التعليم العالي وسوق العمل 

مازن مجوّز*

تُواجِه بلدان العالَم تحدّياتٍ هائلة لا حصر لها، جرّاء فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد-19) وانتشاره السريع منذ مطلع العام 2020، وإلحاقه خسائر جسيمة بمعظم اقتصادات العالَم، بفعل التداعيات الكبيرة غير المتوقَّعة له على معظم القطاعات الإنتاجيّة المهمّة والرئيسة، لعلّ أهمّها قطاع التعليم الذي تلقّى ضربات موجِعة، دَفَعَتْهُ إلى دقّ ناقوس الخطر وفرْض تغيير المُقاربات التقليديّة في التعليم، والانتقال إلى نماذج تُحاكي التحدّيات الحاليّة والمستقبليّة، بتخصّصات جامعيّة تُواكب سوق العمل وتحقِّق التوازُن (المفقود حاليّاً) بين الفُرص الوظيفيّة في هذه السوق، والمُخرجات الجامعيّة لأصحاب التخصُّص

في كِتابه الجديد “دعونا نحلم: الطريق إلى مستقبلٍ أفضل” يرى البابا فرنسيس أنّ “هذه لحظة لإعادة التفكير في أولويّاتنا، ماذا نراه قيّماً؟ ماذا نريد وعمّ نبحث ونعمل على تحقيقه؟، وبِتنا نحتاج إلى اقتصاداتٍ تخدم الحاجات الأساسيّة للحياة”. ومن هنا تبرز ضرورة إعلاء “رأس المــال البشــري” لدى الدول، نظراً لكونه مـن أكبـر المنظومات استثمـاراً وأهميّة واستدامة، لمــا تضيفـه النُّخـــب الأكـاديميّة مِن تراكُمٍ مَعرفي، إذ إنّ تطوُّر المُجتمعات وارتفاع النموّ الحقيقي والمُستدام للدول، يتمّ بالتركيز على الابتكار والإبداع العلمي. 

هذا الواقع يقودنا إلى الإضاءة على مستقبل التعليم في العالم والمنطقة في ظلّ الحديث عن بقاء الجائحة في ربوعنا من دون إعلان موعدٍ نهائي لمُغادرتها، فارضةً علينا تخصّصات مستقبليّة مستجدّة، تُقارِب توقّعات الكثير من الخبراء بأنّ الجائحة ستؤدّي إلى نقلةٍ نوعيّة وكميّة في قطاع التعليم العالي، وتحديداً في تنوُّع أبواب الاختصاصات؛ فهل سيفلح هذا القطاع في دول المنطقة في الاستفادة من التغيّرات المُقبلة؟ 

لقد شهدتْ أنظمة التعليم في العالَم خلال العام الماضي اضطراباً غير مسبوق بفعل جائحة كورونا، فأَغلقت مُعظم مدارس وجامعات العالَم أبوابها أمام أكثر من 1.5 مليار طالب، أي ما يزيد على 90% من إجمالي الطلّاب، وذلك بحسب أرقام حديثة صادرة عن معهد اليونيسكو للإحصاء في النصف الثاني من العام الفائت. 

تخصُّصات جامعيّة مستقبليّة 

وإذا ما توقّفنا عند أهمّ الاختصاصات الجامعيّة التي اعتمدنا في رصدها على مصادر عدّة أهمّها (مجلّة Forbes الأميركيّة، المنتدى الاقتصادي العالَمي، قناة CNN، تقارير جامعيّة أميركيّة لعام 2020) نجد أنّ الأمن السيبرانيّ Cyber security جاءَ في المركز الأوّل ومن أبرز وظائف التخصّص فيه: جمْع البيانات وتحليلها، تسويق إلكترونيّ، تطوير قواعد البيانات، النُّظم والبرمجيّات، تحسين كفاءة الأنظمة وأدائها.

أمّا في المركز الثاني فجاءت الهندسة الطبيّة الحيويّة (Engineering Biomedical) وتضمّنت وظائف التخصّص التالية: وظائف الواجبات الهندسيّة التي تتطلّبها وحدات العناية الطبيّة، واختصاصيّو مَراكز تصميم وتصنيع الأجهزة الطبيّة وملحقاتها المُختلفة، وخبراء في مراكز العلاج الطبيعي، العمل في مراكز الأبحاث الطبيّة، العمل في الجامعات التي تعمل على تطوير الأجهزة الطبيّة وتحليل المشكلات البيولوجيّة والصحيّة.

وفي المركز الثالث حلّ التسويق الإلكتروني أو الرقمي (Digital Marketing)، إذ بات يُسيطر على كلّ شيء في حياتنا الرقميّة والاجتماعيّة في العالمَيْن الغربي والعربي. ويصنَّف من أقوى التخصّصات المستقبليّة وأهمّها، بخاصّة للطلّاب الذين يملكون الفكر الإبداعي والمَعرفي، بوظائفه: إدارة الأعمال التجاريّة، إنشاء المحتوى التسويقي وإدارته، البَيع الإلكتروني، التسويق الإلكتروني، الاستشارة الإعلاميّة، مسؤوليّة الإعلانات.

وحلَّتْ هندسة البرمجيّات – Engineering Software، كبرْمَجة الإلكترونيّات وبَرْمجة التطبيقات، في المرتبة الرّابعة. فالعالَم حمل أكثر من 200 مليار تطبيق لعام 2020، ويُتوقّع أن يزيد الطلب على تخصُّص البرْمجة بشكلٍ كبير جدّاً خلال السنوات المُقبلة وصولاً لعام 2030، بمجالاته: مهندس نُظم، محلِّل بيانات، مطوِّر أو مصمِّم نُظم، مطوِّر برامج، مُهندس صيانة البرامج. 

في المركز الخامس جاء تخصُّص هندسة الطّاقة المُتجدّدة Renewable and Alternative Energy. فبفضل التطوّر التكنولوجي الهائل الذي شهده العالَم في العام 2020، أصبحت الطّاقة البديلة والمُتجدّدة مصدرَ اهتمامٍ كبير لكثير من الدول المتقدّمة والنامية. وفي العام 2030، مع أفول مَصادر الطّاقة، قد يُصبح هذا التخصُّصُ الشغلَ الشاغل للعالَم في مجالات التوظيف التالية: شركات الاستشارات الهندسيّة، مشروعات الطّاقة المتجدّدة، مجالات الطّاقة واستثماراتها، المُختبرات العلميّة والبحثيّة للطاقة، محطّات توليد الطّاقة الشمسيّة والكهرومغناطيسيّة، الإلكترونيّات الرقميّة والديناميكا الحراريّة. 

وحلَّ سادساً تخصُّص الواقع الافتراضي Virtual Reality، وسابعاً التعليم الإلكتروني عن بُعد E LEARNING، والثامن الطباعة الثلاثيّة الأبعاد (Printing 3D). 

والسؤال هنا كيف يُمكن لهذه التخصّصات ولقدرة الدول وجامعاتها على إدخالها في مناهجها التعليميّة الجامعيّة من مُعالجة الانسداد المنهجي الحاصل حاليّاً بسلاحٍ يقوم على تخصّصاتٍ أكثر، ولاسيّما أنّ تأثير الجائحة على هذا القطاع قد يكون أكثر تدميراً في البلدان التي تنخفض فيها نتائج التعلّم، وترتفع فيها معدّلات التسرّب من التعليم، وتضعف فيها القدرة على الصمود في وجه الصدمات؟

التعليم عن بُعد باقٍ لمُواجهة التحدّيات 

لقد تحوَّل العمل عن بُعد إلى أمرٍ واقع لا يُمكن تجاهله، ولا الاستهتار به، بفضل حزمة من الميزات التي تفوق بكثير مزايا العمل من مكاتب الشركة، بالإضافة إلى ما يوفّره من توازن بين الحياة المهنيّة والشخصيّة وحريّة القيام بمهامٍّ متعدّدة في المنزل في الوقت الذي يناسب الموظَّف. فوفقاً لاستبيان “العمل عن بُعد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، أكّد غالبيّة المُجيبين (87%) أنّ لديهم جميع الموارد والأدوات التي يحتاجونها لأداء مهامّ عملهم عن بُعد، ووفقاً لـ89% من المُجيبين، ستبدأ شركات المنطقة بتفضيل الموظّفين الذين يُمكنهم أداء مهامّهم عن بُعد وبشكلٍ مُستقلّ. كما يُفضِّل حوالى ثلاثة أرباع (%74) المهنيّين الوظائف التي تُتيح لهم العمل عن بُعد، بحسب الاستبيان الذي أجراه “بيت. كوم”، أكبر مَوقع للوظائف في الشرق الأوسط، وتمّ نشره في 20 حزيران/ يونيو 2020.

وبالطّبع وَجدت الجامعات نفسها وبصورة مفاجئة أمام أزمة حقيقة تجسّدت بتوقُّف عَجَلَة أنظمة التعليم الاعتياديّة كليّاً لتنتقل دفعة واحدة إلى التعليم عن بُعد لإكمال عجلة التعليم العالي، والذي هو حقّ لجميع الطلبة؛ بمَن فيهم الطلبة الخرّيجون في الجامعات الحكوميّة والخاصّة. وإذا كانت تجربة التعليم عن بُعد في الجامعات في منطقتنا لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى تطويرٍ وتمكينٍ مستمرَّيْن، إلّا أنّها تبقى، في كلّ الحسابات، البديل الإيجابي المستجدّ عن التقليدي راهناً، ويبقى الطلبة وأساتذتهم الجامعيّون في حالةِ مُواجهة التحدّيات التي حملها معه هذا البديل. 

جامعات عربيّة تستحدث تخصّصات جديدة 

على ما يبدو أنّ هذه التحدّيات لم تقف حَجَرَ عثرة أمام مُحاكاة أسواق العمل العربيّة للتخصّصات المطلوبة، ولنأخذ على سبيل المثال 3 من أبرز هذه الأسواق، وهي سوق العمل المصريّة والسعوديّة والإماراتيّة. فوفق ما أَورد موقع صنّاع المال في 26 شباط/ فبراير 2021، تأتي البرْمجة والمُحاسَبة في المرتبة الأولى والثانية في لائحة الاختصاصات المطلوبة في سوق العمل المصريّة، يليها التمريض ثالثاً، ثمّ الهندسة، وهندسة الطّاقة المتجدّدة والتسويق. أمّا في سوق العمل السعوديّة، فيأتي تخصّص إدارة الأعمال ثمّ الماليّة أوّلاً، وثانياً الشريعة والقانون مع تخصُّص القانون التجاري ودبلوم إدارة التسويق والمبيعات ثالثاً ورابعاً. وأخيراً حلّت الهندسة وإدارة الأعمال والعلوم الطبيّة وتقنيّات المعلومات، في المراكز الأربعة الأولى في سوق العمل الإماراتيّة.

ومن هنا استحدثت الجامعات الإماراتيّة تخصّصاتٍ ومساقاتٍ دراسيّة جديدة للطلبة، منها ما جاء بسبب تداعيات جائحة “كوفيد-19” وأخرى تُواكب توقيت الجائحة بناءً على حاجة سوق العمل. ومن أبرز تلك التخصّصات، بَرامج جديدة في كليّات العلوم الصحيّة تتعلّق بالتحاليل الطبيّة وعِلم الوراثة الجزيئيّة والبيولوجيا الجزيئيّة والخلويّة، تخصّصات في إدارة الأزمات، استشراف المستقبل عبر تحليل البيانات الضخمة، دبلوم دراسات عليا في تطبيقات تكنولوجيا الأشعّة فوق الصوتيّة في كليّة الطبّ ومَسارات فرعيّة في “الميكاترونكس” كذلك الأمن الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، ماجستير في التحوّل الرقمي ونُظم المعلومات، ماجستير في إدارة الرعاية الصحيّة. 

من الأزمة إلى الفرصة 

هذه الخطوات الأكاديميّة وإنْ كان تتطلّب من الطالِب تخصّصاً لفترةٍ تتراوح بين 4 الى 5 سنوات، والأرجح أنّه سيكون من خلال التعلّم عن بُعد، إلّا أنّ لا أحد بإمكانه وضْع موعد نهائي للخروج من مستويات البطالة الآخذة في الارتفاع في صفوف خرّيجي العام الحالي، بعدما دَخَلَ الخرّيجون العام الماضي سوقَ عملٍ قد يكون الأشدّ قسوة منذ عقود، إثر قرار الشركات بوقف التعيينات الجديدة، فيما حذَّر البنكُ الدولي العام الماضي من أنّ الاقتصاد العالَمي على شفا ركودٍ اقتصادي هو الأسوأ منذ الحرب العالَميّة الثانية.

واستناداً إلى تقريرٍ لمعهد الدراسات الماليّة بعنوان: “وقت عسير للخرّيجين”، يتبيّن أنّ “الطلّاب الذين تخرّجوا العام الحالي سيمرّون بأوقاتٍ عصيبة. وقد يضطرّون إلى قبول وظائف ذات أجور أقلّ ممّا كانوا يتوقّعون”.ويضيف التقرير الذي نَشَرَه موقع بي. بي. سي عربيّة في 1 تشرين الأوّل 2020، تحت عنوان “فيروس كورونا: كيف يؤثِّر الوباء على وظائف الشباب حديثي التخرُّج؟”، أنّ سوق العمل التي تنتظر خرّيجي العام الحالي، “قد تكون أشدّ صعوبة منها في الفترة من نهاية 2008 إلى بداية 2009، ما يدلّ على أنّ تبعات الأزمة الحاليّة ستكون أشدّ وطأة على آفاق التوظيف والدخول من تبعات الأزمة الماليّة لعام 2008”.

في المقابل، تبيِّن دراسةٌ أجراها مَوقع “ميلكراوند” للتوظيف في المَملكة المتّحدة في النصف الثاني من العام الماضي أنّ نسبة الخرّيجين الذين نجحوا في العثور على وظائف لا تتعدّى 16 في المئة، في حين أنّ النسبة المُعتادة في الفترة المذكورة تبلغ 60 في المئة من الخرّيجين.

تبقى الإشارة إلى أنّه من المتوقّع أن يمرّ وقتٌ طويل قبل العودة إلى الحياة الجامعيّة اليوميّة المُعتادة، وهذا يُشكّل عبئاً على كلٍّ من الطلبة والمدرّسين، إلّا أنّه ينطوي أيضاً على فُرصٍ جديدة تتمثّل بتأمين خرّيجين يواكبون تخصّصات سوق العمل على المدى المتوسّط والبعيد ربّما تكون نتيجتها كفيلة بالخروج مستقبلاً من شبح البطالة الذي لا يزال يُهدِّد المُتخرّجين الجُدد.

*كاتب وإعلامي من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


96 − 88 =