المنحنى الكائنيّ .. نحو فكرٍ مستقبليّ مُستدام

أفقإبراهيم خلف إبراهيم الكصب* 

حدَّد المنتدى الاقتصاديّ الدوليّ في دَورته الأخيرة أهمّ التحدّيات التي تُواجِه العالَم في المُستقبل، وجاء تحدّي التغيُّر المناخيّ كأهمّ التحدّيات، أمّا التحدّي الثاني فهو تحدّي بناء المهارات وتطويرها لمُواجَهة تأثير التكنولوجيا على الأعمال والوظائف، والاستعداد لبيئة العمل المُستقبليّة. ففي ما يخصّ التحدّي الثاني، أَطلق المنتدى مُبادرة إعادة بناء المليار القادِم، فالمُستقبل في ظلّ الثورة الصناعيّة الرّابعة يتطلَّب قبل كلّ شيء، إعداد مَنهجٍ فكريّ شامل، لأنّ المُستقبل المُتداخل والمُترابط بحاجة إلى تعلُّم الأمور بشموليّة وفهْمها، حيث لا يُمكن تعلُّم مجال معيّن بمعزل عن فهْم المجالات الأخرى، فالمطلوب تعلُّم متّصل مُترابط, ليشكِّل فكرةً شاملة وتصوّراً عامّاً لأبعاد الاندماج والتداخُل بين القطاعات المُختلفة.

لا يُمكن تعلُّم المهارات بشكلٍ مُنفرِد أو مُنفصل. فالأمر بحسب رئيس المنتدى الاقتصاديّ الدوليّ كلاوس شواب بحاجة الى الإتيان بشيء مُختلف، شيء غير تقليدي, لتلبية متطلّبات المُستقبل، وذلك عبر إحداث ثورة في أساليب التعلُّم والعمل، وتغيير التوجّهات في مجال اكتساب المهارات. فالأساليب والحلول التقليديّة لم تعُد صالِحة لمُشكلات المُستقبل وتحدّياته.

ومن أوجه تلك التحدّيات، تزايُد الاعتماد على التقنيّة، التي ستحوِّل كلّ ما يحيط بنا إلى وسيطٍ قابل للبَرمجة، ما يؤدّي إلى تعطيل العقل البشري وقدرته الفطريّة على التفكير، لأنّ الأمر سيُترك للآلات، فهي التي ستتولّى مسؤوليّة إنجاز المَهامّ. وبالتالي يجب الأخذ بأيدي الناس لمُواكَبة هذا التحوُّل عبر مَنهجٍ فكريّ يغيِّر مَسارات التعلُّم والعمل. لهذا فهناك ضرورة لإطار عمل يَجمع أبعاد نموذج العمل المُستقبلي، ليكون بمثابة أبجديّة تعلُّم جديدة غير تقليديّة تَمنح الأفراد السرعة في تصميم الحلول واختبارها، والتعديل عليها، لمَعرفة جدواها في الوقت الحقيقي، لتقليص الكِلف والجهد والوقت.

الحاجة إلى فكرٍ مُختلف

بحسب تقرير مؤسّسة PWC الخاصّ باستعداد المؤسّسات لعالَم الثورة الصناعيّة الرّابعة، فإنّ الافتقار إلى الثقافة الرقميّة يتصدَّر قائمة التحدّيات التي تُواجِه مؤسّسات الأعمال، والثقافة بصورة عامّة بحاجة إلى فكر، وبالتالي فالثقافة الرقميّة تتطلَّب فكراً جديداً ليكون خارطة طريق للمؤسّسات والأفراد على حدّ سواء، لوضْع سياسات تنظِّم العمل، وتوزِّع الأدوار والمَهامّ، وتُنمّي المهارات وتُطوِّرها. فالمهارات المستقبليّة بحاجة الى التعلُّم مدى الحياة، لكن كيف سيكون شكل هذا النَّوع من التعلُّم؟

هل المقصود بذلك الدراسة واكتساب المهارات بالوسائل الأكاديميّة التقليديّة بلا توقُّف أم اعتماد منهج فكري موحَّد يوفِّر الأدوات والتقنيّات التي تُساعد الأفراد على أن يكونوا مُتعلّمين باستمرار؟ 

هذا النَّوع من التعلُّم يتمّ عبر أدوات وتقنيّات تُساعد الأفراد على الإحاطة بالأمور والمُشكلات وفهْمها، وتَترك لهم حريّة تنفيذ الحلول عبر الطريقة التي يرونها مُناسبة. وهذا يُعتبر أولويّة بالنسبة إلى عالَم الأعمال المُستقبلي، في ظلّ التغييرات والتعقيدات الرّاهنة. وقد يكون هذا الأسلوب هو المعنى الدقيق والمُناسِب للتعلُّم المُستمرّ, حيث يساعد كلّ شخص على الاستمرار في التعلُّم، وبشكلٍ ذاتيّ، عبر تمكينه من تحديد المُشكلات وتصميم الحلول والتفاهُم بوضوح مع مُحيطه. فالمُستقبل سيَشهد نقْصاً كبيراً بالمُصمِّمين ذوي المهارات التكنولوجيّة، وهذا يتطلَّب نَوعاً مَرِناً من التعلُّم، يفتح آفاقاً جديدة للأفراد ليُصبحوا متعدّدي التخصّصات، لمُواكَبة التسارُع الذي سيشهده المستقبل، والذي يتطلَّب تعلُّم المهارات بشكلٍ مَرِنٍ للتعامُل مع التطوّرات والتكيُّف معها.

الاستدامة

أمّا التحدّي المُستقبلي المُتمثّل بالتغيُّر المناخي والسعي نحو الاستدامة, فيُعَدّ أكبر تهديد يُواجِه العالَم. فهناك مشكلات مناخيّة وتعقيدات وتحوّلات تفرضها التكنولوجيا، لذلك يجب تغيير أساليب التفكير في تناوُل الأمور والمُشكلات، حيث نرى العالَم اليوم عاجزاً عن إيجاد حلول لمَخاطر المُستقبل وتحدّياته، كما نرى أنّ نُظم التعليم عاجزة هي الأخرى عن تطوير مهارات تُحرِّر الأفراد من أساليب التفكير الأحاديّة الجانب، وإيجاد جيل يستطيع أن يفكِّر بنظرة شموليّة وعميقة في آنٍ. نظرة شاملة تسعى للإحاطة بأبعاد بيئة المُستقبل، وعميقة تبحث في داخل الأشياء من حولنا، بعيداً من سطحيّة التعامُل معها.

ولكي يكون التغيير شاملاً، يجب أن يشمل الإجراءات والأنظمة والتقنيّات بشكلٍ ينسجم مع المُستقبل ويحلّ المُشكلات بعُمق، من خلال القدرة على تحديد الأفكار والمَفاهيم الأساسيّة المؤثِّرة بالمشكلة ومن ثمّ صياغة هذه الأفكار بنماذج عمل تكنولوجيّة أوّليّة، وذلك عبر تصوير المشكلات على شكل كائنات، لتمثيلها ونمْذَجَتها بحلولٍ تكنولوجيّة مَرِنة، ما يتطلَّب آليّات مُبتكَرة تختلف عن السائد.

وبحسب مُنتدى الفكر العربي، فإنّه في مُواجَهة تحدّيات المستقبل، ينبغي التأكيد على علاقة التنمية المُستدامَة بالتطوُّر التكنولوجي والابتكار وارتباطها به، لأنّ هذا الأمر يمثِّل جوهر الابتكار والتطوير. كما أكَّد تقرير بَرنامج الأُمم المتّحدة الإنمائي في الدول العربيّة، على أنّ الاستدامة بحاجة دائماً إلى البحث عن حلول جديدة تدمج التفكير بالتصميم في ظلّ تعاظُم التعقيدات التي يشهدها الكوكب، والحاجة المتزايدة لإيجاد بدائل لحلولٍ مُبتكَرة، وهذا الأمر بحاجة الى مَنهج يجسِّد الأفكار، ويتناول المُشكلات من جوانب عدّة، للتحقُّق من إمكانيّة نجاحها أو فشلها بوقت مُبكّر، بغية تقليص الكلف والجهود. وقد نجد في دمْج التكنولوجيا بأساليب الابتكار حلولاً غير تقليديّة، عبر فهْم المُشكلات والتعبير عنها تكنولوجيّاً بدقّة تامّة، وبصورة تُواكِب الطابع العامّ للمستقبل.

فقد يُساعد التفكير التصميمي بشكلٍ موسَّع على فهْم طبيعة المُشكلات والأنظمة لتصميم الحلول لها، وهذا يحتاج، ولاسيّما في ظلّ التطوّر التكنولوجي استراتيجيّات تقرِّب هذا المعنى، ضمن أُطرِ عملٍ جديدة، تساعد في تحديد خصائص الأشياء من حولنا وسلوكها، من أجل تسهيل دراستها، عبر وضعها في نماذج عمل برمجيّة.

استراتيجيّة المُنحنى الكائنيّ

المُنحنى الكائني عبارة عن استراتيجيّة مُتَّبعة في نمط البَرْمَجة الكائنيّة، وهي طريقة تفكير مُتقدّمة، تُستخدَم في المجالات البرمجيّة، ومُعتمَدة في عددٍ من لغات البرمجة المعروفة، وتُسمّى أيضاً بالبرمجة الشيئيّة أو المُوجِّهة للأشياء. وتقوم إستراتيجيّة المنحنى الكائني على قاعدتَين أساسيّتَين: الأولى أنّ كلّ شيء حولنا هو عبارة عن كائن، والقاعدة الثانية أنّ لكلّ كائن خصائص ووظائف (سلوك)، وهذه المنهجيّة تقوم على دمْج خصائص الكائنات (الأشياء) مع وظائفها. فالتقاء العالَم الواقعي بالافتراضي يكون عبر خصائص الكائنات الموجودة من حولنا وسلوكها (والمقصود بالكائنات إنسان، نبات، جماد أو أيّ نظام إداري… إلخ). وتشمل خصائصُ الكائن الشكلَ واللَّون والحجْم الذي يتميّز به، أمّا الوظائف فتشمل الأنشطة التي باستطاعة الكائن القيام بها. هذه الاستراتيجيّة تُساعد على النظر في الأشياء من حولنا بنظرة تحليليّة عميقة، بدلاً من التعامل معها كصناديق مُغلقة لا نعرف إلّا ظاهرها. إذ تعتمد طريقة المنحنى الكائني على دمْج الخصائص بالوظائف لوضْعها في نموذج عمل واحد، يربط العوالِم الماديّة والحيويّة بالرقميّة لإيجاد حلول خاصّة بهذا الكائن وتطويرها، من خلال التركيز على الكائن نفسه. هذه الحلول أو النماذج تضمّ بيانات المشكلة، وتكون مُصاغة بشكلٍ يسهِّل من اعتمادها كحلٍّ برمجي، يُواكِب المُستقبل ويُسهِّل تبادُل الافكار والآراء عنها من ضمن إطارٍ تكنولوجيّ من الفهْم.

تقدِّم لنا طريقة التفكير هذه مَنهجاً يتعامل مع الأشياء من حولنا ككائنات، لتسهيل تحديد خصائصها ووظائفها، لإيجاد حلول غير تقليديّة لمُختلف المُشكلات، من خلال التفكير بعُمق وتناوُل المُشكلات من زوايا وأبعاد مُختلفة، بعد تحديد بيانات الكائن مَدار البحث. فالمنحنى الكائني يقدِّم تجريداً أفضل للعالَم الحقيقي، وهذا يعني أنّه إذا تغيَّرت متطلّبات الواقع، فإنّ تغيير الحلول أو تعديلها يكون سهلاً، ما دامت الخطوط الرابطة بين مُشكلات الواقع والحلول الموضوعة لها واضحة، وهذه الخطوط هي خصائص ووظائف الأشياء وهذا الأسلوب مهمّ جدّاً لعالَم وبيئة أعمال تكنولوجيّة متغيّرة بشكلٍ مُتسارع، لتقديم حلول مَرنة وفي الوقت الحقيقي. 

وكما هو معروف، فإنّ الفكر بحاجة الى لغة لتعبِّر عن حاجاته ومتطلّباته، وهنا يُمكن للُغةِ النمْذَجة الموحّدة، والتي هي عبارة عن لغة نماذج رسوميّة تدعم استراتيجيّة المنحنى الكائني، أن تُساعد على تكوين رؤية شاملة ومتعدّدة الأبعاد لمنظومة العمل بواسطة مخطّطات خاصّة بها، تعمل هذه المخطّطات كقوالب تدمج الأفكار بأنشطة الأعمال، وتنظِّم مُناقَشة الأفكار من ضمن إطار عمل تكنولوجي، وهذه اللّغة مُعتمَدة من كبرى شركات التقنيّة العالَميّة، كمَنهجٍ لتطوير الحلول البرمجيّة.

بالتالي يُمكن لاستراتيجيّة المنحنى الكائني أن تقدِّم طريقة تفكير ثوريّة تسمح بالتعامُل مع الأشياء بأسلوب غير تقليدي، يلبّي حاجات مُستقبل العمل، بالابتعاد عن الحلول السطحيّة للمُشكلات، وتوسيع نطاقات الفهْم والإدراك، لتذهب خطوة أبعد نحو اعتماد حلولٍ جذريّة وغير تقليديّة لمُشكلات المُستقبل وتحدّياته تكون مُنسجِمة مع الطابع التكنولوجي الشامل للمُستقبل.

بصورة عامة فهذا الفكر يجعل عمليّة الابتكار أسلوب عمل وثقافة شاملة، من خلال تمكين الأفراد من النظر إلى الأشياء (الكائنات) بصورة غير تقليديّة تُفكِّك الكائن إلى خصائص ووظائف، ثمّ يتمّ دمجها بقالب (نموذج) عملٍ أوّلي. فهذه النظرة كفيلة بتغيير أسلوب التفكير من أسلوب بسيط أحادي الجانب، إلى طريقة تفكير تحليليّة متعدّدة الأبعاد تُنمّي قدرات الأفراد ومهاراتهم بشكلٍ مُختلف، يُواكب تعقيدات المستقبل، وهي بهذا الأسلوب تُمكِّننا من التعبير عن حاجاتنا بدقّة من خلال تحويلها بسهولة إلى قوالب عمل برمجيّة أوليّة يفهمها التقنيّون من مُحلّلين ومُصمّمين ومُبرمِجين.

فالنموذج أو الحلّ الذي يُبنى وفق منهجيّة المنحنى الكائني سيمثِّل كائناً من العالَم الواقعي – سواء أكان ماديّاً أو معنويّاً أو حيويّاً – يتمّ تحويله إلى كائن رقمي، وهذا الأسلوب سيكون محور العمل المُستقبلي للتعامل مع بيئة معقّدة مُتداخلة ولإيجاد حلول فوريّة للمُشكلات لإنتاج مُنتجات وخدمات غير مسبوقة وتطويرها.

*مختصّ في أنظمة المعلومات الإداريّة من العراق

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


34 + = 43