النساء سيدات صحّتهِن .. الرعاية الذاتية فرصة لتمكين النساء من تدبير صحتهن بأنفسهن

بقلم – د. روبان جيل *

قد يبدو مفهوم ’الرعاية الذاتية‘ غريباً على مسامع الأطباء ومستشاري صحة النساء أمثالي. إلا أنه مفهوم يتعدى حدود النوادي الصحية والأدوية ويعتبر مُمارسةً من ممارسات الرعاية الصحية التي تعود بالزمن إلى قرون مضت وقد عادت اليوم لتكبر. فإذا ما قمت يوماً باختبار حمل منزلي أو استخدمت تطبيقاً لتتبع الخصوبة أو أشرفت بنفسك على تدبير أعراض الربو باستخدام بخاخ، فتلك هي الرعاية الذاتية.

وتندرج الرعاية الذاتية في إطار مقاربة صحية تركز على المرضى وتقوم على مفهوم رعاية الناس بأسلوب هادفٍ وقيّم بالنسبة لهم. ولهذا تعمل منظمة أطباء بلا حدود اليوم على تعزيز الجانب الذي يركز على المرضى في إطار الرعاية التي نقدمها وذلك كي يكون المرضى بحق محور عملنا. وتؤكد منظمة الصحة العالمية بأن هذا النموذج يعتبر الناس صُنّاع قرار فاعلين فيما يتعلق بصحتهم بدلاً من كونهم مجرد متلقين للخدمات.

كما تقدم الرعاية الذاتية فرصة لتحسين الرعاية ذات الجودة العالية التي تركز على المرضى من خلال تمكين الناس بالمعلومات والاستقلالية وخيارات الحصول على رعاية آمنة فاعلة في الوقت المناسب، وكل ذلك بدعم من مشرفين صحيين مهرة عند الحاجة. وقد جاء في النسخة الأولى من إرشادات الرعاية الذاتية التي صدرت عن منظمة الصحة العالمية عام 2019 وركزت على الصحة الجنسية والإنجابية بأن مفهوم الرعاية الذاتية يبدأ بالتوعية الصحية، مروراً بالوقاية من الأمراض والسيطرة عليها والتداوي الذاتي، وانتهاءً بالخدمات الأخرى التي تشمل الأدوية والأجهزة والأدوات التشخيصية والمنتجات الرقمية التي يتم توفيرها كلياً أو جزئياً خارج إطار خدمات الرعاية الصحية الرسمية.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود منذ مدة على تنفيذ مبادرات تركز على الرعاية الذاتية في العديد من برامج الصحة الجنسية والإنجابية التي تشرف عليها، وهذا يشمل مانعات الحمل ’سايانا بريس‘ طويلة الأمد التي يمكن حقنها ذاتياً في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتجربة أخذ العينات ذاتياً للكشف عن فيروس الورم الحليمي البشري في مشروع سرطان الرحم في زيمبابوي. وبمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يُحتفل به في الثامن من مارس/آذار فإننا نسلط الضوء على القيمة الخاصة للرعاية الذاتية بالنسبة للنساء والفتيات اللواتي يواجهن عقبات كبيرة في تأمين الرعاية الصحية.

وفي المناطق التي لا يجد فيها الناس مرافق صحية نظراً لبعدهم عنها أو بسبب الفقر أو نتيجةً لغياب البنى التحتية والموارد، فإن من شأن الرعاية الذاتية تأمين احتياجاتهم الصحية. أما بالنسبة للنساء الباحثات عن خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية كمانعات الحمل أو رعاية الإجهاض الآمن، وهي خدمات كثيراً ما تترافق بوصمة عار كبيرة، فإن الرعاية الذاتية تمنحهن أدوات لرعاية أنفسهن في بيوتهن حفاظاً على الخصوصية. كما أنها تساعد النساء اللواتي يواجهن التمييز في نظام الرعاية الصحية الرسمي (بسبب مرضهن أو هويتهن) في الحصول على الرعاية في الحالات التي لولاها لكنّ لجأن إلى أساليب غير آمنة أو حُرِمن من الرعاية تماماً. والأهم أن الرعاية الذاتية تعزز قدرة النساء على تدبير أجسامهن. 

الرعاية الذاتية المبنية على الأدلة والبراهين مخاطرها قليلة وتحقق نتائج صحية جيدة حين تترافق مع خدمات الرعاية الصحية التقليدية. كما أن النساء في بعض السياقات يخترنها بملء إرادتهن حتى بوجود خدمات صحية موثوقة، ولهذا لا بد أن يكون هذا الخيار متاحاً. ولا بد لنا باعتبارنا عمال رعاية صحية أن ندرك أوجه تحيزنا، علماً أن منظمة أطباء بلا حدود تدرّب طواقمها على كيفية إدراج خيارات الرعاية الذاتية ضمن نماذج الرعاية القائمة في مرافقنا.

هذا وتتوقف الرعاية الذاتية على المشاركة الهادفة للمجتمعات. ويمكنكم الاطلاع أكثر على ما تقوم به فرقنا في هذا الخصوص. إذ أننا أوردنا في الصفحة 12 شهادة فاني فالاكيزا، وهي عاملة جنس من ملاوي وعاملة رعاية صحية مجتمعية تدعم أقرانها لتثقيفهم حول مجموعة واسعة من احتياجات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية وسبل الوقاية والتدبير الذاتية. تسلط فاني الضوء على نجاج نموذج الرعاية الذاتية الذي يركز على المرضى كما تتطرق إلى سبل تمكين عاملات الجنس. أما في الصفحة العاشرة، فستتحدث مليكات التي نجت من مرض نوما المهمل لتطلعنا عما تقوم به لسماعدة الآخرين الذين يواجهون نوما من أجل تحسين جودة حياتهم إلى جانب علاجهم الطبي.

لكن لنجاح هذه المقاربات لا بد لنا من الاستماع إلى آراء المرضى حول شكل الرعاية الذي يناسبهم. ومنظمة أطباء بلا حدود تساعد النساء من مختلف الثقافات والسياقات، وعلينا أن نحرص على أن نضع جميع النساء، دون استثناء ذوات الإعاقة والمراهقات، في صميم الرعاية التي نقدمها.

ومؤخراً أتى كوفيد-19 بنتائج مدمرة في مختلف أنحاء العالم، لكنه قدم في الآن ذاته فرصاً لتوفير الرعاية الصحية اعتماداً على مقاربات مبتكرة وجديدة تركز على المرضى. فقد رفعت البلدان ذات الدخل العالي مثل بلدي كندا القيود بهدف تعزيز خدمات الإجهاض الآمن اعتماداً على التقنيات الافتراضية وتقنيات الطب عن بعد، أما في أستراليا فقد دعم نظام الرعاية الصحية العام مؤقتاً خدمات الإجهاض عن بعد. يشار إلى أن خدمات الرعاية هذه التي من شأنها إنقاذ حياة النساء ما كان لها أن تستمر خلال جائحة كوفيد-19 لولا الإجهاض الدوائي الذاتي عن طريق الهاتف، ونماذج الإجهاض المراقب (عن طريق التواصل هاتفياً مع متطوعين مدربين)، وخدمات الإجهاض عن بعد عن طريق الإنترنت والمستخدمة في مناطق يحمل فيها الإجهاض وصمة عار أو يعتبر جرماً.

هناك فرصة أمام أطباء بلا حدود لتتبع موقعاً ريادياً في توفير رعاية عالية الجودة تركز على المرضى في سياقات الأزمات، اعتماداً على نماذج رعاية ذاتية تقوم في إطار برامج مجتمعية ومن خلال أساليب ووسائل رقمية كالطب عن بعد وخطوط الاتصال المباشر والرسائل النصية القصيرة والتطبيقات الجوالة والمنصات على الإنترنت ودعم النظراء. وقد بات بالإمكان أن نضع النساء فعلاً في صلب الرعاية إذا ما ائتمنّاهن على لعب دور أكثر فاعلية في اتخاذ القرارات التي تتعلق بصحتهن وأجسامهن.

*مستشارة صحة النساء، طب التوليد وأمراض النساء (أطباء بلا حدود أستراليا / أطباء بلا حدود نيوزيلندا)

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق