتف للاسفل وتارة للاعلى) وتارة يتكلم او تتكلم مع الأطفال ومع الناس بجواره او بجوارها ،دون أن يعي او تعي جيدا ان هناك وراء الصفحة الرسمية التي يبث فيها” اللايف” مئات والاف المشاهدين والمتتبعين الذين يجب احترامهم أولا وأخيرا …

إذا كنت صحفي ميداني – تعتمد في عملك على التجوال والهاتف الجوال، ركز على تفاصيل البث الحي بطريقة مهنية، وتعامل أولا وأخيرا مع مسألة الوقت والزمان وزوايا التصوير ومع أحداث متجددة، هذا فضلا عن الانغماس في البث المباشر لمدة لا تتعدى ربع ساعة قبل قطع البث المباشر والبحث من جديد عن معطيات جديدة كي تنقلها في بث مقبل، باستثناء اذا كان الحدث يستحق بث مباشرا بدون انقطاع….

أؤمن أن الصحفي سيخطئ وكلنا نخطئ لأننا نتلقى المعطيات من مصادر مختلفة، كما ان الصحافي الذي يشتغل بالبث المباشر وأؤكد على الصحافي وليس شيء اخر، يمكن أن يشتبك ويغطي كثير من الأحداث بشكل مهني، لذلك أحب أن تكون علاقته بالهاتف النقال علاقة قوية أولا وأخيرا وبعدها تقديم خط تسلسلي للاحداث بناءا على معطيات يقدمها لمتابع اللايف* البث المباشر.

الصحافة مهنة صعبة وليست سهلة إذا أردت أن تمارسها بمفهوم شامل، وبالتالي يجب ألا تتوقف عن الاطلاع والقراءة والمتابعة لكافة الأحداث المتعلقة بتغطياتك الصحفية، وتطوير أدواتك المادية كالمعرفة بفنون التحرير والكتابة والأدوات الجديدة الخاصة بالإعلام الحديث وعالم تكنولوجيات الصحافة والتصوير الصحفي، فالمستقبل غالبا سيكون في كثير من المؤسسات للصحفي الشامل أو شبه الشامل الذي يجيد الكثير من فنون أدوات النشر الصحفي، وهذا أحد أوجه شغفي بالصحافة.

الصحافة أيضا مهنة خطرة في كثير من الأحيان بحكم أنها تشتبك مع القضايا الحساسة والخطرة سواء في ميادين كالحروب، وهنا اشير الى ان تغطية الصحافي للحروب و والأزمات والكوارث والمواجهات ليست هواية او “تنقاز” وبث لمعطيات تافهة على اللايف لا أساس لها من الصحة، حتى ان البعض يعتقد ان انتقاله الى ميدان الحروب والى دول وعمل بث مباشر سيقيه من شر ملاحظات المتابعين ..

لا تعرف اللغات ولست متمكن من اللغات خصوصا الإنجليزية، والفرنسية، وأؤكد على الإنجليزية، وترحل الى بلد فيه حرب او بلد فيه مسابقات رياضية او بلد فيه حدث معين وتعمل البث المباشر فقط كي تبدو انك وصلت لهنا وهناك..هذه تسمى تفاهة لا اقل منها ويوجد الأكثر … لان التفاهات في البث المباشر لا تصنع المعطيات.. والمتابع الان والمشاهد خصوصا المغربي “عايق وفايق ومتمكن…”.

لذلك كثيرا ما تكون الصحافة مهنة متاعب بأكثر مما يظن البعض أنها مهنة تمنحك الشهرة أو المعرفة بين الناس، فالخطورة الضغط العصبي الذي تواجه كصحفي مستقل تسعى أن تكون مهني وأمين نعم امين، هو ثمن باهظ جدا مقارنة بأي شهرة ممكن أن تجنيها من الصحافة.
مع تحياتي ….

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق