التايب يوجه رسالة مفتوحة إلى السيد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية

المحترم السيد إدريس الأزمي الإدريسي

رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية وعضو أمانته العامة النائب البرلماني وعمدة مدينة فاس

         تحية طيبة، 

وبعد، شاهدت الفيديـو الذي نشرتموه، ليلة الإثنين 8 مارس، واستمعت إلى حديثكم بشأن ما جرى يوم الجمعة 5 مارس 2021 بمجلس النواب، وخاصة الصراع حول موضوع طريقة احتساب القاسم الانتخابي الجديد. 

وقد أتت خرجتكم التواصلية في سياق صخب كبير يجري منذ أسابيع حول الموضوع، دون أن تصل إلى الرأي العام الشروحات والتوضيحات اللازمة لاستيعاب الأمور وفهمها بشكل صحيح، دون مزايدات سياسية أو مغالاة في المواقف و اتهامات بدون سند.

شخصيا، اعتبرت أن الأحزاب التي تقدمت بالمقترح الجديد، هي من عليها أن تتواصل مؤسساتيا وتنظيميا بشأنه وتُحسن التواصل، وتشرح التفاصيل ليزول أي سوء فهم، ونتجنب جميع التأويلات الخاطئة لمسألة طريقة احتساب القاسم الانتخابي ولا نضخم أثره السياسي المفترض، لذلك صمتت طيلة هذه المدة.

وعند نشركم للفيديو، ولو أنكم تعارضون القاسم الانتخابي الجديد، انتظرت منكم ذلك الشرح الموضوعي البعيد عن التموقع السياسي الصرف، لإدراكي أن رجلا في حجم ما كنتم تستطيعونه أنتم من حكمة و رزانة، مسنودة بخلاصات مساركم الأكاديمي و السياسي الحافل، و باعتباركم رئيسا للمجلس الوطني لحزب كبير محترم، أنتم قادرون على التمييز بين البُعد التقني والبُعد السياسي في مسألة القاسم الانتخابي، ومستوعبون لتفاصيل ماهيته و ما سيأتي به من إضافات للحياة السياسية، وتمنيت أن لا تمر على لسانكم مغالطات غير مقبولة تجعل المتتبع يعتقد أنكم تزايدون وتكابرون فقط. 

لكنني بعد الاستماع إليكم، لمست في كلامكم الغضب والقلق أكثر مما لمست الهدوء والاطمئنان والتحرر من التحاليل الذاتية المستندة إلى حسابات سياسية حزبية، لذلك ارتأيت موافاتكم برسالتي هاته، بغرض المساهمة في مجهود توضيح عدد من النقط التي يريد البعض تغييبها عن عقول أبناء الوطن بشأن “القاسم الانتخابي” والعملية الانتخابية القادمة برمتها، تحت كم من المغالطات والقراءات الخاطئة، و التهويل الذي تحركه خلفية صراع المواقع والمنافع، لا علاقة له بالدفاع عن مصلحة الوطن والمواطنين، ولا بالاختيار الديمقراطي الذي تقمصتم دور المدافع عنه هذه الأيام.

السيد إدريس الأزمي الإدريسي،

لا أخفيكم أنني رأيت في ما انخرطتم فيه، أنتم وعدد من كوادر حزبكم، “جذبة” عبثية لا تستقيم، يرعاها من كان المفروض فيهم أن يجسدوا قدوة للناس وخير مثال للأجيال الصاعدة، لا أن نشاهد برلمانيين يصرخون بخطابات الوعيد والتهديد في قلب مجلس النواب، في تحد سافر للتوقير اللازم لتلك المؤسسة الدستورية، أولا، وللتدابير والإجراءات الوقائية التي أقرتها السلطات العمومية لحماية الشعب من الجائحة الوبائية لفيروس كورونا، ثانيا. وقد أكد لي موقف فريق حزبكم، يوم الجمعة، التوجس من أن يكون ما يجري، منذ أيام بشأن موضوع القاسم الانتخابي، بداية سعي  لهدم الثقة لدى المواطنين في ذواتهم، أولا، وفي مسار وطن تصالحوا مع تاريخه ومع واقعه، ومع مؤسسات دولته، في خضم ملاحم سنة 2020، ثانيا. 

كيف لا أتوجس من ذلك، وكيف لا أنتفض ضد عبث من يحاولون زعزعة الثقة في وقت استوعب فيه مواطنونا، أكثر من أي وقت مضى، قيمة أن تكون مغربيا تعيش في كنف دولة وقفت إلى جانب 6 ملايين رب أسرة على مدى أشهر بعد توقف الحياة الاقتصادية بسبب الحجر الصحي والأزمة العالمية التي تسبب فيها فيروس كورونا، ودبرت ملـف الجائحة الوبائية بتميز كبير وصولا إلى تنظيم حملة وطنية للتلقيح يشهد بها العالم؟ 

كيف أصمت عمن يختلق مشاكل وهمية دون أن ينتبه إلى حجم التشويش والبلبلة التي يحدثها على الجو المتميز بعودة المغاربة للافتخارهم بوطنهم وبدولتهم التي شاهدوها تحمي ترابهم الوطني وتحـرر، بسواعد أبناء قواتنا المسلحة الملكية البواسل، المعبر الحدودي في اتجاه إفريقيا بمنطقة الكركارات، كما يرون كيف أن ديبلوماسية دولتهم تترافع لتتوالى الاعترافات بالسيادة المغربية على صحرائنا، وآخرها ما حصل من اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، و يلمسون شجاعة الدفاع عن سيادتنا على مياهنا الإقليمية على الواجهة الأطلسية بشكل زلزل الحسابات الجيوستراتيجية للجارة الشمالية إسبانيا، تماما كما زلزل حساباتها الاقتصادية الميناء المتوسطي بطنجة، وكما سيفعل ذلك قريبا ميناء الناضور. 

دولة وطنية لا تتردد، بشجاعة الكبار، في رفض أي تدخل في قضايانا الوطنية من طرف دول أوروبية كبرى، في سلسلة متكاملة من المواقف الوطنية التي تستحق الاعتزاز والتنويه من أبناء الشعب، سواء بشأن ما تحقق على الواجهة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الديبلوماسية بفضل الرؤية الاستباقية والتخطيط الاستراتيجي الذي يتم بإشراف صارم من جلالة الملك، الذي يبصم بمداد من ذهب صفحات مشرقة من التاريخ المعاصر للأمة المغربية، بأوراش استراتيجية رائدة لما فيه مصلحة أبناء الوطن.

السيد إدريس الأزمي الإدريسي،

تدفعني كل الاعتبارات أعلاه، إلى طرح تساؤلات أتمنى أن تلقى منكم أجوبة في مستوى النزاهة الفكرية التي تستطيعونها عندما لا تكونون غاضبين:

– ألا يقتضي الاختيار الديمقراطي ممن يدعون الدفاع عنه، احترام ما يتم اعتماده بالتصويت داخل مجلس النواب، لأنه ثمرة فعل ديمقراطي متفق عليه، يتم في مؤسسة دستورية لا يختلف على قانونيتها ومشروعيتها أي حزب؟ 

– ألا تتفقون معي بأن ما سيحسم نتيجة الانتخابات القادمة هو، في المقام الأول، رأي المغاربة في تدبير  الحكومة لشؤونهم ومدى رضاهم عما حققته في الواقع، خلال خمس سنوات، و ليس بالضرورة طريقة احتساب “القاسم الانتخابي”؟ 

– ألا تعتقدون أنه إذا كان المواطنون المغاربة فرحون ومرتاحون لحصيلة الأحزاب الحكومية، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، وقاموا بناء على ذلك بالتصويت لها بكثافة في الانتخابات القادمة، سيكون الفوز من نصيبها بدون شك، سواء بالقاسم الانتخابي الجديد أو بالقاسم الانتخابي القديم؟

لماذا إذن، خلف حديثكم انطباعات قويا بأن لديكم لبسا كبيرا وخلطا في استيعاب ماهية “القاسم الانتخابي”، ولماذا يصلح، وما هو الأثر السياسي المنتظر منه؟ لماذا ظهر أنكم تخندقتم في موقعكم السياسي الحزبي ولم تقتفوا الموضوعية والحوار الهادئ، لنخرج من هذا الجدل قبل أن يصبح مأزقا سياسيا حقيقيا، لا قدر الله ، بتداخل عوامل وسياقات أخرى؟  

اسمحوا لي أن أبسط، عبر هذه الرسالة، كل النقط التي أعتبرها مغالطات يتم ترويجها بدون وجه حق، و تقبلوا بداية، عتابي لأنكم روجتم لها أنتم أيضا في الفيديو الذي نشرتموه، عوض ضحدها لأنها مغالطات لا تستقيم أمام حوار هادئ وتحليل رزين.

أما أول خلط سقطتم فيه، كان هو ربطكم بين “القاسم الانتخابي” وبين مسألة “الاختيار الديمقراطي”، بينما يبقى القاسم الانتخابي معطى تقنـيا بالأساس، حتى وإن كان له أثره السياسي القابل للنقاش، كما هو حال الأثر السياسي للقاسم الانتخابي الحالي، وكما هو حال كل التقنيات المرتبطة بمختلف أنماط الاقتراع، التي لكل واحد منها إيجابياته وسلبياته. 

أما مسألة “الاختيار الديمقراطي” فهي أكبر بكثير من طريقة احتساب القاسم الانتخابي،  ولها ضماناتها التي لا يمكن لأحد أن يجرؤ على تخطيها، لأنها ترتبط بإطار مؤسساتي دستوري شامل لا زال مستمرا ولم يقم أحد بالمساس بأساسياته وبمبادئه. 

وأنا متأكد مما أقوله في هذا الباب، اللهم إلا إذا كان لديكم دليل على أنه قد تم، في غفلة من المواطنين المغاربة، تغيير الفصل الأول والفصل الثاني، والفصل 7 و 9 و 10 و 11 و 17، و 28 و 29 و 30، و 60 و 62 و 63 و 64، و باقي الفصول الأخرى ذات الصلة بالضمانات المحصنة للاختيار الديمقراطي، في الدستور الرسمي للمملكة الذي اختاره الشعب في استفتاء سنة 2011.

ثم السيد الرئيس المحترم، ألم يكن يستوجب الأمر أن تنتفضوا بقوة ضد من يقولون أن  القاسم الانتخابي يشكل تراجعا عن “الاختيار الديمقراطي” ببلادنا، وأنتم أعلم بنص الفصل 42 من الدستور الذي يقول : “الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة”؟ أبعد هذه الضمانة الراسخة يمكن السكوت وترك المجال للمزايدة ونشر الكذب ؟

طيب، إذا لم يتم أي تعديل دستوري، كيف استطعتم، من دون سند، أن تجدوا الجرأة لتروجوا مسألة اعتماد طريقة احتساب “القاسم الانتخابي على أساس لائحة المسجلين”، على أنها تخلخل المكتسبات الدستورية والسياسية والديمقراطية لبلادنا؟ 

ألم تنتبهوا إلى أنكم بهذا القول المريب، تخلقون بلبلة قد توحي للمتتبع من الخارج، بأننا نعيش أجواء كتلك التي عرفتها دول أخرى، لا أريد ذكرها احتراما لأهلها، تميزت بتجاذبات وسجال بين من  كانوا يرون في أنفسهم “الشرعية”، وبين من استندوا إلى “شرعية التفويض الشعبي”؟ 

ثاني خلط وادعاء تم الترويج له، هو القول أن استعمال “القاسم الانتخابي باحتساب لائحة المسجلين”، يعني أنه لم يعد هنالك قيمة بتاتا لأصوات الناخبين في الاقتراع، وأنه سيتم أخذ أصوات المسجلين سواء الأحياء منهم والأموات، وسواء الذين صوتوا والذين لم يصوتوا، وستحتسب كل تلك الأصوات، في غفلة من أصحابها، لفائدة المرشحين المتنافسين. 

بالله عليكم هل تقبلون على أنفسكم سماع مثل هذه الترهات المضللة على لسان “سياسيين محترمين” ينتمون وإياكم إلى نفس الصف السياسي؟ قولوا لنا كيف سيتم احتساب أصوات الناخبين إذا لم يحضروا للاقتراع للتعبير عنها ؟ هل اختلط عليكم الأمر ولم تستوعبوا أن “احتساب أصوات المسجلين” له علاقة بتحديد المستوى الذي يكون عليه القاسم الانتخابي،  وبالتالي تحديد رقم الأصوات الواجب الحصول عليها للفوز بمقعد برلماني، ولا علاقة لاحتساب القاسم الانتخابي بما سيرمى في الصندوق من أوراق تصويت يلقيها كل مصوت بنفسه، وبحضور مراقبين يمثلون كل مرشح بما فيهم مرشحو حزب العدالة والتنمية؟

ثم هل فعلا تعتقدون بصحة هذه الكذبة، أو تعتقدون بإمكانية حدوثها في انتخابات تجري في سنة 2021، سيتابعها من يراقب ومن ينقل كل صغيرة وكبيرة، من وسائل الإعلام ومن الفعاليات السياسية والحقوقية، من الداخل ومن الخارج ؟ 

وقبل ذلك، هل تتصورون، وأنتم كنتم عضوا في حكومة سابقة، أن المنطق الذي تشتغل به الدولة المغربية يمكن أن يكون فيه مكان لمثل هذا العبث؟ أم أنكم نسيتم أننا نترافع، كل يوم، من أجل الدفاع عن نموذج مغربي لحكم ذاتي ديمقراطي في إطار السيادة الوطنية بأقاليمنا الجنوبية، و هو اختيار يتقوى باستمرار الاختيار الديمقراطي المكفول دستوريا ؟ 

أم أن هذه المغالطات لا تعدو كونها مزايدات تدفعون من خلالها، خيال مناصريكم ومعهم جزء من الرأي العام، إلى أبعد نقطة في عالم السوريالية السياسية التي لا يمكن أن تحدث بأي شكل من الأشكال؟؟ 

ثالث المغالطات التي تروجونها، هي الإدعاء بأن القاسم الانتخابي الجديد سيمكن جميع الأحزاب من الفوز في الانتخابات، وأن المقاعد ستتشتت بين كل الأحزاب. وهنا أتسائل كيف يعقل أن تفوز كل الأحزاب في الانتخابات المقبلة، ونحن نتحدث عن عدد مقاعد محدد في كل دائرة، وفي واقعنا الوطني 34 حزبا، لا يمكنها أن تفوز في كل الدوائر؟ أرجوكم بينوا لنا كيف تمكنتم باستعمال القاسم الانتخابي الجديد، من أن تجدوا الدليل على هذه الخلاصة الحسابية، وعلى أي أساس إحصائي بنيتم ادعائكم ؟ 

لماذا لا تريدون القول أن القاسم الانتخابي الجديد سيمكن من تقوية حضور الأحزاب الأساسية، ونعها تعبيرات سياسية متوسطة الحجم تنظيميا، ويرفع عنها ما كانت تتعرض له من تقزيم لنتائجها بسبب قاسم انتخابي صغير غير منصف، وبسبب عتبة أقصت كفاءات سياسية عديدة، ومنحت حزبكم إمكانية إنجاح المرشح الثاني في لوائحكم في الدوائر المحلية، بسهولة بفضل قاعدة أكبر بقية؟

ألا تعتقدون، وأنتم العارف بثقل المسؤولية الحكومية، بأن ما قام به البعض من تهييج وتحريض، واستعمال لمصطلحات التشكيك والتخوين، فيه حيف كبير تجاه المجهودات الجبارة التي بذلتها وزارة الداخلية، بجدية متناهية وحرص كبير، و احترام تام للقانون وللمكتسبات الدستورية ببلادنا عندما رعت لقاءات تشاورية مع كل الأحزاب، على امتداد عدة أسابيع، بغرض توسيع دائرة التوافق حول أكبر عدد من النقط المقترحة في القوانين الانتخابية، على أن يتم ترك الحسم في النقط الخلافية لتصويت ديمقراطي بالبرلمان؟ 

السيد إدريس الأزمي الإدريسي، 

إن ما يقلقني ليس هو أن يرفض حزب العدالة والتنمية التعديلات التي همت القوانين الانتخابية، و طريقة احتساب القاسم الانتخابي الجديد. ذلك حق مطلق لحزب يسير الحكومة منذ عشر سنوات، وله حرية التفاعل بالرفض إذا اعتبر أن القانون الجديد يمس بمصالحه الانتخابية. كما، لا يقلقني اقتراح القاسم الانتخابي بالشكل الجديد، لأنني لم أجد فيه ما يجعله مخالفا للدستور أو للقانون، خاصة وهو لا يمس بالحق في التصويت لكل مواطن ومواطنة، ولا يغير طبيعة التصويت بالاقتراع المباشر الحر. 

ما يقلقني حقا هو أن يستمر الترويج لخطابات استنفارية شديدة اللهجة، تعتمد على قراءات خاطئة وتأويلات غير موضوعية، دون أن يخرج من داخل هيئتكم السياسية المحترمة، رجل رشيد يفرض الهدوء، ويعود بالنقاش إلى الرصانة الواجبة، عوض ما سمعناه من لغة التهديد والتشكيك والحكم على النوايا، خاصة لما قررتم دفع الملف للمحكمة الدستورية لتبث فيه. 

ماذا ستخسرون لو أنكم قبلتم التصويت على القوانين الانتخابية، وسجلتم رفضكم لبعض البنوذ فيها، وانتظرتم قرار المحكمة الدستورية، عوض هذه الفوضى التواصلية التي أحدثها برلمانيوكم وكثير من المنتسبين إليكم ؟

طيب، بعد كل هذا النفير والتهييج، كيف سيكون الموقف إذا ما حكمت المحكمة الدستورية بأن القوانين الانتخابية المصادق عليها بمجلس النواب، ومنها القاسم الانتخابي، ليس فيها أي خرق لدستور المملكة ؟ هل سيعود حزب العدالة والتنمية ليعتذر لمناصريه الذين قال لهم برلمانيوكم، كذبا ومغالاة، أن تراجعا عن الخيار الديمقراطي قد وقـع ببلادنا؟ هل ستعترفون أن اجتهاداتكم كان خاطئة، وأن قرار المحكمة الدستورية صحيح ومقبول؟ أم أنكم ستتشبثون بأن رأي الحزب صحيح رغم كل شيء، وأن المحكمة الدستورية هي التي لم تحكم بما كان يلزم حسب اجتهاداتكم، وتوحون للناس أن في ذلك “سر غير معلوم”؟ ماذا تتوقعون أن يكون رد الفعل سواء في حالة السيناريو الأول أو في حالة السيناريو الثاني، من لدن من تم تحريضهم  ؟

ألا تخشون أنكم بسلوككم هذا، أحدثتم زعزعة خطيرة لعلاقة المواطنين بمؤسسات دستورية محترمة، وربما حتى بين المواطنين وكامل المسار السياسي الشرعي والعلني؟ 

أم أن نفور الناس من العملية الانتخابية هو هدفكم الحقيقي و غير المعلن حتى تتمكنوا، بفضل “جمهوركم” المنضبط، من الإبقاء على رصيد قوتكم النسبية جدا، بالاعتماد على نسبة مشاركة ضعيفة في الانتخابات المقبلة؟ 

إلى أين أنتم ذاهبون بنا، وماذا علينا أن ننتظر منكم وأنتم بدأتم تنسجون بدهاء، تفاصيل عودة إلى أجواء خطاب المظلومية والاستهداف ؟ 

أليس من حق الشعب المغربي، أن يعتقد بأنكم لا ترغبون في حملة انتخابية نظيفة على أساس تشخيص حصيلة حكمكم لمدة خمس سنوات، وتريدون بالمقابل أن ينسى الناخبون كل المنغصات التي عانوا منها، ويشملوكم بعفو عام لأنكم “مظلومون” بقاسم انتخابي تقولون أنه سيحرمكم من بعض المقاعد؟ 

أم تراكم تفضلون هذه “الجذبة” السياسية، حتى يخيل للناس أن السماء ستسقط على رؤوسهم، فقط لأن تغيير طريقة احتساب “القاسم الانتخابي” أغضبكم، والحقيقة أنكم تخشون أن يفقد حزبكم عددا من المقاعد؟ لماذا لا تقولون أن أحزابا أخرى هي أيضا ستفقد بعض مقاعد، وأن أحزابا لم يكن بإمكانها أن تفوز بشيء في ظل القاسم الانتخابي الحالي ونظام العتبة الذي يرمي في سلة المهملات مئات الآلاف من الأصوات، سيصبح بإمكانها تسجيل الحضور ؟ 

السيد إدريس الأزمي الإدريسي، 

لي ثقة بأن في صفوف حزبكم رجال يقدرون مقام المسؤولية، وأحسب أن بإمكانكم أن تكونوا أنتم واحدا من هؤلاء، اعتبارا لمسؤولياتكم السياسية. لذلك، أملي أن تعودوا بسرعة لمقام الحكمة، وتساهموا في أن تأخذ الأمور مسارها الطبيعي المستند إلى عمل المؤسسات الدستورية ببلادنا، وتحرضوا الناس على التعاطي بثقة معها، دون تسفيه أو تبخيس لقدرها واحتهاداتها.

مسؤوليتكم هي أن تساهموا في قطع الطريق على من يتعاطى بعدمية مع العملية السياسية، ويسعى لتنفير الناس من المشاركة في العملية الانتخابية بدعوى أن أصواتهم ليست مهمة. كما هي مسؤوليتكم في أن توقفوا المغالين في صفوفكم عن ما هم فيه من ادعاءات خاطئة، كي لا تتكسر الديناميكية الوطنية الإيجابية التي انخرطنا فيها جميعا، خلال هذه السنة، من خلال احتقان غير ضروري. 

السيد إدريس الأزمي الإدريسي، 

إن ما يستحق منكم عميق الانتباه والتركيز، هي حقيقة أن كل من يتحركون على أرضية الفعل الحزبي، أقلية نسبية كما وكيفا، وأن أغلبية كبيرة تراقب من بعيد ولا تشارك في صخب انتخابي سياسي شعبوي لا ترى فيه طعما ولا معنى. وبالتالي، عوض إضاعة مزيد من الوقت، حري بكم وبحزبكم، كما بعموم الطبقة السياسية، تصويب الجهود في اتجاه تلك الأغلبية العددية غير المشاركة، وتكثيف الاهتمام بها والإنصات لها، والتفاعل مع احتياجاتها في التنمية وخلق فرص العمل، حتى يصبح للعمل السياسي فائدة للوطن والمواطنين. 

أم تحتاجون أن أذكركم أن حزبكم حصل على 1.571.659 صوتا في انتخابات 2016، أي نسبة 23.66 % من الأصوات الصحيحة، وفي المقابل اختار 5.068.967 مواطن التصويت ضدكم عبر التصويت على مرشحي باقي الأحزاب، بمعنى أن نسبة 76.33% من المصوتين لا يريدون أن تمثلونهم أنتم ؟ 

هل تعلمون ما معنى أن يكون كل ما حصلتم عليه من أصوات في انتخابات 2016، لا يساوي سوى 10% فقط من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية حينها ؟ وهل تدركون أن ما حصلتم عليه من أصوات في 2016، لا يشكل سوى 4,6 % من مجموع مواطني المغرب، وأن 95.4 % من المغاربة، أو لنقل فقط السكان الذين بلغوا سن 18 سنة ولهم حق المشاركة في الانتخابات، لم يختاروكم لتتحدثوا بلسانهم أو لتدبروا أمورهم؟ 

بعد تذكيركم بهذه المعطيات، هل تعتقدون أن الديمقراطية تتحدد من خلال القاسم الانتخابي، وأن القاسم القديم حلال طيب، فيما القاسم الجديد، حرام مطلق ومفسدة كبرى ؟     

هل وصلتكم الفكرة؟ أم تعتقدون أن علي تسجيل فيديو لأفصل أكثر في شرح ماهية القاسم الانتخابي، وأثره على النتائج، و أبين الفرق بين “القاسم”، و بين الثوابت الدستورية الضامنة للديمقراطية في بلادنا ؟ 

السيد إدريس الأزمي الإدريسي، 

أنتظر منكم الخروج من التشنج والانفعال الذي أسرتم فيه نفسكم منذ مدة، والعودة لدعم إرساء تنافس سياسي وانتخابي سليم، على أساس الرؤى والبرامج، بعيدا عن منطق الإقصاء، وبعيدا عن الجمع بين السياسي والدعوي، وبعيدا عن هلوسة التذكير  المستمر بما كان في 2010 و 2011، وكأن البعض لازل مستعدا لركوب رياح “خريفية” مسمومة تصل من جهات لا تريد الخير لأبناء الأمة المغربية، المتمسكين بالشرعيات الأصيلة والراسخة منذ قرون، قبل أن يكون هنالك شيء اسمه “البرلمان” أو هيئات تسمى “الأحزاب السياسية” أو قوانين انتخابية، أو “قاسم انتخابي” قلتم فيه ما لم يقله مالك في الخمر في تواصلكم معنا، يوم الاثنين 8 مارس.

أتمنى أن يتسع صدركم لتقبل كلام دبجه لكم مواطن مغربي يؤمن أن سنة 2020، المفروض قد علمتنا أن الفعل السياسي الحزبي ببلادنا، يجب أن يمارس بشكل مغاير يعتمد الكفاءة والاستحقاق والمصداقية داخل التنظيمات والهيئات الحزبية، وأن يستحضر الجميع الولاء للوطن، أولا، قبل كل مصلحة فئوية أو مكسب سياسي عابر. 

 بتقدير صادق لكم و لهيئتكم السياسية، و إيمان بأن اختلاف وجهات النظر لا يجب أن يفسد للود قضية، تقبلوا السيد رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، خالص تحياتي لكم. 

ولكل أبناء وطني الذين سيطلعون على هذه الرسالة المفتوحة، محبتي ومودتي بلا ضفاف. والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.

                              إمضاء : يونس التايب

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


25 − 24 =