المؤسسات المنتخبة في حالة شرود

بقلم – سامر أبوالقاسم

على بعد مسافة زمنية قصيرة من إجراء الانتخابات العامة، يلاحظ غياب نقاش جدي حول الديمقراطية التمثيلية وأزمتها، وعدم التداول في شأن حقيقة تجسيدها للإرادة الشعبية في علاقة ذلك بالضغط الشعبي القوي على الحكومة، بملفات مطلبية فئوية آخذة في التوسع والانتشار.

فالنظام التمثيلي يميل إلى الابتعاد عن لعب الأدوار والوظائف المنوطة به، وينأى عن ممارسة الاختصاصات والصلاحيات التشريعية والرقابية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا، بما لا يسعف في ضمان نوع من الحماية الاجتماعية لمختلف الفئات والشرائح داخل المجتمع.

فهذا النظام التمثيلي اليوم يجب أن يكون محط نقاشات عمومية واسعة، خاصة فيما يتعلق بدور الوساطة الذي من المفروض أن تلعبه المؤسسات التمثيلية بين الحاجات والانتظارات والطموحات الشعبية وبين مضمون وشكل تدبير السياسات العمومية ومراقبتها من موقع مؤسسات الدولة.

فقد كان رهان المغاربة، بعد صدور الوثيقة الدستورية، على إدماج مبادئ حقوق الإنسان في السياسات العمومية، وفي مختلف الخطط والبرامج التنموية.

وكان رهان المغاربة على أن تكون مخرجات هذه السياسات ضامنة للمشاركة السياسية والمساواة والمناصفة وتكافؤ الفرص، والحكامة الترابية والأمنية والإدارية، والنزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، وحريات الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات، ومكافحة الإفلات من العقاب، وجودة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي والحقوق الثقافية والولوج إلى الخدمات الصحية والشغل وتكريس المساواة والسياسة السكنية والسياسة البيئية المندمجة والمقاولة المراعية لحقوق الإنسان، وحقوق الطفل وحقوق الشباب وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وحقوق الأشخاص المسنين وحقوق المهاجرين واللاجئين، والحماية القانونية والمؤسساتية لحقوق المرأة وحريات التعبير والإعلام والصحافة والحق في المعلومة وحماية التراث الثقافي وحفظ الأرشيف وصيانته والحقوق والحريات والآليات المؤسساتية…

والمغاربة إذ يعتزون بانتسابهم للإرث الرمزي لمرجعية الإنصاف والمصالحة، يعتبرون أن بلادنا في غير حاجة إلى تكبيل طاقاتها، فيما لا يسهم بالمضي قدما على درب الإصلاح الشامل. لذلك، فمتطلبات الدخول في الآفاق الواعدة التي فتحتها هذه المرجعية، وكرستها الوثيقة الدستورية، تقتضي تعبئة المجهود الوطني لاستكمال ورش الإنصاف والمصالحة في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. وما نعتقد أن الخيارات الجارية اليوم تسعف في هذا الإطار.

والدافع إلى مثل هذا الاعتقاد يجد تفسيره في قطع المؤسسات المنتخبة مع وعود برامجها الانتخابية، وفقدان أدائها لأية هوية سياسية أو مسحة اجتماعية. وهو ما يعني أنها في حالة شرود فيما يخص بعد النظر وإرساء معالم نموذج تنموي جديد في ارتباط وثيق برهانات المطلب الاجتماعي والمجالي. إذ لا قدرة لها على الإجابة عن الخصاص المهول في مجال الحكامة فيما يتعلق بنسب إنجاز وتنفيذ المشاريع وترشيد النفقات العمومية والبرمجة الاستراتيجية.

فالحكومة، لا هي قادرة على تجاوز الإطار الماكرو اقتصادي بما يعانيه من عجز مزدوج، سواء على مستوى الميزان التجاري أو ميزان الأداءات، ولا على تجاوز توجهها نحو اقتصاد المديونية، ولا على تجاوز معضلة ضعف الاستثمار الخاص، ولا على تفادي التضارب القائم بين قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وبين القوانين القطاعية السابقة، ولا على تفادي ضعف المنافسة الشريفة، ولا على تجاوز التركيز على المستثمرين الأجانب والشركات المحلية الكبيرة بواسطة عصرنة المقاولات المتوسطة والصغرى، ولا على تحقيق طموح تملك التكنولوجيا…

علما بأن هناك عجزا مزمنا في الادخار الوطني الذي لا يكفي لتغطية الاستثمار الوطني، واستفحال المديونية العمومية الذي يدفع الحكومة إلى تعبئة قسط كبير من الادخار العمومي لسد حاجياتها المالية، ومعاناة المقاولات المتوسطة والصغرى من حيف السياسة الحكومية لتمويل الاقتصاد الوطني، ووجود شبه احتكار بالقطاع المصرفي، وإخفاق برامج التمويل البنكي المضمونة من طرف الدولة.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 1