الكائن الانتخابي ،مسخ سياسي يستبيح حرمة الديمقراطية و يتطفل على المفهوم الحقيقي لثقافة الإنتخابات.

بقلم – عادل بن الحبيب

إن دوافع السلوك السياسي عند الكائن الإنتخابي (الناخب/المرشح) هي دوافع معقدة تحضر فيها العديد من العوامل و الخلفيات الواعية و اللاواعية التي تتمفصل في كل مترابط ينشأ عن مستوى الثقافة الإنتخابية و طبيعة البيئة السياسية و التتنشئة الإجتماعية…إنها أولا وأخيرا بنية نفسية تحكمها محددات ما قبل-الديموقراطية..لأن الفعل الإنتخابي في مجتمعنا، في آخر مطاف ، حقل من حقول ممارسة الصراع القبلي والشخصي، ولا يمت بأي صلة إلى شئ إسمه اللعبة الديمقراطية .
بمعنى آخر، أقول أن سلوك الناخب في تحديد المنتخب تؤثر فيه عوامل أخرى غير الإنتماء السياسي والبرنامج الإنتخابي لهذه اللائحة أو تلك من اللوائح المتبارية في حلبة الإستحقاقات الإنتخابية . لذلك فإن سلوك التصويت في المجتمع يستبيح حرمة الديمقراطية و يتطفل على المفهوم الحقيقي لثقافة الإنتخابات ، و يكون على أساس الولاء للشخص الذي يتحدد بالمنطق العائلي والسلالي و الإنتماء القبلي و العلاقات الزبونية ومدى الإستفادة من والولائم و غيرها من الإغراءات المادية ذات النزعة النفعية، و التي لا تصمد معها كثيرا قيم الشرف و الإباء و المناعة الأخلاقية. خاصة في المجتمع الذي يسوده الجهل و الفقر و تنخر أوصاله الأمية..

الكائن الانتخابي الذي اصبح بارعا في الانتقال من حزب إلى حزب وماهرا في شراء التزكيات ،هو من يفرز لنا مجالس مشوهة، يساعده في ذلك المجتمع الذي فقد البوصلة وأصبح بدوره مساهما في ترسيخ هذا المسخ السياسي نتيجة عدم وعيه بمخاطر اعادة انتخاب نفس الوجوه ونفس الأحزاب التي افسدت الممارسة السياسية المواطنة التي تضع المجتمع بكل أطيافه ضمن أولوياتها. هذا المجتمع الذي يتباكى على حال السياسة الرث وعن أحوال السياسيين الذين لا يقومون بواجبهم الوطني، هو المجتمع الذي يبيع صوته بأرخص الأثمان وهو المجتمع الذي يصوت على من يبيعون الوهم له مقابل وعود بعمل أو غير ذلك مما يؤدي ثمنها لاحقا من التهميش. و هنا تصدق بشكل كبير قولة جورج أورويل التي يجب أن نؤمن بها وهي أن الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لايعتبر ضحية بل شريكا في الجريمة.

أما المقاطع الذي يأبى خوض غمارالإنتخابات، فإنه يتوهم أنه بمقاطعته هاته سيؤثر في دينامية العملية و يتخيل أنه سيدفع الشعب لا محالة إلى تبني موقف المقاطعة، رغم أن الشعب لا يفعل إلا ما تمليه عليه عقليته الزئبقية المحكومة بمصالحه اليومية الضيقة..علاوة على كونه لم يعد يفقه معنى للسياسة في ظل تشابه البقر الذي ولدته التعددية الحزبية الفارغة و المائعة.

إن الأهمية البالغة التي تكتسيها الانتخابات في تجسيد ومن ثم تثبيت وترسيخ العملية الديمقراطية قد دفعت بالعديد من الدارسين إلى البحث والتعمق في مضمونها، وصولا إلى تشكل علم قائم بذاته يسمى بعلم اجتماع الانتخابات، والذي يختص بدراسة الانتخابات كحقل اجتماعي سياسي.

ومن عناصره التي يعتبرها ضرورية هي تلك العلاقة التي باتت تفرض نفسها بين السياسي والكائن الانتخابي ،فخصصت لذلك دراسات كثيرة، حاولت في مجملها ايجاد خيط ناغم بين هاذان التضادان،وبالفعل، استطاعت دراسات علم الاجتماع تحديد خصوصية كل عنصر على حدة، فالسياسي ككائن ينبت من داخل المؤسسة الحزبية، وينهل من مناهلها ويتعلم داخل مدارسها،يمتلك قناعات يحاول من داخل الاطار ترجمتها الى برامج أو أفكار يمكنها خدمة ما هو اجتماعي في عمقه السياسي.

أما الكائن الانتخابي، وهو مولود جديد، بل هناك من يعتبره ولد لقيط، بعدما تخلت عنه تلك التي ولدته في ظروف غير قانونية، لا يمتلك أدنى شروط التحليل الموضوعاتي في تعامله مع الظواهر العادية،بل هو كائن يمتلك شروط موضوعية تؤهله لخوض غمار الانتخابات، فغالبا ما يكون من الأعيان أو من أصحاب الرأسمال الكبير، حيث تستقطبهم الأحزاب التي لا تمتلك قواعد وليس لها برامج تقنع بها الناخب لعلمها أن لهم حظوظ فوز كبيرة في الفوز في دائرة انتخابية ما. والكائن الانتخابي لا ينتمي للحزب الذي ترشح بإسمه، بل يمثله فقط أمام الكتلة الناخبة والسلطات الأخرى،ولا يمتلك أية فكرة عن تاريخ الحزب أو أنشطته أو حتى دوره. وتنتهي علاقته بالمؤسسة مع انتهاء الانتخابات والاعلان عن النتائج،بل يمكن أن ينقلب ويحول وجهته في أي وقت شاء. وفي الغالب تجده لا يعرف حتى تاريخ الحزب .

لذلك، تعتبره كل الدراسات بالسياسي السلبي، الذي لا يقدم أي شيء للسياسة حتى في حالة فوزه، وتقدم تجارب عديدة ، خصوصا في الدول العربية حيث تنتشر الظاهرة بكثرة، فخلال اجتماعات المجالس الجماعية أو البرلمان، نسجل نذرة الانتاج وتقصير في المرافعات، والسبب هو عدم دراية هذه الفئة بدورها الذي يفرضه عليها الدستور،وجهلها التام بالقوانين المنظمة للمؤسسات التي تمثلها، بل أحيانا جهلها حتى للقراءة والكتابة، ما يجعل دورها يقتصر في التصويت كرقم انتخابي يستعمل عند الضرورة.

هذا بالاضافة الى أن الكائن الانتخابي ظرفي ووجوده مؤقت رهين بحدوث أمر ما ( الفوز أو السقوط)،فلا يمكن اعتماده كرقم داخل المؤسسة الحزبية، لذلك، نجد أن بعض الأحزاب لا تسمح بدخول الكائنات الانتخابية الى مكاتبها الوطنية أو برلماناتها، لعدم ثقتها في هذه الفئة، وعدم قدرتها على تقديم الاضافة الى جانب أبناء المؤسسة الذين تدرجوا في هياكلها.

وهذا الواقع ، أفرز سلوك معين داخل المؤسسات المنتخبة ( الجماعية منها والبرلمانية)، فنادرا ما ترى خلال الدورات مرافعات مدعمة بأرقام وبدراسة،بل في الغالب ما يتم اعتماد مشاريع مهيئة سابقا، يتم تقديمها للتصويت وليس للمراجعة،وهو ما يفرغ هذه المؤسسات من دورها الدستوري، ويجعلها بالتالي عبارة عن فضاء لتبادل الآراء واستعراض العضلات وتصفية الحسابات لا غير.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


8 + 2 =