الذكرى السنوية الخمسون لتأسيس أطباء بلا حدود

بقلم المسؤول التنفيذي لمكتب داكار الإقليمي عبد العزيز محمد

لطالما ركزت أطباء بلا حدود في مسيرتها التي بدأت قبل 50 عاماً على الارتقاء والتغيير. فبعد أن أبصرت النور في عاصمة أوروبية توسعت إلى عدة عواصم أخرى، تقودها مجموعةٌ من الأشخاص الذين يجمعهم الإيمان بالمبادئ ذاتها والرؤية ذاتها في العمل الطبي الإنساني. وقد زادت الحاجة خلال الأعوام الأخيرة إلى القرب والمرونة في دعم بعثاتنا حول العالم، مما فرض تحدياتٍ أمام هذا النموذج المركزي في أوروبا وأدى إلى انتقال تدريجي نحو نظام لامركزي في مواقع رئيسية على غرار داكار (السنغال) لغرب ووسط إفريقيا، ونيروبي (كينيا) لشرق إفريقيا، وجوهانسبرغ (جنوب إفريقيا) لجنوب إفريقيا، وعمّان (الأردن) وبيروت (لبنان) للشرق الأوسط، إلى جانب المكسيك لأمريكا الوسطى.

حضور إقليمي لتعزيز المرونة والتكيف لمصلحة المجتمعات  

توجهت أنظار أطباء بلا حدود خلال الأعوام الأخيرة إلى دول الجنوب حيث نعمل جاهدين لتعزيز قدراتنا العملياتية ونحرص على تنوع الطواقم ودعم الاستقلالية على المستوى المحلي. لكن المنظمة تقف أمام تحدٍّ رئيسي يتمثل في الارتقاء بتنوع الطواقم ترسيخاً لإسهاماتهم الفاعلة والتعاونية في المشاريع الإنسانية.

وتتضمن مبادراتنا في هذا الشأن حضورنا في العاصمة السنغالية داكار الذي يسهم في تعزيز مرونتنا وقدرتنا على التكيف في عمليات التدخل التي نقودها في غرب ووسط إفريقيا. إذ تسهم هذه المشاريع في دعم لامركزية اتخاذ القرار والعمليات الإنسانية في القارة الإفريقية وتعزيز التقارب بين مختلف عملياتنا في المنطقة.

كما سنعمل على بناء جسور للتعاون مع مبادرة نشأت حديثاً في أطباء بلا حدود ألا وهي إدارة عمليات غرب ووسط إفريقيا التي يقع مركزها حالياً في مدينة أبيدجان في ساحل العاج وأسستها مجموعةٌ من الأطباء وشركاء آخرين في المنطقة لقيادة عملية التغيير بهدف مواصلة تنفيذ العمليات الطبية الإنسانية أقرب فأقرب إلى المرضى والمجتمعات. فالارتقاء بمقارباتنا وممارساتنا في منطقة مثل غرب ووسط إفريقيا ضرورةٌ لا بد منها، وهنا يبرز الدور الهائل الذي يؤديه مكتبا داكار وأبيدجان. 

هذا ويضعنا المركز الإقليمي في موقع أقرب إلى المعلومات حيث أننا محاطون بشبكة إنسانية وإعلامية حيوية إلى جانب مؤسسات مرجعية في مجال التعليم والبحث الطبي. أي أننا في بيئة تتيح لنا تبادل الخبرات الإنسانية والتعاون العلمي، علماً أن فرق داكار قد بدأت سلفاً عملية التفاعل وتبادل الخبرات خاصةً وأنها تقود منذ بضعة أعوام حوارات تركز على وباء إيبولا وأبحاث التهاب الكبد E.  

وكنا قد بدأنا خلال الأشهر الستة الأولى من انتشار جائحة كوفيد-19 في السنغال العام الماضي عدداً من علاقات التعاون في ضاحية غويديوايي التابعة لداكار بهدف تتبع المخالطين وتعزيز المشاركة المجتمعية ودعم خدمات الرعاية. وقد ساعدتنا الدروس التي استخلصناها من تجربة داكار في تعزيز باقي عمليات التدخل التي ركزت على كوفيد-19 في غرب ووسط إفريقيا.

لكننا نرى اليوم أهمية التركيز على كل ما قد يساعدنا في تعزيز فهمنا لمحيطنا في السياقات المتقبلة التي نعمل ونقدم المساعدات فيها ونحن عرضةٌ لتهديدات مستمرة، حيث نواجه الهجمات والاعتقالات وحوادث الخطف. إذ علينا أن نتصرف بسرعة ونعدل استجابتنا دون أن نتوقف عن التفكير النقدي للمقاربات التي نعتمدها.

داكار من أهم مراكز توظيف الطواقم على مستوى حركة أطباء بلا حدود

لاحظت منذ وصولي إلى داكار بأن توظيف المواهب من المنطقة يمثل محطة النجاح الأوضح لهذا المركز الإقليمي. غير أن العاملين الإنسانيين عرضةٌ للتهديدات بالخطف والاحتجاز في سياقات على غرار منطقة الساحل الإفريقي، وكان لا بد من تعديل إستراتيجية الموارد البشرية التي نتبعها حرصاً على التخفيف من تلك المخاطر.

ولم تمض سوى أعوام قليلة حتى صارت داكار ثالث أكبر مركز للتوظيف على مستوى حركة أطباء بلا حدود بعد باريس وبروكسل. وقد نجحت فرقنا المتخصصة في الموارد البشرية في تحديد واختيار عدد كبير من الأشخاص المتمرسين من غرب ووسط إفريقيا إلى جانب الطواقم السنغالية، مما عزز الفرق المختلطة أكثر فأكثر. وشهد عام 2019 توظيف 79 شخص من المنطقة في حين ارتفع هذا العدد إلى 119 في 2020.  وهذا يعود في جزء منه إلى أن داكار موطنٌ لمراكز تدريب قوية مثل بيوفورس والعديد من المنظمات غير الحكومية والمعاهد الطبية الممتازة. كما أن قسم الموارد البشرية يعمل على متابعة كل موظف حيث يؤمن لهم كل ما يلزمهم من تدريبات، علاوةً على برنامج متخصص في تنقل الموظفين يسمح للطواقم باكتساب خبرة ومهارات دولية بفضل العمل في مختلف أرجاء المنطقة.

وقد اضطررنا إلى الاعتماد على عملية ’التصنيف‘ عند اختيار الموظفين من منطقة الساحل الإفريقي، والتي تعتمد على معايير أخرى إلى جانب الخبرات الوظيفية ومنها مثلاً الجنسية ولون البشرة والجنس والدين، وهي معايير تؤخذ في عين الاعتبار قبل إرسال الموظف أو الموظفة في مهمة ميدانية. وقد منحت هذه العملية فرصاً أكبر للمتخصصين من أهالي المنطقة غير أنها أثارت أسئلة ومخاوف أخلاقية عديدة فيما يخص تطبيقها.  كذلك كان علينا ألا ننسى بأن عملية التصنيف لا تقلل من باقي الأخطار التي تشمل الاعتقال والهجمات على القوافل والتفجيرات والهجمات الانتحارية، علاوةً على أن حوادث اختطاف الموظفين غير الغربيين باتت تزداد هي الأخرى. وقد شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الفائت خطوة إيجابية تمثلت بتنظيم ورشة عمل ركزت تحديداً على هذه المشكلة، لكن علينا الاستمرار في الاجتماع معاً ومع الفرق الميدانية المحلية التي تتمتع بخبرات كبيرة دعماً لعلمية التفكير والتأمل في هذه القضايا الحساسة التي ترتبط بتحليل المخاطر.

أمامنا تحدٍّ رئيسي آخر ألا وهو المساواة بين الجنسين في منطقة لا تزال تعاني من تفاوتات كبيرة في فرص الحصول على التعليم والعمل التي لا تنصف الفتيات والنساء. وعلينا فعل المزيد داخل أطباء بلا حدود كي نحدد التدريبات والفرص المناسبة للنساء العاملات ونؤمنها لهن. فالواقع يقول بأن الرجال يشكلون 80 بالمئة من الطواقم العاملة في الميدان ويسيطرون تحديداً على معظم المناصب الإدارية. وثمة حاجة ملحة إلى تحقيق التقدم على هذه الجبهة. إذ علينا اكتشاف المواهب وتأمين فرص أكثر للنساء دعماً لتطورهن في البعثات، دون أن ننسى تأمين ما يلزمهن من التدريب. علماً أن هذا التغيير لن يتحقق ما لم ننشر الوعي بين زملائنا داخل أطباء بلا حدود. كذلك علينا أن نفسّر دواعي هذا التغيير وما يدفعنا إلى تحدّي عاداتنا ومجابهة كافة أشكال التمييز وكيف يمكن لكل منا أن يسهم في هذا.

تغيير علاقتنا بالمجتمعات والمرضى

نسعى من داكار إلى بناء فسحةٍ للتأمل والإسهام في النقاشات المهمة حول مقارباتنا التي تضع المرضى في صميم عملنا الإنساني والطبي بما يعزز الشمولية ويقربنا منهم. كما تزداد خبرتنا شيئاً فشيئاً فيما يخص نموذج الرعاية اللامركزي في منطقة يشكل فيها تأمين الخدمات الصحية تحدياً مستمراً أمام المجتمعات وعمال الرعاية الصحية.

يشار إلى أننا نحاول تطبيق مقاربتنا المجتمعية في العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعات مسلحة سعياً منا لوضع أساسٍ منطقي يقوم على بناء العلاقات والتواجد بالقرب من المجتمعات والمرضى، مما يخلق علاقة من الثقة تجمعنا بالجهات الفاعلة المحلية القادرة على تسهيل عملنا لتأمين الرعاية للناس. إذ يسمح هذا التفاعل المستمر للزعماء المحليين والمجتمعات باستيعاب قيمنا وكيفية عملنا بشكل أكبر، كما يسمح لنا بتعزيز استجابتنا لاحتياجات الناس. لكننا نضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة والرحيل حين لا تكون علاقتنا بالمجتمع كافية بما يضمن أمن فرقنا أو غير مقبولة بما يضمن لنا حياديتنا.

هذا ونعمل على توفير الرعاية خارج المرافق الصحية بمشاركة المتطوعين المجتمعيين والأسر وذلك كي نؤمن خدمات الرعاية الطبية العلاجية والوقائية للناس الأكثر عزلةً في المنطقة. فالمتطوعون والأسر يؤدون دوراً مهماً في الكشف المبكر عن إصابات كالملاريا وسوء التغذية وذات الرئة والإسهال بين الأطفال دون سن الخامسة. ومن الأمثلة على هذا عملنا في منطقة ماغاريا في النيجر حيث نتعاون مع حوالي 278 متطوعاً من أهالي المنطقة.

وحين كنت رئيس بعثة أطباء بلا حدود في النيجر كنا نعمل مع الأمهات اللواتي كنّ يتسلمن مهمة التحري عن سوء التغذية بين أطفالهن تجنباً لحدوث زيادة موسمية حادة في أعداد الأطفال المرضى الذين تكون حالتهم خطيرة.  وقد دربنا الأمهات على قياس محيط ذراع الأطفال لهذا الغرض. إذ أن الكشف عن سوء التغذية في مرحلة مبكرة يسمح بتأمين الرعاية على وجه السرعة وبالتالي تجنب دخول المستشفى والتعرض لخطر الموت. كذلك أنشأنا نظام إنذار هاتفي بفضل أهالي المجتمع الذين صاروا مسؤولين عن الاتصال بالأطباء والممرضين مباشرةً لمناقشة الحالات.

من المهم إشراك المجتمع والأهم أن نقوم بهذا بتوازن وإنصاف دون أن نثقل كاهل الأهالي بمسؤوليات لا يفترض بهم أن يتحملوها.

فاللامركزية مقاربة مهمة وضرورية وينبغي أن تترافق بعملية تفكير وتأمل للعلاقة التي تجمعنا بالمرضى وبعمال الرعاية الصحية. وقد رأينا أوجه القصور التي يعاني منها نظام المساعدات الطبية الإنسانية القديم الذي يعتمد أحياناً على مقاربة صارمة من القمة باتجاه القاعدة وخاصةً حين كانت آراء الأهالي لا تنال تقديراً ولا آذاناً صاغية.  

فعلينا أن نعتبر المرضى والمجتمعات بمثابة شركاء لنا وأن نتأنى في شرح عملنا لهم والإصغاء لاحتياجاتهم. إذ لا بد مثلاً أن تفهم الأم ماهية الإجراء الطبي الذي يخضع له طفلها وأن تحظى بالمساحة التي تسمح لها بالمساهمة إذا ما أمكن ذلك.

لا أزال حتى اليوم أشعر بالإلهام من موقف يخص المشاركة المجتمعية حدث في مشروع على الحدود بين تاهوا وأغاديز في النيجر وميناكا في مالي. فقد أعددنا لجان قروية قوامها نساء ورجال عينهم أهالي المجتمع، حيث أدت تلك اللجان دوراً محورياً في فهمنا لطرقات التنقل التي تسلكها المجتمعات الرعوية والتي تتغير تبعاً للمواسم. وقد سمح لنا تعاطينا مع الأهالي بمتابعة حركة الناس بشكل أفضل والتخطيط بشكل أنسب لعمليات التدخل التي تعتمد على العيادات المتنقلة بهدف علاج السل ومضاعفات الحمل وتنفيذ العمليات الجراحية لصالح السكان البدو والمهاجرين المرحلين من الجزائر.

وقد أكسبنا عملنا في 12 بلداً في غرب ووسط إفريقيا خبرةً سمحت لنا بالارتقاء في تحليلاتنا لمقاربة اللامركزية في اتخاذ القرارات والرعاية والتركيز بشكل أكبر على المرضى. ونأمل أن يسهم حضورنا الإقليمي أكثر فأكثر في النقاشات المستمرة التي تتناول قضايا صحية عالمية كبرى وفي الارتقاء بشراكاتنا في مجال الابتكار الطبي. كما أننا نعزز جهودنا في مجال المناصرة والتوعية من داكار التي تتيح لنا مساحة مميزة للتعبير عن ذاتنا ونقل رسائل وصوت المجتمعات والمرضى الذين نعمل معهم، كل هذا بما ينسجم مع رسالتنا الاجتماعية.

نعلم أن أمامنا عملاً كثيراً كي نرتقي إلى مستوى طموحاتنا في هذه المناطق، إلا أننا نسير في الاتجاه الصحيح أكثر فأكثر، وهذا ما سيحول خبراتنا وتجاربنا المتراكمة إلى نقطة قوة حقيقية.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


68 − 62 =