ماذا لو فشل العالَم في ابتكار لقاحٍ لكورونا؟

لعلّه السؤال الأهمّ الذي نتجنّب غالباً طرحه في زمن الكورونا، نحن وقبلنا كبار الأطبّاء والباحثين: ماذا لو فشل العالَم في ابتكار لقاح لفيروس كورونا؟ 

الاحتمال على غرابته ليس مستحيلاً. فثمّة بالفعل “فيروسات” عجزت علوم إنسان العصر وما تزال عاجزة، عن مُواجهتها، ولا نملك لقاحاتٍ ضدّها. هذا الكلام ليس لكاتبه بل لأستاذ الصحّة في “إمبريال كولدج” في لندن البروفسور “دايفيد نابارو”، وهو اليوم مبعوث منظّمة الصحّة العالَميّة بشأن فيروس كورونا في الولايات المتّحدة الأميركيّة.

الواقع أنّني كقارئ صبور نادراً ما عثرتُ على حديثٍ بهذا المعنى السلبي عن الكورونا، لا لرجال العِلم ولا لرجال السياسة ولا حتّى للمُفكّرين أو الشعراء أو الفلاسفة. فالجميع أمام هذه النقطة يقفون على الضفّة الأخرى ويبدون مُتفائلين فيتحدّثون بثقة عن الجهود الجارية في سبيل العثور على التركيبة الناجحة للّقاح… وكأنّ الأمر حاصلٌ غداً. 

الحقيقة أنّ الأمر ليس قريب المنال… وبعض الدروس من الماضي تؤكّد أنّ الفشل في هكذا أمور قد حصل غير مرّة، وبالتالي، إن حصلَ اليوم فلَن يُثير دهشةً كاملة. لقد سبق أن فشل العِلم والعُلماء مراراً أمام العديد من الفيروسات المَرَضيّة، وتكرار الفشل اليوم لن يكون “عجيبة”. ولئن كانت قلّة قليلة من الخبراء في بعض المُختبرات الدوائيّة قد أخذت احتمال الفشل على محمل الجدّ بالفعل، إلّا أنّ صوت هؤلاء بقيَ قريباً من صمت مُختبراتهم الثقيل.

الإيدز في البال

لنأخذ فيروس نقص المناعة البشريّة (الإيدز) كمثال يعرفه الجميع ونحبّ أن نتناساه. حتّى اللّحظة لا تملك البشريّة، في مختلف أرجاء قريتنا الكونيّة، أيّ لقاح يقينا خطر الإصابة بهذا المرض المرير، الأمر المتناقض بالكامل مع ما كان ينبغي أن يكون. ولو استشرنا محرّك “غوغل” المَعرفيّ لأمكننا العثور على ما كانت صرَّحت به وزيرة الصحّة والخدمات الإنسانيّة الأميركيّة “مارغريت هيكلر”، أواسط ثمانينّات القرن الماضي، من أنّ “العُلماء الذين نجحوا في حينه بكشْف الفيروس وتحديده – الذي أصبح يُعرف في ما بعد بفيروس نقص المناعة البشريّة (الإيدز) – في سبيلهم لتركيب لقاح ضدّه سيكون جاهزاً للاختبار في غضون سنتَين اثنتَين”. ولقد انقضى على ذلك الوعد “الرسمي” ما يقرب من أربعة عقود، ولقي أكثر من 32 مليون شخص حتفهم تحت فأس هذا الفيروس، وما يزال العالَم ينتظر اللّقاح الذي يقي البشر هذا النوع المُخزي من النهايات البائسة.

والفشل في مدار “الإيدز” ليس الوحيد في المجال. فهناك أمراض أخرى تسبَّبت في إرباك العُلماء وفشل العِلم في تدبُّر لقاحٍ لها. من ذلك مثلاً اللّقاح ضدّ حمى الضنك (تصيب حوالى نصف مليون شخص سنويّاً وفقاً لمنظّمة الصحّة العالَميّة)، واللّقاحات ضدّ الفيروسات الأنفيّة الشائعة والتي، مثل الفيروسات التاجيّة، يُمكن أن تُسبِّب أعراضاً تُشبه الإنفلوانزا.

المعنى أنّ النجاح في ابتكار اللّقاح المُناسب للنجاة من أحابيل الفيروسات ليس مضموناً (كما نحبّ أن نعتقد)، وهذا ما ينطبق بالطبع على فيروس “كوفيد 19” المُسبِّب للكورونا. بالمناسبة فاللّفظة Covid-19 هي التسمية التي ابتكرتها منظّمة الصحّة العالَميّة، حيث يُشير حرفا (co) إلى كورونا، وحرفا (vi) إلى كلمة فيروس، وحرف (d) إلى كلمة (disease) وتعني “مرض”؛ أمّا رقم 19 فيُشير إلى العام 1919 الذي ظهر فيه ذلك المرض. وبالعودة إلى السياق فالنتيجة الوحيدة للفشل في ابتكار لقاح، إذا حدث، تعني أن نكون مُلزَمين بالتعايُش مع الـ “كورونا” حتّى أجلٍ لا يُمكن لأحدٍ تحديده. وهذا بالضبط ما هو حادث الآن مع فيروس نقْص المناعة البشريّة.

اللّهاث خلف الأمل

الجميع يتمنّى ويأمل أن يَظهر اللّقاح اليوم قبل الغد فترتاح البشريّة من هذا العبء. فهل سيتحقَّق الأمل ويَظهر اللّقاح قريباً بالفعل؟ وماذا إذا تأخّر ظهوره لعامٍ أو أكثر… هذا إنْ ظهر؟

الأفضل ترْك الإجابة لأهلها، “دايفيد نابارو” نفسه مثلاً يقول: “لا يُمكننا الافتراض أنّ اللّقاح سوف يكون مُتاحاً خلال مُستقبلٍ منظور. لذا ينبغي علينا كمُجتمعات بشريّة، التعامل مع فيروس كورونا باعتباره ضيفاً ثقيلاً لن يُغادر قريباً، وأغلب الظنّ أنّه سيُشكِّل تهديداً مُستمرّاً”. وعلى النقيض من د. “نابارو”، فإنّ رئيس المعهد الوطني الأميركي للحساسيّة والأمراض المُعدية د. “أنتوني فاوتشي”، يرى أنّ “ابتكار لقاحٍ للكورونا يُمكن أن يتحقَّق في غضونِ عامٍ أو أكثر قليلاً”، في حين أنّ كبير الأطبّاء الإنكليز “كريس ويتني” أعرب عن يقينه أنّ المدّة الزمنيّة التي أعلنها “فاوتشي”، قصيرة جدّاً. وهذا ما يوافقه عليه “بيتر هوتز”، عميد الكليّة الوطنيّة للطبّ الاستوائي في جامعة “بايلور” في “هيوستون”، وهو أجاب عن سؤالٍ لشبكة C.N.N. بالقول: “لم يسبق للمُختصّين أن تمكّنوا سابقاً من تصنيع لقاحٍ خلال مدّة عام إلى 18 شهراً؛ إنّها مدّة قصيرة”.

وبينما تتواصل تناقضات الرأي في سجالات العُلماء والمُتخصّصين، نجد ما لا يقلّ عن ذلك إرباكاً وحيرة في الميدان السياسي حيث تسيطر أجواء ما يُشبه “الوعود الانتخابيّة” التي غالباً ما لا يتحقّق منها شيء. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب الناظر بتشوّقٍ إلى ولايةٍ ثانية له، يمطتي خيول التفاؤل متحدّثاً عن حتميّة وقرب إنتاج لقاحٍ ناجع لمُواجَهة جائحة كورونا (على أمل أن يُسهم ذلك في تجديده ولايته). أمّا الرئيس الأسبق بيل كلينتون، فكان أعلن بخصوص الإيدز في العام 1997 أنّ الولايات المتّحدة في سبيلها لابتكار لقاحٍ للمرض في غضون عقدٍ من الزمن على الأكثر. لكنّ الكلام لا يكون مُكلفاً في بعض الحالات. فها قد انقضى ربع قرن على وعدِ كلينتون من دون أن يتحقّق، بينما الإيدز يُواصِل الفتك بضحاياه. وربّما كان الأثقل من ذلك أنّ الأطبّاء المُفترَض فيهم ابتكار اللّقاح، يتحدّثون في المجلّات الطبيّة عمّا إذا كان مرضى فيروس نقص المناعة البشريّة، يستحقّون الإنقاذ أم لا (!).

التعايُش مع الأسوأ

بدلاً من النكران يُفضَّل الافتراض أنّ اللّقاح لن يكون جاهزاً غداً، وأنّه قد يحتاج إلى أكثر من عام واحد أو عامَين، وربّما لن يظهر أبداً. أمام هذا الوضع من واجبنا البديهي كمُجتمعات بشريّة، أن نتدارس إمكانيّة التعايش مع فيروس كورونا كضيفٍ ثقيلٍ يُمكن أن يُشكّل تهديداً طويل الأمد. وبالتالي ينبغي أن يكون بوسعنا مُمارَسة مُختلف وجوه حياتنا الاجتماعيّة وأنشطتنا الاقتصاديّة مع وجود المرض بيننا.

بمعنى آخر، فإنّه، وبدلاً من حصْر كلّ جهودنا في اتّجاهٍ واحدٍ مفرد هو القضاء على الفيروس واختراع لقاح يقي منه، علينا أن نتعلّم كيفيّة التعايُش معه ومُتابعة دَورة حياتنا وإنتاجنا بوجوده. وفي الحصيلة، فإنّ الحياة لن تبقى كما هي الآن، وربّما لا تعود إلى طبيعتها بسرعة. بدايةً ستُصبح الكمّامات زيّاً إلزاميّاً مُشترَكاً، ويكون الاستسلام لأجهزة قياس الحرارة من الجبين أو من ناحية الأذن أو أسفل الصدر… طقساً مُتواصِلاً، وتتحوّل المعقّمات والمطهّرات، من سوائل وأبخرة وسواها، إلى رفيقٍ دائم في البيت والمَكتب والسيّارة كما في كلّ مكان. كذلك سيُصبح العمل من المنزل، على الأقلّ في بعض الأيّام، طريقة حياة قياسيّة. سيكون لزاماً على الدول أن تبني نماذج معدَّلة من الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعمليّة لمواطنيها. وسيجدر بالدول والشركات أن تُسارِع إلى تغيير أنظمتها وبناء عقد اجتماعي جديد يتولّى فيه المُواطنون في كلّ بلد المسؤوليّة الشخصيّة للعزل الذاتي حين تظهر عليهم أعراض المرض. كذلك علينا أن نأخذ في الحسبان الأضرار الاقتصاديّة والاجتماعيّة وبالتالي السلوكيّة التي لا بدّ أن تتفاقم مع عمليّات العزْل والحجْر والإقفال الإجباري وحظر التجوّل، ما يمكن أن يؤدّي إلى اختلال سلّم العلاقات وميزانها بين الناس داخل المجتمع الواحد. وعلينا ألّا ننسى أنّ جملة ذلك كلّه سوف يستعيد هبوبه مع وخلال كلّ شتاء حيث ينشط الفيروس في الطقس البارد ويصبح، من دون لقاحٍ يقي الناس منه، مثابة كلبٍ مسعور غير مُقيَّد.

ثمّ هناك تكاليف المعيشة حيث تتعطّل أعمال العاملين في حقول التبادُل من بيع وشراء وما يتّصل بذلك من وظائف محاسبيّة وإداريّة وتسويقيّة… وتبرز بوضوح قاسٍ أزمات تكاليف المعيشة، ولاسيّما في الدول الفقيرة والعاجزة عن مُساعدة مُواطنيها، هذا فضلاً عن كثرة وسعة انتشار اللّاجئين والمُهاجرين في أربع أرجاء العالَم، والذين يحتاجون إلى كلّ شيء وهُم يقبعون في بلاد لا تملك ما تقدّمه لمواطنيها.

وحتّى بالنسبة إلى البلدان التي تدعم مُواطنيها بالمال والغذاء بشكلٍ مُنتظَم تحت الحجْر، فإلى أيّ مدى زمني سيُمكنها مواصلة ذلك، وكيف ستنجح في تثبيت موازناتها في ظلّ الهبوط الحادّ في إنتاجها كما في التصدير، وإلى أيّ حدّ ستظلّ قادرة على الإنفاق لمُتابَعة العناية بضحايا الفيروس حيث يتردّد أنّ مئات ملايين البشر سوف يمرضون بالفيروس ويكونون بحاجة للمُتابعة، وهذا مُكلف أيضاً وكارثيّ بالنسبة إلى دولٍ تُنفِق أكثر ممّا باتت تُنتجه، وتُصدِّر أقلّ بكثير ممّا كانت تُصدِّره، وأكثر من كارثيّ بالنسبة إلى الدول الفقيرة أساساً.

هكذا سوف يتواصل النزف الاقتصادي إلى أن يتدبّر اللّقاح، ومعه الحَجْر وأزماته، ويستمرّ فقداننا بعض المُحيطين بنا وبعض مَعارفنا وبعض أحبّائنا (لا مفرّ من ذلك) تحت مقصلة “كوفيد 19″، وسيعتاد الحانوتيّون وحُفّار القبور مُكرَهين على دفْن الموتى بطريقةٍ أكثر عمقاً لتجنُّب انتقال العدوى الفيروسيّة.

اللّهم إلّا إذا اخترنا اعتماد الوصفة العشبيّة لـ “أندري راجولينا”، أمير مدغشقر، غير مُبالين بتحذيرات منظّمة الصحّة العالَميّة منها.

أفقمحمود برّي / كاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 7 =