“الدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية بين التحديات والإمكانيات”

بقلم – المهدي بسطيلي (إطار في الدعم الاجتماعي – طالب باحث بسلك الدكتوراه)

ملاحظة: 

تجسد هذه الورقة تصورا حول الدعم الاجتماعي منخلال محاولة بناء مشروعيته داخل النسق التربوي، وذلكمن خلال تقريرين لمؤسستين دستوريتين، حول التحدياتالتي يعرفها النظام التعليمي المغربي، وكيف يمكن بناؤفاعلية التدخل(الدعم الاجتماعيعلى ضوء تلكالتحديات، لذلك ليست الورقة مقالا علميا بل هي ورقة رأيفي حدوده الموضوعية ومحاولة للتشخيص فقط.

     في سياق تقييمه لجودة النظام التعليمي المغربي أصدر المجلسالاقتصادي والاجتماعي سنة(2019) تقريره حول المكتسبات التي حققها النظام التعليمي، وفي معرض التحليل يكشف التقرير عن العديد من التحديات التي يعاني منها النسق التربوي وتحد من فاعليته، إذ يكرس تقاطبات ثنائية بين التعليم العمومي و التعليم الخصوصي، إذ لايتعلق الأمر بنظام مزدوج(مجاني/مؤدى عنه) يمضي في مسار موحد، بل يرتبط بوجود نظامين تعليميينلايشتغلان وفق منطق من التكامل، وهو ما يعمق التفاوتات الاجتماعية.

تحاول هذه التركيبة بناء جدار طبقي على أساس الدخل الفردي للأسر، فقد أضحى جليا أن الأسر التي تملك موارد كافية وحدها القادرة على ضمان ولوجية أبنائها للمدارس الخاصة التي توفر الحد الأدنى من جودة التعليم، الذي يرتبط أيضا بحجم القدرات المالية(مؤسسات تعليمية خاصة من درجة أولى، وأخرى من درجة ثانية) “العرض حسب القدرة و الطلب”

في هذا السياق أكد استطلاع الرأي الذي قام به المجلس في معرض إعداده للتقرير، أن هذه التقاطبات التي يعرفها قطاع التعليم جعلت منه أكبر مجال تتجلى فيه التفاوتات بشكل صارخ متبوعا بتوزيع الدخل و التفاوتات المجالية، وخدمات الصحة…

     إن هذه التحديات جعلت من منظومة التربية و التكوين عاجزة عن الاضطلاع بماهمها الأساسية رغم الإصلاحات المتواصلة التي شهدها قطاع التعليم خلال العقديين الماضيين، كل هذه الأمور ترتبت عنها تحديات أخرى كالهدر المدرسي و المستوى المتدني فخلال(2018 )

338.000غادروا من التعليم الابتدائي و الإعدادي

وأما في ما يخص مستويات الإنماء المعرفي يكشف تصنيف التلاميذ المغاربة في الاختبارات الدولية حسب الدراسة الدولية للاتجاهات في الرياضيات و العلوم (2015 STIMS)التي قارنت بين مستويات التعلمات لذى التلاميد في مجموعة من الدول، أن المغرب يوجد ضمن أضعف تلاث دول في هذا المجال سواء على مستوى القراءة أو الرياضيات أو العلوم.

يكشف أيضا تقرير المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي (الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية و التكوين)أن تركيبة المؤسسات التعليمية ومناخها وظروفها ليست مواتية للتعلم، حيث أن 80% من التلاميذ يدرسون في مؤسسات يفوق فيها عدد التلاميذ المعوزين عدد التلاميذ الميسورين، وهو ما يجعل من محفزات التعلم تختلف، وكشف المدرسون حسب عينة الدراسة التي سبقت التقرير، عن ارتفاع حدة العنف ومشاكل الانضباط بالإضافة إلى صعوبات ترتبط بحاجات التلاميذ كالنقص في التغدية/النوم/المكتسبات القبلية/ المشاكل النفسية التي يعاني منها بعض التلاميذ تتراوح نسبها بين17%ﻮ31% وهي نسب لا يستهان بها.

في الواقع كان هذا التشخيص الأولي مهما ومؤسسا لما بعده، رغم الحيف الذي طال النسب التي تناولها التحليل بالقفز على المتغيرات الدلالية المتحكمة فيها، لكن عموما كل هذه المعطيات التي كشفت عنها تقارير مؤسسات دستورية تبقى حاضرة بقوة الواقع من خلال العديد من التحديات التي تواجه النسق التربوي، رغم كل برامج الدعم الاجتماعي التي تم اعتمادها(برنامج تيسيير/مليون محفظة/المدارس الداخلي/النقل المدرسي…).

اذن كيف يمكن مأسسة الدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية لتجاوز التحديات التي تواجه النسق التربوي؟

في البداية ان الدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية لم يأتي كمشروع خاص ومستقل، يستهدف النسق التربوي، فهو غير مفصول عن برامج الحماية الاجتماعية الوطنية بل هو جزء منها. وهو ما يجعل العملية بأكملها في قلب مقاربة نسقية، وبالتالي فالنظر إليه(الدعم الاجتماعي) كآلية مستقلة لن يكون كافيا، ما لم نستحضر الجانب الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي و المهني…

لكن مذا نقصد بالدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية أولا؟

في تصوره الأولي عمل المشرع في المجال التربوي على ربط الدعم الاجتماعي بجانب تشريعي مادي يتمثل في مظاهر من بينها:

تعميم تعليم دامج وتضامني لفائدة جميع الأطفال/جعل التعليم الأولي إلزاميا/التمييز الإجابي لصالح المناطق القروية/ضمان حق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في التمدرس/التناوب اللغوي/مليون محفظة/برنامج تيسير/المنح….

إلا أنه بالرغم من كل هذه التدخلات التي طالت هذا الجانب لازلنا أمام التحديات التي عبرنا عنها في معرض التحليل والتي كشفت عنها تقارير المجلس الاأعلى للتربيةو التكوين و المجلس الاقتصادي و الاجتماعي. فإما أن الأمر لم يتم تنزيله بالقدر الكافي وإما أن الدعم الاجتماعي ينبغي أن يتجاوز هذه التدخلات فعلا.

    في سياق التجاوز الممكن لتحقيق الفاعلية يحيلنا النظام التربوي المغربي على معنى جديد للدعم الاجتماعي في أبعاده الاجتماعية و النفسية و التربوية داخل المؤسسات التعليمية، في جزءه الخامس (المادة6)من مرسوم رقم 854-02-2الصادر في16فبراير2003 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية يتحدث المشرع المغربي عن هيأة الدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية، لكن سننتظر إلى حدود الرابع من شهر دجنبر2020 الإعلان عن مبراة توظيف أطر للدعم الاجتماعي من خلال قرار يحدد مجالات الاشتغال أي بعد 17سنة من صدور المرسوم.

فماهي منطلقات التأسيس و الاشتغال؟

يحيل الدعم الاجتماعي/النفسي على شبكة من العلاقات التفاعلية التي تساعد المتعلم على مساعدة نفسه، واكتسابه القدرة على التموقع داخل النسق الدراسي، وبناء استقلاليته ومشروعه الشخصي في سياق الحياة المدرسي التي من المفروض أن يجد فيها المتعلم تعبيرات رمزية وعملية عن مجتمعه ليستطيع مد الجسر بين اختياراته الثقافية الأسرية و إمكانياته الاجتماعية و المعرفية” الدعم الاجتماعي المتعدد الأبعاد”.

البعد التربوي:

في الحقيقة لايختلف الدعم الاجتماعي في بعده التربوي عن الدور المركزي للمؤسسات التربوية ذلك شأن سائر المؤسسات الاجتماعية كالأسرة التي لا يقل دورها عن مساندة المدرسة في هذه المهمة وهي “تنشئة الأفراد” نظرا لدورها الفعال في تحقيق أهداف المجتمع،”فالمدرسة” تقوم بوظيفة التربية: 

هي الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال الصغيرة التي لم تصبح بعد ذلك ناضجة للحياة الاجتماعية، وموضوعها إثارة و تنمية عدد من الاستعدادات الجسدية و الفكرية و الأخلاقية عند الطفل، و التي يتطلبها المجتمع السياسي في مجمله والوسط الخاص الذي يوجه إليه دوركهايم

وإعداد التلاميذ للتفاعل الصحيح مع المجتمع والتوافق معه، وبذلك أصبحت المدرسة لها مهمة واضحة الوجهين أحدهما التعليم والثاني التربية بحيث يصعب فصل وجه منهما عن الآخر.

يصبح هذا الدورفي سياق الدعم الاجتماعي مرتبطا بالوساطة التربوية بين المدرسة و الأسرة من جهة وبين مختلف الفاعلين التربويين من جهة أخرى، وبالتالي فمد الجسور بين المؤسسات الاجتماعية من شأنه ضمان نجاعة أكبر للدور و الوظيفة، من خلال عمليات التعبئة لمحاربة كل الظواهر التي تمس النسق التربوي، للمساهمة في ترسيخ قيم المواطنة و السلوك المدني وإرساء مبادئ المساواة و العدالة و الإنصاف، باعتبارها قيم اجتماعية ذات شرعية أكبر داخل النسق التربوي

من جهة أخرى فالدعم الاجتماعي يخرج كما أشرنا من طابعه المادي الذي لايجد المتعلم نفسه فيه مستهدفا، إلى طابع الإشراك و الفاعلية في ضخ الروح داخل المؤسسات التعليمية، فهو سياق مهم لبناء الحياة المدرسية، و المقصود بها(الحياة المدرسية)، أن يتعرف المتعلم على مجتمعه داخل المدرسة، ويستيطع التوقع داخل نسقها العام و الخاص، ليصبح جاهزا للاندماج وإثبات الفاعلية 

البعد النفسي:

يرتبط هذا البعد بالصحة النفسية والجسمية، فهو من جهة يعتبر مدخلا للتخفيف من الضغوط التي يعاني منها بنائه النفسي (تدني اعتبار الذات، الإحباط، القلق، الاكتئاب…الخ). مما يجعله يكتسب طابعا نفسيا إيجابيا يتجه نحو تحقيق الصحة النفسية، ومن جهة أخرى يمكن اعتباره من أهم الأساليب المساعدة على مواجهة مشقة الاضطرابات النفسية التي تصيب المتعلمين والتخفيف من حدة آثارها السلبية

كما أن تقييم الأفراد مصادر المشقة والاستجابة لها، مرتبط بتمثلاتهم حول وجود الداعم أو المساند فالأفراد الذين يدركون مساندتهم بأنها مرتفعة يكونون أكثر ميلا إلى تقييم الأحداث بأنها أقل مشقة مقارنة بالذين لا يشعرون أن لديهم مساندة وخصوصا في البيئة المدرسية التي تتميز عن غيرها بكبر حجمها،فالعلاقات الإنسانية المبنية على التعاون، والتشاور، والابتعاد عن كل أسلوب تسلطي مقابل الإشراك وإكساب الفاعلية عملية مهمة لتخليق الحياة المدرسية وضمان ديناميتها من خلال قيام العلاقات الإنسانية والمهنية بين كل أفراد الوسط المدرسي. 

في الحقيقة يركز هذا النموذج على دلالة التأثير المباشر الذي يمارسه الدعم على سلوك المتعلم الأمر الذي يدفعه لممارسة سلوكيات صحية سليمة، كالتغذية الصحية وممارسة الرياضة والعادات الصحية الأخرى التي تحافظ على صحة الإنسان وتحميه من اضطرابات نفسية حادة محتملة، إضافة إلى كون العلاقات الحميمة والروابط الوثيقة تعزز الكفاية الذاتية وتقدير الذات التي بدورها تخدم صحة الفرد الجسمية والنفسية(المصاحبة التربوية)

ففي كثير من الأحيان مايحتاجه المتعلم هو تقدير الذات و الاهتمام وفسح المجال لبناء موقع داخل النسق (إنه بحاجة لمن يستمع وينصت)

نشير أيضا أن المسألة يمكن أن تكون مدخلا لتطوير المنظومة من خلال الاحتكاك أكثر بكل الفاعلين لبناء استراتيجيات عملية ميدانية لتجويد الفاعلية.

البعد المهني:

تتجه المنظومة التربوية اليوم نحو تفعيل أكبر للتوجيه التربوي في مراحل متقدمة، تحيل من جهة على توسيع العرض و الطلب بين الشعب وآفاقها وبين إمكانيات المتعلم وقدراته الخاصة، لبناء مشروعه الشخصي، فكلمة “مشروع” لم تعد بعيدة عن الحقل التربوي مادامت بوصلة المؤسسات التعليمية اليوم تسمى بمشروع المؤسسة.

ينبغي أن ينفتح هذا الأخير على آفاق أرحب من خلال الأندية التربوية التي من الضروري أن تبنى اختياراتها ومشاريعها على ببساطتها في ارتباط وثيق بالتوجيه المدرسي و المهني، وهو ما من شأنه أن يجعل المتعلم مدركا لما يريد ويحفزه على اختيار مسار دراسي ومهني مستقبلا.

من جهة أخرى فالكفيات التي يصبوا لتحقيقها المنهاج التربوي ليست كفايات مرتبطة بماهو معرفي فقط فمهارة التواصل و الحوار و الاندماج و الفاعلية والتوقع داخل النسق…يكتسبها التلميذ (الفاعل التربوي) من خلال ممارسة الحياة المدرسية.التفاعل الاجتماعي الايجابي يتيح للتلاميذ فرص تعلم السلوكيات الاجتماعية المناسبة مثل التعاون ومهارات التواصل ويعزز الاندماج في الجماعة وبالتالي تحقيق الذات وتشكيل الصداقات وعليه الدعم الذي يتسم بالثقة والاحترام والتعاون الحقيقي المبني على العلاقات الايجابية بين التلاميذ والذي من خلاله تتحقق الصحة النفسية.

يصبح الدعم الاجتماعي هنا مدخل للتحفيز و التوجيه النسبي لتجسيد هذه الاختيارات.

نحو المأمول:

إن بناء مسار الإصلاح التربوي، ينبغي أن يكون تراكميا وممتدا في الزمن تتكيف خصوصياته ومتغيراته الداخلية و الخارجية مع معطيات التغير الاجتماعي التي يعيشها المجتمع المغربي، فتجربة الدعم الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية كمدخل يعترف به المشرع التربوي تجربة ممتدة في الزمن فاعليتها الحالية و المستقبلية رهينة بالوصول إلى البنية الأساسية في بناء صرح الإصلاح وهيبيداغوجيا الدعم “متعدد الأبعاد” الذي يتدخل لتصحيح الثغرات ولا يتأتى ذلك إلا بإنشاء خطة شاملة تغطي كافة عناصر الفعل التربوي التعليمي، و التنسيق مع مختلف الفاعلين لمد الارتباط بين المجتمع ونسقه التربوي

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


91 − 82 =