الدكتور المريزق المصطفى،مؤسس قادمون وقادرون والرئيس الناطق الرسمي لمنتدى مغرب المستقبل في ضيافة المغرب الآن

حاوره – المصطفى اسعد :

في البداية نريد منكم لو سمحتم أن تطلعوا قراء موقع “المغرب الآن” عن مساراتكم المتعددة؟ 

مساري جد متواضع، مقارنة مع مسارات العديد من المناضلين والفاعلين المغاربة الذين قدموا الكثير للوطن وللحركة الثقافية، والفكرية، والسياسية والنضالية المغربية. أنا اليوم أستاذ التعليم العالي، باحث في السوسيولوجيا بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس- المغرب؛ الرئيس الناطق الرسمي لمنتدى مغرب المستقبل (FMA) -حركة قادمون وقادرون سابقا؛ الرئيس المؤسس للجامعة الشعبية مكناس (UPM)، والرئيس المؤسس للمنتدى الوطني للمدينة (FNV)؛ عضو المجلس الوطني لحقوق الانسان (CNDH)-رئيس اللجنة الدائمة المكلفة بالنهوض بثقافة حقوق الانسان وتعزيز البناء الديمقراطي؛ عضو المجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الانسان؛ عضو مؤسس للإتلاف الحداثي الديمقراطي ومنسق أرضية مرصد الهجرات الدولية وحقوق الانسان (OMIDH)؛ خبير سابق لدى البرلمان ..

ما هي المدرسة الفكرية والسياسية التي أوحت بتأسيس تجربتكم الجديدة؟

ماذا تقصدون بالضبط؟

أقصد تجربة منتدى مغرب المستقبل-حركة قادمون وقادرون سابقا

طيب، في البدء، لا بد من الاعتراف الصريح بفضل ما تلقيته من تكوين ودعم ومساندة من لدن العديد من المناضلات والمناضلين، المغاربة والمغاربيين والفرنسيين كذلك، طوال سنوات منفاي الاختياري بباريس. ذلك أن منفاي الاختياري كان محطة مهمة وملهمة في حياتي، مكنتني من الاشتغال الأفقي والعمودي، إن على حركة العمال المغاربة بفرنسا، أو على مسارات نشطاء العديد من الأحزاب السياسية والجمعيات التقدمية، الثقافية، والحقوقية والإعلامية والطلابية المغربية والمغاربية النشيطة هناك.

ثم من باب الاعتراف أيضا، أذكر بأفضال من أعطى لحياتي نفسا جديدا، وفتح لي باب الرجوع إلى مدرجات الجامعة بعد انقطاع دام 7 سنوات، في سياق مخصوص، وفي صلة علمية ومعرفية لا تخلو من أهمية اجتماعية سياسية وإنسانية، بشكل مباشر أو غير مباشر، إنه العالم الموسوعي و الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع البروفيسور الراحل (Jean-MarieVincent) المؤسس التاريخي لشعبة العلوم السياسية بجامعة باريس 8 في سنة 1968، الذي استمر رئيسا لها إلى غاية عام 2002.

فهو الأستاذ المشرف على تكويني الجامعي والأكاديمي بقسم العلوم السياسية بالجامعة الفرنسية (الدراسات المعمقة والعليا في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي)، الذي أعتز بالانتساب إليه، وهو العالم الذائع الصيت الذي اشتهر بكتبه ومقالاته ودراساته الفلسفية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، التي أوجه  قراء هذا الحوار وأدعوهم للاطلاع عليها. كما أوجههم للاطلاع على مساره السياسي، باعتباره أحد المؤسسين للحزب الاشتراكي الموحد بفرنسا (PSU). حيث كان مناوئا للاشتراكية الستالينية المستبدة، وواحدا من المؤسسين للعصبة الشيوعية التي استمر ناشطا كبيرا في صفوفها إلى أن انسحب منها سنة 1981 احتجاجا على تدخل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

متى تعرفتم على هذا الهرم؟

تعرفت عليه نهاية تسعينيات القرن الماضي، عندما كان واحدا من أهم أعلام ورموز الفكر المهتمين بالحركات الاجتماعية، إذ مكَّننا، ونحن طلبة باحثين أنداك، من متابعة مساراتها وأشكال تعبيراتها الجديدة، وما كانت تطرحه من بدائل وأنماط تنظيمية، وما كانت تطرحه من أولويات نضالية.

صدقا، لقد كان، رحمه الله، أحد المفكرين البارزين واللامعين المولعين بالعدالة الاجتماعية والمجالية والحرية وحقوق الانسانومناهضة التفاوتات الاجتماعية، كما كان  مناضلا مدافعا عن القيم الإنسانية التي كان مرتبطا بها بشكل خاص، ومتتبعا  لمسار الحركات الاجتماعية بأوروبا عامة و فرنسا خاصة، ومهتما بالبدائل الجديدة التي تعلن عنها، والأشكال التنظيمية التي تتبناها، والأولويات النضالية التي تجعلها في مقدمة مشاريعها الميدانية.

كما تجدر الإشارة، إلى أن أبحاثه النظرية، قد منحتني إمكانية من التعرف على القضايا الفكرية، والثقافية والاجتماعية العظيمة، التي خلفتها الماركسية الحية، التي علمتني احترام الناس وتقدير اجتهاداتهم إبداعاتهم و تثمين أعمالهم الفكرية المشتركة التي استمر تأثيرها مدة قرن ونصف من الزمن.

فهذه الجوانب المذكورة باختصار شديد، هي أهم معالم مدرستي الفكرية التي بقدر ما أعطتني اليوم شحنة خارقة لإعادة النظر في العديد من المسلمات، مكنتني من التخلص من عبء الماضي، وفتحت عيني على آلام وجراح الأيديولوجيا وآثامها التي خرجت من أحشائها فظاعات الأنظمة الرأسمالية المتوحشة والفاشية والنازية والصهيونية والسلفية الجهادية، وكل الخطابات الهدامة المنغلقة على نفسها.

طبعا من دون أن أنسى فضل عالم الاجتماع الجزائري-الفرنسي، الدكتور عيسى القادري (أطال الله في عمره)، الذي أشرف على تكويني الأكاديمي لتحضير دكتوراه في علم الاجتماع السياسي، وأساتذتي بالمعهد الأوروبي المغاربي بباريس، و السيدة العظيمة “كاترين ويطول دو فاندن” (أطال الله في عمرها)-الباحثة في العلوم السياسية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بباريس (CNRS).

لهؤلاء جميعا يرجع الفضل في الاطلاع على العدد من التجارب العالمية، التي أثرت في ولادتي المدنية الجديدة، بالإضافة إلى الدروس والعبر التي تلقيتها من خيبات الأمل- أيضا- التي واجهتني طوال تجاربي المتواضعة، والتي جعلتني أتوجه نحو المستقبل بدل البكاء على الماضي، والبحث عمن أعلق عليهم فشلي في العديد من المجالات.

من هنا كانت الانطلاقة والانتصار للعمل التكاملي، وللبحث عن بدائل جديدة للعمل، بدل التضييق على بعضنا البعض في تنظيمات فاشلة و عقيمة – تشبه السجن – وبات وجودها كعدمه، لم تعد تنتج سوى الحقد والكراهية والاقصاء والتخوين، وتمارس الحكرة على من يختلف معها وعلى كل فاعل يوجد خارج دائرة المركز، وخاصة دائرة الرباط، والدار البيضاء، والقنيطرة.

وماذا عن ولادة حركة قادمون وقادرون؟ وماهي سياقات التأسيس؟

ينبغي التأكيد أولا، على أن مشروع حركة قادمون وقادرون انطلق في أواخر سنة 2015 وبداية 2016 من مناطق “مغرب الحاشية السفلى”، و منذ المؤتمر التأسيسي عام 2017 ونحن نتلقى العديد من الأسئلة المتماهية مع سؤالكم. فمنها ما يتعلق بمحتوى ومضمون الحركة، ومنها ما يتعلق بأسباب ظهورها في الساحة المغربية بهذه الطريقة، فضلا عن  سيل  من الأسئلة الأخرى التي تتعلق بمدى قدرتنا على طرح بدائل جديدة في المجتمع.

من هنا، وجب تنبيه السائلين والمتابعين لحركتنا، أنه أمام تنامي التيارات المحافظة وأزمة وترهل  التيارات التقليدية واليسارية، ومنذ سقوط جدار برلين، وانهيار الأنظمة الاشتراكية من الداخل، أصيب العالم بداء الصدمة والإحراج، تجاه الواقع الجديد، باستثناء اليسار المغربي، بل والعربي  اللذان  ما زالا   يؤمنان بطرق السياسة القديمة التي لم تعد مجدية، وأصبحت متجاوزة، إنْ رؤيةً أو ممارسة.

وإذا كانت الحركات اليسارية عبر العالم، قد اعترفت دون مركب نقص، بعد انهيار جدار برلين، بأخطائها و نقائصها المسببة لانتكاستها وأزمتها وخيبتها، فضلا عن تخليها عن الاشتراكية(مثال روسيا والصين، بالإضافة إلى موت ألمانيا الشرقية)، فإن اليسار المغربي- للأسف الشديد- لم يتجرأ بعد على الاعتراف بالأخطاء الكثيرة التي ارتكبها في حق قيم اليسار المثلى، وفي حق نفسه، وفي حق الجماهير الحالمة التي انتصرت له ولخطابات أربابه الذين انقلبوا على خطاباتهم المبشرة بغد أفضل، بعدما فشلوا في خلق بديل يراعي سيرورة المجتمع و التحولات الكبرى التي شهدها العالم.

وفي هذا الصدد، أؤكد أن  سقوط جدار برلين،  قد منح العالمفرصة جديدة للتشكل من جديد، كما أن انهيار الأنظمة الاشتراكية، كان  باعثا على الانتصار للحرية ولحقوق الإنسانفي العديد من الدول، رغم الهزات التي سببها هذا التحول. بيد أن هذه الأحداث العظيمة التي غيرت ملامح العالم، قوبلت بالرفض من مالكي الإديولوجيات المتجاوزة، مما جعلنا في المغرب نعيش تزويرا كبيرا للتاريخ، حيث مازال يوجد بيننا من يعتبر العالم القديم مرجعية له، ويصر على أن الأنظمة الاشتراكية المنهارة كانت أفضل، بل هناك من ينتحل شخصية قيادة اليسار باللغو اللغوي حبا في الظهور والإثارة والمزايدة البليدة. وهذه المفارقات التصورية عند هؤلاء المتعصبين المقلدين للتجارب الماضوية المتجاوزة هو ما دفعنا للإيمان بالواقعية، نظريا وعمليا، ما دامت مزايا التقدم والتحرر والديمقراطية هي أمور أساسية، لا تنازل عنها بالنسبة إلينا.

من هذا المنطلق، جاءت فكرة مشروع حركة قادمون وقادرون، التي اعتبرها البعض في البداية، حركة غير مستقلة، تابعة وبدون هوية، خصوصا لما اعتبرنا أن الأحزاب تخلت عن هويتها الطبقية، وعن مبادئ الحرية والكرامة والمساواة، وعن القضايا الإنسانية العادلة كالعدالة الاجتماعية ومقاومة التمييز والعنف.  

وقلنا بأن الحركة عابرة للأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، وجاءت لاحتضان من وجدوا أنفسهم خارج دوائر الفعل السياسي والمدني والمؤسساتي، بعدما تم التخلي عنهم من طرف المفترض فيهم القيام بتمثيل الجماهير.  

لقد جاءت حركة قادمون وقادرون بعد تفكير عميق، شارك فيه ثلة من الباحثين في العلوم الاجتماعية وأطر متعدد التخصصات، للمساهمة في إيجاد أجوبة عن التغيرات والتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية والمؤسساتية التي اجتاحت الساحة المغربية، والتي من بينها العجز عن التأثير في عملية توزيع القيم في المجتمع، وانعدام القدرة على التمييز بين الأحزاب وخياراتها السياسية، واللامعيارية الأخلاقية والسياسية في إدارة الفضاءات السياسية والمدنية، ووصولها إلى نفق مسدود، وممارستها غير المنصفة للمرأة وللشباب وللأطر والكفاءات.

في هذا السياق جاءت قادمون وقادرون، التي تحولت، بعد ثلاث سنوات، منذ 2 دجنبر 2020 إلى منتدى مغرب المستقبل، بعدما وصلت إلى نضجها واستكملت دورتها التأسيسية.

ماهي أهم المواقف التي تبنتها حركتكم؟

منذ انطلاقتها في دجنبر 2017 بجامعة الأخوين بإفران، تبنت قادمون وقادرون قضايا اجتماعية مختلفة، وفي مقدمتها: الحق في الثروة الوطنية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والحق في الولوج إلى البنيات الأساسية (التعليم، الصحة، الشغل والسكن)، كما اعتبرت مناهضة التفاوتات الاجتماعية ببلادنا قضية مركزية، ومدخلا رئيسيا من أجل بناء مغرب المستقبل.

لقد اعتبرت حركة قادمون وقادرون ، والتي كما قلت تحولت اليوم إلى منتدى مغرب المستقبل، أن المغرب مؤهل لإقلاع اقتصادي واجتماعي حقيقي، لكنه ضحية الريع، وضحية الادخار الأسود والمضاربات العقارية، وضحية الاعتقاد أن الدولة هي المسؤولة رقم واحد لحل المشاكل الاقتصادية.

كما اعتبرت أن الثروة المعدنية لا تساهم في انتعاش الثروة الوطنية، بل فقط لحل مشكلة المديونية. فغياب الضريبة على الثروة، وإعفاء الطبقة الوسطى من نصف ضرائبها قد يؤهلالدولة المغربية للعب الأدوار التاريخية المنوطة بها بكل شفافية ومصداقية. 

في المغرب، كل المغاربة يريدون أن يكونوا أثرياء. فهم لا يعرفون قيمة المال، لأن جزء كبير منهم يعيش بمال الريع، وهو ما يخلط الأوراق، ناهيك عن زواج المال بالسياسة والدين.

المغرب يمتلك ثروة حقيقية هي الشمس، وأصحاب الريع، لا يهمهم إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل منصف وعادل، وبالتالي فهم يفسدون القيم، وينتجون الفساد، ويكرسون المحسوبية والزبونية. فهم أعداء التربية والتكوين والعلم والمعرفة.

وماذا عن الطريق الرابع؟

قبل الحديث عن الطريق الرابع، لا بد من الحديث عن مشروع منتدى مغرب المستقبل، الذي يحمل اليوم على عاتقه، هوية وتراث وخلاصات تجرب حركة قادمون وقادرون. فمباشرة بعد انعقاد المؤتمر الاستثنائي (يوم 2 دجنبر الماضي)، شرع ناشطات ونشطاء المنتدى في وضع تصور جديد عنوانه ” الرؤية الاستراتيجية الوطنية الثانية 2021-2023 لمغرب المستقبل” في زمن ترسيم علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع، خاصة بعد الأزمة الصحية التي عرفها العالم نتيجة كوفيد-19، وبعد الانتصارات الديبلوماسية التي حققها المغرب فيما يتعلق بالقضية الوطنية/قضية الصحراء المغربية، والمساهمة في السلم والسلام والتنمية.

أما فيما يخص الطريق الرابع، فتلك قصة أخرى تَتْرَى بالقيم والأهداف المتجددة والبانية! فقد شعرنا منذ تأسيس الحركة وانطلاقتها في كل ربوع الوطن وخارجه (الإشارة هنا لمغاربة العالم)، وبعد سلسلة من الاجتماعات والندوات والمجالس الوطنية، تيقنا أن هناك شبه إجماع بين ناشطات ونشطاء الحركة على ضرورة الإعلان عن رؤية الحركة، وتجاوز الارتباك الحاصل على مستوى التصور الفكري ( المبادئ والأهداف) وعلى مستو التصور التنظيمي (إشكالية التواصل و بلورة خطة التنظيم المدني، الحقوقي والسياسي)، وإبداع أشكال تنظيمية مغايرة تماما للأشكال التنظيمية الفوضوية والكلاسيكية البيروقراطية المتجمدة، وابتكار أشكال تأطير ترابية، لا مركزية ومستقلة، مع تحديد الحد الأقصى والسقف الأعلى لمطالبنا وأهدافنا، وتتبع وتقييم ديناميتانا من طرف  هيئة الخبراء التي أحدث لهذا الغرض.

طبعا، كل هذا لمواكبة تطور المجتمع، بعيدا عن الوكالات الأجنبية المانحة والمؤسسات المالية الدولية، والتي كانت سببا في تحول عمل المجتمع المدني وجزء من الحركات الاجتماعية، إلى فعل تحركه بوصلة متطلبات  أخرى غير المتطلبات المحلية، أمام عجز الأحزاب السياسية على بلورة أجوبة عن تساؤلات نقدية حول تفسير أشكال الفعل الجمعي الجديد خلال “الربيع العربي” وما بعده.

فالطريق الرابع هو رؤية والتزام ، جاء برؤية نقدية لنقائص اليسار الكلاسيكي، والانتصار لحق الجيل الجديد من المغاربة في بناء يسار جديد يشبههم، وليس يسار العقد والحقد والكراهية و السب والشتم وجنون العظمة. 

من هنا، بدأنا نجتهد في إعطاء معنى خلَّاق لمقومات وجودنا، انطلاقا من تقييمنا للعديد من التجارب العالمية والوطنية، والتي كانت مرتبطة بالرأسمالية أو بالاشتراكية أو بالقومية العربية، خصوصا أمام ما شهده العالم من تحولات طوال أزيد من ثلاثة عقود، وضعت العديد من المسلمات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، مسببة فقدان الأمل وضياع أحلام الشعوب التي صارت في خبر كان، وذهبت سدى في مهب الريح.

لقد تبين لنا، بالملموس في العقود الأخيرة، أن هناك موجة عامة من الرفض للأحزاب السياسية اليسارية والقومية التي لم تعد تختلف في الواقع، وفي ممارستها اليومية، عن الأحزاب اليمينية، وأن الأهم هو استمرارية النضال من أجل تغيير الأوضاع من دون التبجح بالانتماء إلى اليسار أو غيره. لأن اليسار على حاله، بدوره لم يعد يعني شيئا بالنسبة للأجيال الحالية والصاعدة، بل هناك من اعتبر عصرنا هذا، هو عصر موت اليمين واليسار معا في الوقت نفسه، وأننا أمام شيء جديد سيولد في المستقبل. ولهذايجب علينا أن نفكر في نموذج سياسي مغربي جديد قائم على الأفكار السياسية وعلى أشكال جديدة في التنظيم والتواصل. 

والطريق الرابع، لا يشكك في أحد، لكنه يمارس حقه في السؤال عن ماهية الاشتراكية اليوم؟ وماذا يعني أن نكون يساريين اليوم؟

فنحن نعتقد أن أسئلتنا مشروعة، ونراها  أفضل من التغني بالانتماء إلى الاشتراكية ليلا، والانبطاح للمشاريع الاقتصادية النيوليبرالية على صعيد الممارسة نهارا، بل والتطبيل لها وخدمتها في، الظل والعتمة، وفي أحايين ومواقف كثيرة يندى لها الجبين!

إذن، فالطريق الرابع يعتبر أننا اليوم أمام مفترق الطرق، وعلينا توحيد الجهود من أجل إعادة صناعة وابتكار مستقبل آخر أفضل  يتسع للجميع دون تمييز أو إقصاء.

فما ينبغي التنصيص عليه، هو ضرورة الاعتراف أنه رغم فشل التجارب الإشتراكية الثورية عبر العالم، إلا أن القيم والمثل الإشتراكية ما زالت حية  تقابل باحترام  شديد وتقدير من طرف الجميع، وفي مقدمتها قيم العدالة الاجتماعية، والحق في الثروة الوطنية والحق في البنيات الأساسية ( التعليم، الصحة، الشغل، السكن، والطرق والمواصلات).

وكما لا يخفى على معظم المتتبعين، فقد  جعلنا من هذه القيم أهدافنا الأولى والأساسية، بعيدا عن قيم النظم الشيوعية المركزية، وتنظيماتها الوسطية، في زمن التهميش والتفاوت الاجتماعي.

إن الطرق الرابع، هو طريق مناهضة الاقصاء والمطالبة بالعدالة الاجتماعية كايديولوجية للتغيير من أجل قيام الدولة الاجتماعية، خاصة بعد اعتراف الدولة رسميا بالتفاوتات الاجتماعية بين مغرب المركز ومغرب “الحاشية السفل”/ مغرب سكان الجبل والواحات والسهوب والسهول وضواحي المدن الكبرى والمتوسطة، في زمن فقدان البوصلة وغياب التصورات المركبة والشاملة، والتجزؤ المطلبي، وانضمام الشباب إلى الحركات الاحتجاجية بحثا عن الاندماج وغد أفضل.

كيف تقيمون المشهد السياسي المغربي؟

كيف يمكن أن نثق في المنظومة السياسية الحالية، وهي التي تركت أبناءها في حالة الوعظ واليتم أمام صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والرأسمالية المتوحشة. فلا يخفى أن نخب المركزالمسماة بالديمقراطية والحداثية، صمتت صمتا مطبقا لحد الآن، وتكتفي اليوم بمراقبة الوضع عن بعد (بعد فشلها رغم الإمكانات العظيمة التي تمتعت بها) في بعض صالونات الدار البيضاء المغلقة التي تستدعي إليها نخب قليلة من نخب الرباط، لمناقشة مسؤولية المد الإسلاموي داخل المجتمع والسلطة.

إن غياب اصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية، ساهم بشكل كبير في تردي الأوضاع على العديد من المستويات، وفي مقدمتها غياب نخب حقيقة واستبدالها بنخب مزورة، تكرس الأزمة في المجتمع، وتقف سدا مانعا أمام تغيير حقيقي، وتعبد الطريق للشعبوية والتبخيصية. 

نعم، نجحت النيوليبرالية في الهيمنة، عن طريق استغلال الجامعات، وعن طريق الاستثمار في البحث العلمي و”شراء” الباحثين والمفكرين، وتحويلهم إلى موظفين وخبراء في مجال الدراسات والأبحاث الميدانية. كما استغلت الثورة المعلوماتية لصالحها، وتحالفات مع أجهزة ووسائل الإعلام والتواصل، وقرصنت كل فضاءات العلم والمعرفة النقدية والحوار، والمناظرات.

والمتأمل اليوم للساحة العالمية، يجد أن ماركس ولينين تم تعويضهما في فترة معينة بمارغاريت تاتشر وريغان.. وهو ما لم يفهمه اليسار حيث فضّل لعنة كل النقاد والمجددين والمبدعين، واتهامهم بالإلحاد الأيديولوجي وخيانة الزعماء والشهداء!  وساهم برميهم في المعتقلات والمنافي، مفضلا الارتماء في أحضان الاشتراكية الديمقراطية الألمانية منها والفرنسية والإنكليزية.

وهذا التحول  اللافت، هو الآخر لم يُدَرِّسْهُ اليسار المغربي لقواعده على قِلَّتِهم، بل اكتفى بنقل الصراع حول الحريات الفردية والتنمية والإيكولوجية والشباب والمرأة، إلى رحاب بعض المؤسسات التي لا تأثير لها في  المجتمع.

ما هي آفاق حركتكم؟

لقد أصبحت الساحة السياسية المغربية تعيش فراغا قاتلا، فنحن اليوم نعيش مرحلة سياسية جديدة لم يسبق للمغرب أن عاشها من قبل، وعلى تنظيمنا ان يكون في مستوى كل التحديات من أجل استرجاع الثقة في ممارسة السياسية بوعي جديد.

فاعتلاء محمد السادس للعرش، كان فرصة تاريخية، للعديد من الفاعلين السياسيين والنقابيين ونخب المجتمع المدني، للنهوض بالبلاد.  لكن للأسف، تم الانقضاض على هذه الفرصة من طرف من فضلوا تسوية أوضاعهم الاجتماعية والعائلية، وتحسين معاشهم، وسكنهم، وتربية وتعليم أبنائهم (ونحن اليوم نعرفهم واحد واحدا!). و هؤلاء هم أنفسهم أصبحوا من ممارسي التقية  و”الحكرة” على النخب المحلية والجهوية، بل وعلى مغاربة  “الحاشية السفلى”، بعدما تجاوزهم التاريخ.

لكن للأسف، وفي تقديري المتواضع، فإن المأزق الذي نعيشه اليوم، لم يصل صداه بعد إلى النخبة المغربية. فهي بأطرها وقواعدها لا تعرف ما هي تداعيات مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي مثلا. ولا يهمها ديكتاتورية الحزب الواحد في شيوعية الصين الشعبية على مستوى الداخل، وتبنيها طريق الرأسمالية على مستوى الخارج. ما يهم نخب المركز والأحزاب السياسية المغربية، للأسف الشديد، هو الاختباء تحت جلباب أعيان القبائل ورجال الدولة لربح المقاعد الانتخابية والتسابق على المناصب، وكل من خرج عن الجماعة نقول له “مالك مزغب” كما هو شائع في التعبير الدارج، أو نفتي فيه، وقد نسبّه ونستمتع ونحن ننعته بكل النعوتات القدحية  المتعارف عليها في قاموس القدماء المقلدة!

شخصيا، أنا لا أعرف لماذا لا يقول اليسار المغربي الحقيقة للمغاربة، ويمكنني أن أمثل بذلك بمثال (حقيقة الديمقراطية الاجتماعية مثلا). فلماذا لا نصرح للمناضلين بأن الديمقراطية الاجتماعية هي أنسنة الرأسمالية، وليس التشكيك في نظامها، وأنها نموذج سياسي واقتصادي يلائم الأسس الفعلية والمنطقية للنظام الرأسمالي من أجل تجديده. وهكذا سنخلصهم من الأوهام التي تسكنهم.

إن الطريق الرابع، هو رؤية للنقاش بطعم “تمغربيت”، من أجل نموذج تنموي مغربي، حقيقي ومواطن، يحقق التنمية المستدامة ببعد إيكولوجي، واجتماعي، ويدعو لمراجعة عميقة للنموذج النيوليبرالي السائد ببلدنا.

كما أنه، كذلك فرصة لفتح نقاش عمومي حول أكاذيب النخب المركزية، التي باتت أطرها تعزز صفوف مراكز التقرير المالي مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتمد الجمعيات والمنظمات الدولية بنخبها ومناضليها، وتُعيّن شبيبتها ونساءها على رأس جمعيات ومنظمات غير حكومية دولية للاستفادة من دعمها المالي، مقابل السهر على تدبير وتسيير مشاريعها، وغرس أهدافها في صفوف المغاربة، في تنكر سافر لطموحات ناشئة البلد، وحلمهم بغد أفضل يليق بعصرهم.

هل ستتحولون إلى حزب سياسي؟

كل ما نريده هو الخير والأمن والأمان لبلدنا.  المنتدى اليوم عضو مؤسس للإتلاف الحداثي الديمقراطي، الذي يضم بالإضافة إلىمنتدى مغرب المستقبل، جبهة القوى الديمقراطية وحركات المبادرات الديمقراطية، من أجل المساهمة في بناء مغرب آخر، ممكن.

إن هذا المشروع، الذي عبر عنه “نداء مغرب المستقبل” هو حلم وأمل يفتح لنا أفاق إطلاق ديناميكية جديدة، ويفتح ورش مجتمعي جديد. فلا خيار أمامنا، مواطنات ومواطنين، شبابا، شيوخا، أساتذة، باحثين، أدباء، مثقفين، أطباء، مهندسين، عمالا وفلاحين، إلا أن نجتهد جميعا، لبناء قوة هذا الوطن الذي نحبه، ونسعى لبنائه، حتى يكون مغرب المستقبل، مغرب الغد، مغرب الحقوق والعلم، والمعرفة، والقوة الاقتصادية، والعلمية، والعسكرية، والفضاء الإنساني المستوعب لتنوعه، والحاضن لجميع بناته وأبنائه. 

فكما جاء في “نداء مغرب المستقبل”:

“إن اللحظة التاريخية، تفرض علينا إما أن نركب سفينة الاجتهاد والتحدي والمواجهة، مسلحين برصيد الفكر الوطني، والمخزون الحضاري التاريخي، المتجذر في الهوية الوطنية الغنية بتعددها، والمنفتحة على القيم الكونية المثلى، وإما أن يكون مصيرنا مصير أقوام كان لها حضور في التاريخ فانتهت وانتفت. فاختيارنا اليوم أن نكون على موعد مع التاريخ، وأن نعود إلى مصدر ثروتنا وقوتنا، وأن نستمر في مد جسورنا إلى العالم”.

إن منتدى مغرب المستقبل لا يتوخى خلق “حانوت” سياسي جديد، بل يريد، من خلال الائتلاف الوطني الحداثي الديمقراطي، المساهمة في بناء جبهة وطنية اجتماعية من أجل التنمية والمواطنة والكرامة، من أجل “حزب كبير” يسعى لتوحيد العائلة الديمقراطية الحداثية.

من هم أعداء منتدى مغرب المستقبل؟

ليس للمنتدى أعداء.. ونحن ضد صناعة الأعداء كما هو متعارف عليه في المدارس السياسية الكبرى. لكننا ضد سياسة الإلهاء وضد من يسرق أفكارنا ومقترحتنا ليحولها إلى شعارات سياسية انتخابية. لقد اعتبرنا في العديد من أديباتنا وتصريحاتنا أن العدو الحقيقي الذي ندعو لمحاربته ومناهضته، هو “التفاوت الاجتماعي”، الذي ينتزع كرامة الناس.

هل ستتقدمون إلى الانتخابات؟ 

نعم.. لكن ما يهمنا أساسا، وبالدرجة الأولى، هو دعم المشاركة السياسية. أما على مستوى الفعل الانتخابي، فنحن ندعم روح ما جاء به “نداء مغرب المستقبل”، الذي يعتبر خارطة طريق الائتلاف الحداثي الديمقراطي.

فمشاركتنا في الانتخابات، هي من أجل تحقيق الاستقرار ببلادنا، والمساهمة في فرز نخبة جديدة قادرة على قيادة التغيير والتأثير في فضاءات التعبئة الجماهيرية وكسب تأييدها من أجل بناء مغرب المستقبل الذي ننشده، انطلاقا من ثلاث ميكانيزمات: حرية الناخب، المنافسة الانتخابية الشريفة، والرهان الانتخابي.

وبهذه المناسبة، ونحن على مسافة أمتار قليلة في مضمار سباق الاستحقاقات، أدعو كل الضمائر الحية، لمطالبة كل الأحزاب السياسية للخروج من السرية وطرح برامجها غدا، وفتح نقاش عمومي حول المغرب الذ يريده المغاربة. كما نطالبها بالتعبئة من أجل قطع الطريق على سماسرة الانتخابات وأصحاب المال والنفوذ، ودعم نخب وطنية ديمقراطية في مستوى المهام التي تحظى بها المؤسسات المنتخبة.

كلمة أخيرة لو سمحتم

هناك حاجة ملحة تفرض قاطرة جديدة لقيادة التغيير، والقطع مع الممارسات السابقة. فظاهر للعيان أن بلادنا تمر اليوم بتحولات كبيرة، وهو ما يفرض الدعوة إلى فتح حوار جدي، مسؤول وشفاف بين مختلف مكونات الطيف الحداثي الديمقراطي ببلادنا. وباعتبارنا منتدى عابر للأحزاب والنقابات وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، ولكوننا مكون من مكونات الائتلاف الحداثي الديمقراطي، سنقوم بتفعيل هذه الرؤية في إطار “الخطة الاستراتيجية الثانية 2021/2023 التي سنعلن عنها في الأسابيع المقبلة…

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 76 = 84