جَدَلٌ في مستقبل الفصحى والعاميّات: قراءة في نظريّة اللّغة الثالثة

أفقد. رياض قاسم*

لمّا يزَل الجدلُ موصولاً في مسألة الفصحى والعاميّات، كتابةً، ونطقاً، وتواصُلاً؛ فهو أمرٌ قد عرفناه في نصوص من العصر العباسيّ، وما تلاه؛ ثمّ احتدمَ في صُورٍ جديدة، في القرن التاسع عشر، وعَنفَ في خصومات شهدتها العقود التالية، ولاسيّما سنوات الاحتلال الأجنبيّ.

والمُستغرَب في جوانب عدّة من هذا الجدل، ما قرأناه من مفاهيم عدائيّة للفكر العروبي، ومواقف شعبويّة، جرى إسقاطها، في كثير من البحوث، على مسألةٍ لغويّة، شكلاً ومضموناً، ما جعلَ الحديثَ عن قضايا الكتابة الأدبيّة، ولاسيّما النصّ السردي في القصّة والمسرح، ينحرف عند العديد من الباحثين، آخذاً منحىً أقلّ ما يكون عليه أمر التقييم، أنّه أَهمل أصول البحث العلمي، وانحازَ إلى التعصّب، وهو ما أدّى إلى غياب علاقة هذا الجدل بعِلم اللّغة، وتجاهلَ ارتباط العربيّة الفصحى بالمؤثّرات الثقافيّة، ونُظُم التعليم، ومستويات الفقر والغنى في مُجتمعاتٍ عربيّة، شهدت في عقود طويلة مَساوىء الإقطاع، وظُلم الاحتلال الأجنبي، وهو ما أدّى إلى اتّساع الفوارق الفكريّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، بَلْهَ الثقافيّة.

أمّا المُتنوّرون، من أدبائنا، وهم كثرٌ، فقد قدّموا نصوصاً في بيان جوهر المسألة المطروحة، وتحديداً من خلال تجربتهم الأدبيّة، ما جعلهم يمتازون عن سواهم بعِقلانيّة الكشف عن مصاعب الكتابة، بالفصحى، أو بالعاميّة، في مُجتمعٍ يعيش المستويات اللّغويّة. وأيّاً ما كان الرأي الذي خلص إليه الأديب، فهو جديرٌ بالنقاش وفق ما يقتضيه عِلم اللّغة، ولاسيّما عِلم اللّغة الاجتماعي.

وفي سبيل قَرْن المقال بالنصوص الموثّقة، اعتمدنا نصّ توفيق الحكيم بعنوان “بيان”، للكشف عن مصاعب الكتابة في النصّ السّردي المسرحي.

في جِوَاء “بيان” توفيق الحكيم

1- أ – في العام 1956، قدَّم توفيق الحكيم (1898-1978) لقُرّاء العربيّة نصّاً مسرحيّاً بعنوان “الصفقة”، وكان قد ذَيَّلَهُ بـ “بيان” (توفيق الحكيم، المؤلّفات الكاملة، 1995، مج 2، مسرحيّة “الصفقة”)، يقول فيه إنّ هذه المسرحيّة ليست سوى حقل تجارب لِحَلّ ثلاث مُشكلات تعترض – برأيه – العمل المسرحي العربي، وأوّلها “مُشكلة اللّغة”، ثمّ “مُشكلة المسرح والفولكلور”.

ما يعنينا، في هذا المقال، هو “مسألة اللّغة” الواجب استخدامها – برأي حكيم – في المسرحيّة المحليّة لتكون مسرحيّة مُوَحَّدة في الأدب المسرحي العربي.

1- ب – في الاقتراح

عمد الحكيم إلى “إيجاد لغة صحيحة”، أو “سليمة”، لا تُجافي قواعد الفصحى، ولا تَعسُرُ في نُطق الأشخاص، عموماً، ولا تتنافى وطبائعهم.

بقولٍ آخر: تهدف تجربة الحكيم، أو مُحاولته المنشودة، إلى وَضْع نَصٍّ مسرحيّ يجمع بين ثقافة الخاصّة والعامّة، ويَسرِي فهْمه في مُحيطه الخاصّ، وفي أقاليم العربيّة، ويرضاه كلُّ جيل.

1- ت – في وصف اللّغة المنشودة

هي لغة على قدرٍ عالٍ من المرونة في اختيار المُفردات، واقتدار على النَّسج الجماليّ؛ ما يعني أنّها تبدو- للوهلة الأولى – مكتوبةً بالعاميّة، جرّاء سهولة المكتوب، مفرداتٍ وتراكيب؛ ثمَّ، إذا أعاد الشخص قراءة هذا النصّ، طِبْقاً لمعايير الفصحى، فإنّ النصّ، والقارئ، يَنعَمان بمناخ الفصحى “على قدرِ الإمكان”.

فالنصُّ، بالتالي، إزاءَ قراءتَيْن اثنتَيْن؛ الأولى تستجيبُ لنطق الريفي، المحلّي…، والثانية تستجيب لمُتطلّبات العربيّة الفصحى، ما يرى فيها الغَيور على الفصحى مُستقيمة العبارة، سليمة المعايير المعهودة.

1- ث – في المُحَصّلة

يأمل الحكيم، إذا “نجحت” هذه التجربة، أن نَخلُصَ إلى نتيجتَيْن اثنتَيْن؛ أمّا الأولى فإنّ المَسْكَ بلغة مسرحيّة موّحدة في الأدب العربيّ، كما الأدب الأوروبي، يكون أمراً راجحاً؛ وأمّا الثانية “وهي الأهمُّ” فهي التقريب بين طبقات الشعب الواحد، والتقريب بين شعوب اللّغة العربيّة؛ ما يعني وحدة أداة التفاهم، على قدرِ المستطاع، وما لا يُجافي ضرورات الفنّ المسرحي.

لقد قدّم توفيق الحكيم في بيانه رؤيةً واقتراحاً، جاعلاً من “اللّغة الثالثة” مدخلاً إلى مُمارَسة تجربة في الكتابة المسرحيّة، تُفضي إلى نتيجة أولى، هي السير نحو لغة مسرحيّة موحّدة في الأدب العربي، تقترب بنا من اللّغة المسرحيّة الموّحدة في الآداب الأوروبيّة، ونتيجة ثانية تتمثّل في التقريب بين طبقات الشعب الواحد، وبين شعوب اللّغة العربيّة، بتوحيد أداة التفاهُم على قدر الإمكان، من دون المساس بضرورات الفنّ (مسرحيّة “الصفقة”).

1-ج – نزار قبّاني يتحدّث عن اللّغة الثالثة: قد لقي “بيان” الحكيم تجاوباً من عَدَدٍ من الكُتّاب والنقّاد، ولعلّ أبرز مَن أشاد بنظريّة اللّغة الثالثة هو الشاعر نزار قبّاني (1923 – 1998) الذي طالما أبدى ضجره من هذه “الازدواجيّة” اللّغويّة؛ فهو يقول في اعترافٍ موجز إنّ الازدواجيّة تبدو كتحدٍّ لغويّ، بحيث نتمنّى أن نصل إلى لغةٍ واحدة، “وهي التي أسميتها اللّغة الثالثة، ونحن مُمَزَّقون بين لغتَين؛ الطفل في البيت والشارع يتكلّم لغة، وفي المدرسة يتكلّم لغة، ونحن في المقهى نتكلّم لغة، وفي الجامعة نتكلّم لغة…”. وهذه “اللّغة” برأيه “تأخذ من اللّغة الأكاديميّة منطقها وحِكمتها ورصانتها، ومن اللّغة العاميّة حرارتها، وشجاعتها، وفتوحاتها الجريئة” ( نزار قبّاني، قصّتي مع الشعر، 2000، تحت عنوان اللّغة الثالثة را).

كِتاب نظريّة اللّغة الثالثة

2- أ – وفي نُقْلَةٍ من وجدانيّة الإفصاح عن ماهيّة “اللّغة الثالثة” في تجربة نزار قبّاني، إلى درسٍ أكاديميّ يجعل من الجدل حول ازدواجيّة اللّغة، ومستوياتها في الكتابة والتعبير بحثاً معمّقاً، نَشَرَ د. أحمد محمّد المعتوق كِتاباً بعنوان “نظريّة اللّغة الثالثة – دراسة في قضيّة اللّغة العربيّة الوسطى”. ويصف الكاتب هذه “اللّغة” بقوله: “هو ذلك المستوى اللّغوي المنطوق الذي يستمدّ عناصره ومكوّناته الأساسيّة من فصحى العصر، بمختلف درجاتها ونماذجها…، وتُكَيَّف فيه عناصر أخرى من العاميّة بمُختلف أنماطها ودرجاتها التي لا تبتعد عن أصول الفصحى ومقاييسها وقاعدتها الأساسيّة، لتتكوّن، أو تتطوّر من خلاله لغة عربيّة محكيّة مُشترَكة، وسيطة، عفويّة، أصيلة، مُبسَّطة، مُيسَّرة، قريبة مستأنسة من خاصّة الجمهور، وعامّته”.

لكنّ المؤلّف يرى أنّ الكلام على هذه “اللّغة الثالثة” يفترض أن يأتي في الواقع كمرحلة ثانية، أو تالية لمرحلة تحقيق استقلال الهويّة اللّغويّة العامّة، وتحديد ملامحها…، وحمايتها من الغزو الخارجي.

ويعرض المؤلِّف لمسألة التعريب فيرى فيها وسيلة مهمّة لخدمة “اللّغة الثالثة”، فـ “لا مَشَاحة – برأيه – في إدخال ألفاظ وتراكيب أعجميّة جديدة واستعمالها في اللّغة العِلميّة أو التجاريّة، بل في اللّغة العامّة المكتوبة أو المنطوقة، على قدر ما تدعو إليه الضرورة، وتمليه حيويّة التخاطُب.

2- ب – ويخلص المؤلِّف إلى تحديد الصفات الأساسيّة العامّة التي يتعيَّن وجودها في اللّغة الثالثة، إرادة أن تؤدّي دَورها – المَرجوّ – بحيويّة، بالآتي: (1) أن تكون عربيّة مَحكيّة، فصيحة، سليمة في تكوينها العامّ؛ (2) أن تكون لغة التعليم في جميع مَراحله، ولغة الإعلام الجماهيري، ولغة للثقافة والتثقيف المَحكي عامّةً؛ (3) أن تسير في مُختلف درجاتها ومَجالاتها وفق قواعد العربيّة الفصحى نفسها، ووفق أساليبها المطوّرة المُحدثة، لا تجافيها؛ (4) لها من الألفاظ الأجنبيّة المعرّبة والدخيلة نصيب كافٍ..؛ (5) مُنسجمة مع مُستجّدات الحياة الحاضرة وظروفها المتطوّرة، ومع طِباع الناس وذوقهم العامّ المُشترك؛ (6) سهلة التعلُّم والاكتساب…. 

ولعلّ أكثر الأمور تنظيراً في الكِتاب، هو المَوقف من مسألة الإعراب، التي يراها المؤلِّف ضروريّة للّغة الوسطى، شريطة أن تَخضع هذه اللّغة المُقترَحة لنظامٍ إعرابي سَلِسٍ، مُيسّر، وقانونٍ صَرفيّ مَرِن. ويقترح المؤلِّف أن يُناط بمَجامِع اللّغة هذه المهمّة الهادفة إلى التيسير والتبسيط…

المُستويات اللّغويّة أكثر دلالة من “اللّغة الثالثة”

3- أ – إنّ انعقاد الصلة بين مُستويات المُجتمع الواحد ومُستويات التعبير الكلامي الناتجة من هذا الوسط الاجتماعي يَفرز لغةً ذات خصائص مُحدَّدة، تُميّزها من سواها؛ بمعنى أنّ هذه اللّغة تحديداً، بمُفرداتها وتراكيبها، وحتّى نِظامها الصوتيّ، والدلاليّ، تَستجيب لمُستويات التواصُل اللّغوي في وسطٍ له مُميّزاته في مستوى العمل ونمط الاختلاط والزواج والمَنافِع المُتبادَلة، وحتّى في معجم المأكَل والمَشرَب والمَلبَس.

3- ب – ما سبق يُفضي بنا إلى القول بمستويات عدّة للفصحى، وأخرى للعاميّة، وهي مستويات مُتداخِلة، من أعلى مستوىً إلى أدنى مستوىً، وبالعكس، ما يُشكِّل حراكاً في كلّ المَواقِع الحياتيّة؛ فما نشهده في حَرَمِ الجامعة، مثلاً، لا ينطبق عليه مصطلح فصحى وعاميّة، في تقابلٍ ثنائي، ولا نلغي ذلك لنقول بحتميّة “اللّغة الثالثة” بديلاً؛ فنحن نسمع فصحى التراث من مُحاضِرٍ له شأنه المُتمكِّن من عِلمه وفصاحته، ونَشهد فصحى ميسّرة عند مُحاضِرٍ آخر، ونسمع فصيحة مشوبة بمُصطلحاتٍ حديثة، وفي الوقت عَيْنه، تكون أروقة طبقات الجامعة وملاعبها تعجُّ بخليطٍ من الطلّاب، يتحدّثون بمستوى خليط بين لغة فصيحة مُبسَّطة، وعاميّة مُتنوِّرة، وربّما شابَ ذلك مزاحٌ ونكاتٌ وكلامٌ فَكِهٌ أين منه عاميّة الأميّين، وهو أمر ينسحب على ما نُشاهده من بَرامِج تبثّها محطّات التلفزة، أو ما نسمعه من برامج إذاعيّة، تتعدّد فيها المستويات، ومعظمها يلقى فَهماً من المتعلّم وسواه، من بَرامِج علميّة، أو أدبيّة، أو تراثيّة، أو رياضيّة، أو اجتماعيّة، وسواها، ما يعني أنّ القول بمُستويَيْن، ثمّ اقتراح المستوى الثالث، لا يضع الحديث عن الفصحى والعاميّات في مَوقعه الصحيح، ثمّ كيف نوفِّق بين المُستويَيْن، لنخلص إلى الجامع المُشترَك – أقول إنّ ذلك نكرانٌ لجَوهر البحث في علاقة اللّغة بالمُجتمع، وهو يأخذ المسألة إلى تقسيمٍ رياضي، ولا يُقدِّم بالتالي رؤيةً واقعيّةً مَبنيّة على الأسباب والنتائج.

ثمّ، إنّ اللّغة المَعنيّة، من ذلك العربيّة، تنطوي، كنظائرها من اللّغات، على بيئات اجتماعيّة مُتعدِّدة، تنماز بخصائص نهجيّة، جَرّاء جذورٍ إثنيّة أو دينيّة أو مُعتقديّة من حيث النّزوع إلى التمايُز، وإعلاء الخصوصيّة الاجتماعيّة.

وبالقدر الذي تتمكّن فيه سياسة الدولة من تعزيز الرفاه الاجتماعي للطبقات الاجتماعيّة كافّة، وبالقدر المتساوي، المُتوازِن من العدالة في نشْر مَنافِع الإنماء، بمُختلف وجوهه، وتوفير مَناهِج تعليميّة قائمة على ترسيخ القِيَم، وحقوق المُواطنيّة – أقول: بالقدر الذي تتوفّر هذه المُرتكزات، وتُصبح سلوكاً عامّاً، وطبائع تتجلّى بالسلوك الحياتي، بعيداً عن الإرغام أو القهر – تكون اللُّحمَة بين مكوّنات المُجتمع اللّغويّ آخذةً مَسارها في جمْعِ ما تفرَّق، وتمكين عرى التقارُب الاجتماعي، ما ينعكس، وبشكلٍ مُتنامٍ، على الجماعة اللّهجيّة، ومِحورها الفرد، فتنغمس تدريجيّاً في مناخٍ اجتماعي، لغوي، مستجيبةً لمَقاصِد الدولة العادلة، راضيةً بقبول دعاوى الانخراط في منظومة الوعي الجماعي العامّ.

*كاتب ولغوي من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


8 + 2 =