كورونا من منظورٍ سياسيّ مُقَارِن

أفقإسلام حجازي*

شكّل تفشّي وباء كورونا تحدّياً غير مسبوقٍ للعديد من التفاهمات الأساسيّة في السياسة المُقارنة وسياسة الصحّة العامّة. ويبدو أنّ تحدّي تلك التفاهمات قد ظهر جليّاً في ثلاث جبهات على الأقلّ، أوّلها هو فشل بعض الحكومات، التي توصف بأنّها الأكثر استعداداً من قبل خبراء الصحّة العامّة، في الاستجابة بفعاليّة لهذا الوباء العالَميّ؛ وثانيها هو إعادة فتْح النقاش الواسع بشأن العلاقة المستقرّة بين الديمقراطيّة والصحّة العامّة؛ وثالثها هو الإشادة بالحكومات التي قامت بتنفيذ عمليّات إغلاقٍ صارمة، كان من المُمكن أن يُنظر إليها على أنّها غير أخلاقيّة في سياقات أخرى، ما فتح مجالاً ثريّاً من الاستفسارات حول تداعيات سياسات الاستجابة القسريّة على مَدار الأشهر والسنوات القليلة المُقبِلة.

تلك الرؤية القيّمة طُرحت من قبل كلٍّ من ماثيو م. كافانو ورينو سينغ، عبر دراستهما المنشورة إلكترونيّاً مؤخّراً في دوريّة “السياسة الصحيّة والسياسات والقانون”، والتي من المُنتظر أن تظهر في نسختها الورقيّة قريباً. وعلى الرّغم من أنّه قد يكون من السابق لأوانه استخلاص النتائج بشأن تداعيات مُواجَهة فيروس كورونا في ظلّ استمرار انتشاره، إلّا أنّه يحسب لهذه الدراسة أنّها قد تكون بمثابة جرس إنذار مهمّ من بين تلك الأجراس التي أطلقتها سياسات الاستجابة الوبائيّة العالَميّة لهذا الفيروس المُستجدّ، بشأن ضرورة العمل الجادّ على إعادة تفكيرنا في كيفيّة تقييم مستويات التأهُّب والقدرة الصحيّة من جانب، وجدوى المُمارسات الديمقراطيّة في حالة الوباء وتداعيات سياسات الصحّة العامّة القسريّة من جانب آخر.

القدرة على الاستجابة للوباء

تشير الدراسة، بدايةً، إلى أنّ الأداء الفعلي لأغلب حكومات العالَم لمُواجَهة فيروس كورونا نتج عنه حاجة ماسّة إلى وضع تصوّر جديد للقدرة السياسيّة على الاستجابة للأمراض. ففي أعقاب تفشّي جائحة مشابهة هي “السارس” في العام 2003، قامت الدول الأعضاء في الأُمم المتّحدة بمُراجَعة اللّوائح الصحيّة الدوليّة بطُرقٍ عدّة، كان منها إجراء العديد من التقييمات الخارجيّة المُشترَكة من طرف المنظّمات الدوليّة والإقليميّة المَعنيّة، وربّما تمّ بذْل الجهد الأكبر في هذا السياق من خلال التعاون الأكاديمي لإصدار مؤشّر الأمن الصحّي العالَمي، المُصمَّم أساساً لتقييم قدرة الدول على الوقاية من الأوبئة والتخفيف من حدّتها. وبحسب “كافانو” و”سينغ”، اعتمد هذا المؤشّر على مقياس واسع من القدرات المُختبريّة والقوى العاملة الصحيّة، والامتثال للمعايير الدوليّة، والقدرة على التخطيط، والاستقرار السياسي، وتماشى مع المفهوم الأوسع لقدرة الدولة المرتبط بمدى الفعاليّة في صنْع السياسات، وتوفير المَنافِع العامّة مثل الأمن والرعاية الصحيّة والبنية التحتيّة الماديّة. 

ويرى كلٌّ من “كافانو” و”سينغ” أنّ التبايُن في أداء الدول الـ 35 الأعلى تصنيفاً وفقاً لمؤشّر الأمن الصحّي العالَمي في حالة جائحة كورونا، يدفعنا للتساؤل حول الكيفيّة التي يُمكن بها التعبير عن القدرة على الاستجابة للأوبئة على نحو أفضل. فمن الواضح أنّ سياسات الاستجابة الفعليّة أثبتت أنّ البنية التحتيّة القويّة والاستقرار ليسا كافيَيْن. وعليه، من الضروري إعادة النظر في كيفيّة تعبئة الدولة بكلّ عمليّاتها السياسيّة، وفي مقدّمتها عوامل مثل الفيدراليّة واللّامركزيّة والاستقطاب والمقدّمات الأيديولوجيّة للأحزاب الحاكمة والديناميكيّة النسبيّة والخبرات السابقة وكفاءة القادة السياسيّين. تلك العوامل وغيرها، تؤثِّر بالضرورة على قدرة الدولة السياسيّة بعامّة، وعلى قدراتها في مجال الصحّة العامّة بخاصّة. 

هل الديمقراطيّة جيّدة أو ضارّة بالصحّة؟

يُجادِل الباحثان بأنّ روايات النجاح الصيني وفشل الولايات المتّحدة، قد أدّت إلى تنامي القلق بشأن أن يحمل أخباراً سيّئة حول قيمة الحُكم الديمقراطي ومستقبله. وباستثناء فيروس نقْص المناعة البشريّة، يشير كلٌّ من “كافانو” و”سينغ” إلى أنّ العلاقة بين تفشّي الأمراض وأداء المؤسّسات السياسيّة لم تُدرَس جيّداً في حقل السياسة المُقارنة، حيث ركَّزت معظم الأدبيّات على وفيّات الرضّع أو متوسّط العمر المتوقّع، وبعض الاتّجاهات طويلة الأمد التي لها آليّات مُختلفة كثيراً عن حالة وباء. فعلى سبيل المثال، تمكّنت استبداديّة الصين من إغلاق سوق ووهان بسرعة، وإيقاف حركة عشرات الملايين من الأشخاص، وفحص المرضى وعزلهم، وحتّى بناء مستشفيات عزْل ميدانيّة عدّة، وذلك في التوقيت نفسه الذي ركَّزت فيه إدارة ترامب على حظْر السفر لإبعاد الفيروس “الأجنبي” بدلاً من حشْد قدرات الصحّة العامّة للمُواجَهة. هذه الرؤية تماشت مع الإطار السياسي المُناهض للمُهاجرين والصين من قِبَلِ الرئيس الذي حاولت إدارته تسمية الوباء بـ “فيروس ووهان”، استمراراً للحرب التجاريّة مع الصين، أكبر مُنتِج للسلع الطبيّة التي تحتاجها الولايات المتّحدة. 

على الجانب المقابل، ناقشَ الباحثان أيضاً حالة كوريا الجنوبيّة التي ربّما قدَّمت مثالاً مُختلفاً تماماً في هذا السياق. فمن الواضح أنّ تقارير وسائل الإعلام كانت مفتوحة على نِطاق واسع، كما تمّ عزْل الرئيس السابق بعد احتجاجات ضخمة في الشوارع. وفي السياق ذاته، كان حزب المُعارَضة الرئيس نشطاً في انتقاد استجابة الحكومة لفيروس كورونا في الفترة التي تسبق الانتخابات المُقلبة، بما في ذلك التراجُع عن عمليّات الإغلاق في مدينة دايجو. وعلى الرّغم من ذلك كلّه، تمكّنت القيادة السياسيّة من وضْع مبدأ الشفافيّة في قلب نهْجها، وأَطلقت واحدة من أكثر الاستجابات فعاليّة لتفشّي المرض في العالَم. 

ومع إبداء بعض الملاحظات بشأن سياسات المعلومات الاستبداديّة ودَورها في تفشّي الوباء بالأمثلة الصينيّة والسنغافوريّة، يؤكِّد كلٌّ من “كافانو” و”سينغ” على الدور المعقّد الذي لعبته قضايا الديمقراطيّة والمُساءلة والانفتاح في مُواجَهة فيروس كورونا، ويطرحان العديد من التساؤلات بشأن إعادة النظر في صفات الديمقراطيّة المُصاحِبة لحالة الوباء. بمعنى آخر، كيف يُمكننا تصنيف الحُكم الديمقراطي أو الاستبدادي الذي يُساعِد أو يعيق الاستجابة للوباء؟ وما هو البارز في ديمقراطيّات كوريا الجنوبيّة وألمانيا، على سبيل المثال، مُقارنةً بالولايات المتّحدة والمَملكة المتّحدة؟ وهل هناك أنواع معيّنة من الأنظمة السياسيّة أكثر مَيلاً للانصياع للعِلم؟ وإلى جانب أهميّة دراسة صفات النظام السياسي في حالة طوارئ الصحّة العامّة، من المفيد التفكير أيضاً في كيفيّة تأثير أزمة فيروس كورونا على طبيعة الأنظمة السياسيّة في المقابل. وبالتالي طُرحت تساؤلات أخرى من قبيل: هل سيؤدّي الوباء الحالي إلى مزيدٍ من الاستقطاب في الديمقراطيّات؟ وإلى أيّ مدى سيخضع المُجتمع العِلمي لمثل هذا الاستقطاب؟ وهل يتوقَّع أن يؤدّي هذا الوباء إلى تعزيز دَور الأنظمة الاستبداديّة؟ 

مدى فعاليّة التدابير القسريّة

على جانب آخر، يؤكّد الأستاذان في معهد أونيل لقانون الصحّة الوطني والعالَمي في جامعة جورج تاون، أنّ الانخفاض الكبير في الأمراض المُعدية خلال العقود الأخيرة، ولاسيّما في أعقاب أزمة الإيدز، كان سبباً في التحوّل بعيداً عن التدابير القسريّة، التي أصبح يُنظر إليها على أنّها غير فعّالة وقد تأتي بنتائج عكسيّة في معظم الأحيان. وبالتالي وصلنا إلى حالة إجماع شبه مُكتمل حول ضورة إبعاد الشرطة عن إنفاذ قوانين الصحّة العامّة، وجعْل التدابير طوعيّة إلى أقصى حدّ مُمكن.

لكنْ في ظلّ جائحة كورونا، تلاشى الكثير من هذا الإجماع وسادت التدابير القسريّة كأولويّة في المُواجَهة. فعلى سبيل المثال فَرضت بكين تطويقاً صحيّاً غير مسبوق، قيَّدَ حركةَ أكثر من 50 مليون شخص في جميع أنحاء مُقاطعة هوبي، وتعرَّضت أكثر من 80 مدينة لسياسات إغلاق كبرى. الغريب في الأمر، أنّه بدلاً من التحذير من خطورة التدابير القسريّة المُفرطة، أشاد المدير العامّ لمنظّمة الصحّة العالَميّة بالحكومة الصينيّة باعتبارها “تضع بالفعل معياراً جديداً للاستجابة لتفشّي المرض”، بحسب تعبيره. وبصورة مُشابِهة، اتّجهت معظم الدول إلى درجة من درجات الإكراه التي لا تتوافق مع مدى ديمقراطيّة النظام السياسي. وكان هذا واضحاً في إيطاليا التي اتّبعت بعضاً من أكثر السياسات تقييداً في العالَم، مثل فرْض إجراءات حظْر التشغيل بغرامات ضخمة، واستخدام الطائرات من دون طيّار من قبل الشرطة. وكذلك حالة إسبانيا، التي ﻟﺠـﺄت إلى نشْر آلاف الجنود في مُدن الحَجْر الصحّي للقيام بدوريّات في الشوارع وفرْض الإغلاق، وأصدرت قراراً يتيح لحكومتها الاستفادة من جميع منشآت الرعاية الصحيّة في البلاد أيّاً كان مالكها، فضلاً عن إمكانيّة مُصادَرة ما لدى شركات إنتاج المعدّات الطبيّة ومورّديها، من أقنعة وكمّامات واختبارات كشف وغيرها من الموادّ اللّازمة لمُواجَهة كورونا.

من ناحية أخرى، حاول كلٌّ من “كافانو” و”سينغ” الإشارة إلى التكاليف الاقتصاديّة الباهظة المُرتبطة بالاستمرار في اتّباع تدابير التباعُد الاجتماعي وخطر ردّ الفعل العكسي. وبالنظر إلى حجْم القوّة القسريّة التي استولت عليها الدول في جميع أنحاء العالَم خلال جائحة كورونا يتوقّع الباحثان أنّه قد يكون من الصعب التراجُع عن بعضٍ من هذه التدابير حتّى بعد انحسار تفشّي الوباء. ففي تشيلي وهونغ كونغ، على سبيل المثال، مكّنت تدابير حظْر التجمّعات العامّة الحكومات فعليّاً من منْع العديد من الاحتجاجات. وفي سياق ادّعاءات مُواجَهة الوباء، عقدَ العديد من حكومات العالَم اتّفاقات وصُمِّمت تطبيقات إلكترونيّة بالتعاون مع شركات بيانات خاصّة، بهدف مُراقَبة تحرّكات الأفراد وتتبّعهم باسم حماية الصحّة العامّة. وبالتالي فإنّ التساؤل المُهمّ والمفتوح، بالنسبة إلى “كافانو” و”سينغ”، هو ما إذا كان القادةُ والنّخب السياسيّة سيمتنعون، بعدما توصّلوا إلى قوّة كاسحة للسيطرة والضبْط الاجتماعي، عن استخدام هذه الصلاحيّات كردّ فعل على الأزمات الصحيّة وغير الصحيّة في المستقبل؟

ختاماً، من المؤكّد أنّ وضْع استنتاجات حول التساؤلات المطروحة في هذه الدراسة المهمّة سيستغرق سنوات طويلة، وسيحتاج إلى المزيد من التصميمات البحثيّة الإمبيريقيّة، القادرة على مُواجَهة إشكاليّة الافتقار إلى شفافيّة الكثير من البيانات والمعلومات التي ستُتاح حول آليّات الاستجابة الوبائيّة لفيروس كورونا من طرف الحكومات وتداعياتها في جميع أنحاء العالَم.

*كاتب وأكاديمي من مصر

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 7 = 2