الإرشاد السيبرانيّ في زمن الكورونا

في زمن كورونا (COVID-19) تتّجه جميع دول العالَم إلى تكثيف التعامُل عبر الفضاء الإلكترونيّ لسدّ الحاجات الإنسانيّة من التعليم والتدريب والصحّة وتوفيرها، وتوصيل الغذاء، وإنجاز أعمال الجهات الحكوميّة والمؤسّسات الخاصّة والمنظّمات المجتمعيّة، وما يصاحب ذلك من أخطارٍ على الإنسان من جرائم إلكترونيّة كالسرقات، والانحرافات الفكريّة والسلوكيّة، ما جعلَ من الأمن والإرشاد السيبرانيّ ضرورة مُلحّة لحماية الإنسان ودراسة سلوكه وتقديم الإرشاد الوقائيّ والعلاجيّ لتجنُّب هذه الأخطار وحمايته منها.

في بداية ثمانينيّات القرن الفائت، كان رونالد ريغان، الرئيس الأربعون للولايات المتّحدة الأميركيّة، يُشاهِد فيلماً سينمائيّاً بعنوان: “ألعاب الحرب War Games”، بطولة ماثيو برودريك، وكان يؤدّي فيه دَور فتىً مُراهِق، لكنّه بالغ المهارة في التكنولوجيا، استطاع اختراق الحاسوب الرئيس في قيادة دفاع الفضاء الجوّي لأميركا الشماليّة. وقد استهوت فكرة الفيلم الرئيس ريغان واستولت على تفكيره، ولاسيّما أنّه كان نجْماً سينمائيّاً سابقاً، ويُدرك قيمة الفنّ في القفز بالزمن سنوات إلى الأمام من خلال ما يطرحه من أفكار خياليّة، لكنْ يُمكن تحقيقها مُستقبلاً.

في اليوم التالي، عقدَ ريغان في البيت الأبيض اجتماعاً مُهمّاً حضره وزراء الدفاع والخارجيّة والخزانة، ومسؤول الأمن القومي، ورئيس الهيئة المُشترَكة لرؤساء الأركان، وستّة عشر من أعضاء الكونغرس البارزين.

سألَ ريغان الحضور ما إذا كان أحدهم قد شاهد الفيلم أم لا؟ وكانت الإجابة الجماعية: لا، فشرح لهم فكرة الفيلم، ثمّ سألَ الجنرال جون فيسي John Vesey، الضابط الأعلى في الجيش الأميركي آنذاك، ما إذا كان هناك من إمكانية لحدوث اختراقٍ للحواسيب المهمّة في الجيش الأميركي كما حدث في الفيلم؟

طلب الجنرال فيسي مهلة للإجابة عن السؤال؛ وبعد أسبوع عاد إلى الرئيس ريغان قائلاً: “سّيدي الرئيس المسألة أسوأ بكثير ممّا تظنّ”.

نتج عن ذلك نشوء مجموعة عمل تمّ تكليفها ببحث المسألة، وظلّت المجموعة تُواظِب على إجراء أبـحاث ودراسات لمدّة خمسة عشر شهراً، تمّ في نـهايتها صياغة التوجيه الرئاسي السرّي المتعلّق بالأمن القومي الأميركي، وكان عنوانه “السياسة القوميّة بشأن الاتّصالات وأمن نُظم المعلومات”. كان هذا التقرير أوّل صياغة عمليّة تنبّؤيّة عن اعتراض الحواسيب الحديثة أو اختراقها، ثمّ تطوَّر الأمر حتّى أصبح لدى الجيش الأميركي إدارة لتقنيّات الحرب السيبرانيّة مع الحرب التقليديّة.

الأمن السيبرانيّ 

هو مُمارَسة حمايةٍ للأنظمة والشبكات والبَرامج من الـهجمات الرقميّة، التي تـهدف عادةً إلـى الوصول إلـى المعلومات الحسّاسة أو تغييرها أو إتلافها أو ابتزاز المال من المُستخدِمين أو مُقاطَعة العمليّات التجاريّة. وفي عالَمنا المُترابِط بواسطة الشبكة العنكبوتيّة، يستفيد الجميع من بَرامِج الدّفاع السيبراني، فعلى المستوى الفردي مثلاً، يُمكن أن يؤدّي هجوم الأمن السيبراني إلى سرقة الهويّة أو إلى مُحاولات الابتزاز أو فقدان البيانات المهمّة مثل الصور العائليّة، كما تعتمد المُجتمعات على البنية التحتيّة الحيويّة مثل: محطّات الطّاقة والمُستشفيات وشركات الخدمات الماليّة؛ لذا فإنّ تأمين هذه المنظّمات وغيرها أمرٌ ضروري للحفاظ على عمل مُجتمعنا بطريقة آمنة وطبيعيّة.

ولعلّ ما تشهده الإنسانيّة هذه الأيّام من مُهاجمة فيروس كورونا (COVID–19) لكلّ دول العالَم، يؤكِّد ما نطرحه حول أهميّة الإرشاد السيبراني. فمن خلال مَواقع السوشيال ميديا، بات مُمكناً للناس مُتابعة ما يجري في أرجاء الكرة الأرضيّة كافّة من أحداث لحظة بلحظة، بدءاً من عدد المُصابين وعدد الموتى والمُتعافين، مروراً بقرارات الحكومات وتدابيرها في مُواجَهة هذه الجائحة الخطيرة، فضلاً عن نشرات ومقالات التوعية التي ينشرها المُتخصّصون ويتناقلها الناس…إلخ. وهنا لا نغفل أيضاً التأثيرات السلبيّة للسوشيال ميديا، حيث إنّ بعض الرسائل قد تكون سلبيّة أو مُغرضة أو مُضلِّلة، وكثيراً ما تكون مَواقِع التواصل مَصدراً لبثّ الشائعات والأفكار الهدّامة. من هنا تتأكّد أهميّة الإرشاد السيبراني، ويبدو جليّاً أهميّة العلوم الجديدة المُستحدَثة في هذا المجال.

وللتدليل أكثر على أهميّة هذا العِلم، ليس في الدراسات الأكاديميّة والتربويّة فحسب، ولكن أيضاً في عالَم المال والسياسة، بخاصّة بعد تداخُل العلوم والموضوعات بصورة كبيرة، نذكر ما جرى في صباح يوم الإثنين 24 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013، حين قامت عصابة إلكترونيّة أَطلقت على نفسها اسم حرّاس السلام، بـهجومٍ سيبرانيّ على شبكة (سوني بيكتشرز) وقامت بتدمير ثلاثة آلاف حاسوب، وسرقة مئة تـيـرا بايت (Terabyte) من البيانات، منها رواتب الموظّفين وأفكار الأفلام الجديدة التي لـم تُنتَج بعد، وأرقام الضمان الاجتماعي للمُمثِّلين وبيانات أخرى مهمّة جدّاً وتُعَدّ من أسرار الشركة.

وبسرعة قامت العصابة ببَيع هذه البيانات الضخمة وتسريبها إلى الصحف الصفراء التي تتكسَّب من استغلال هذه المعلومات، وكان هذا الهجوم على “سونـي” وسرقتها هو الثاني، بحيث سبقه هجومٌ آخر في العام 2011. وكان من نتائج الهجوم الأوّل والثاني توقُّف تشغيل شبكة بلاي ستايشن Play Station المملوكة للشركة لمدّة ثلاثة أسابيع، وسرقة بيانات ملايين من المُتعاملين مع الشبكة، وتكبّدها خسارة ماليّة بلغت آنذاك أكثر من 170 مليون دولار.

أدرك المسؤولون في الشركة خطورة الأمر، فتعاقدوا مع شركة fire eye التي تعاونت مع مَكتب التحقيقات الفدرالي، وكَشفت مجموعة المُهاجمين، وكانوا قد أطلقوا على أنفسهم اسم دارك سيول، أي السيول المعتمة، وهي مجموعة هاجمت الشركة لمصلحة كوريا الشماليّة، لأنّ الشركة كانت بصدد إنتاج فيلم تحت عنوان “المُقابلة”، وهو فيلم كوميدي فيه بعض السخرية من حاكِم كوريا الشماليّة. 

الإرشاد السيبرانيّ 

تؤكِّد هذه الأحداث كلّها حاجتنا الماسّة إلى دراسة سلوك المُستخدِم وفهْمها، والتنبّؤ أيضاً بـها في الإنترنت. وتركِّز أكثر على علاقة المُستخدِم بالإنترنت أو (كما هو الحال في وضعنا الحالي) على علاقة المُستخدِم بهاتفه، الذي يتّصل من خلاله بالعالَم عبر الفضاء، باحثاً عن معلومة أو مؤدّياً لعملٍ ما أو مُسدِّداً احتياجاته اليوميّة في ظلّ الحجْر المنزلي. فلماذا إذاً استُحدِث هذا العِلم حديثاً؟

في السنوات الأخيرة فَرضَ الإنترنت نفسه علينا بقوّة. وبتعبيرٍ آخر، صارت أغلبيّة أمور حياتنا تُنجَز عن طريق التكنولوجيا، ما جعلَ سلوكيّات المُستخدمين وقِيَمهم تتغيّر بسرعة حين يكونون في الفضاء الإلكتروني. وهذا التغيير يُستخدم ويُستَغلّ أيضاً لمصلحة المُستخدِم أو ضدّه. وفي الفترة الآنيّة التي نعيشها ظهر هذا المرض الذي جعل من التلامُس والتجمُّع البشري مَصدراً مؤكَّداً للعدوى ونقْل الفيروس، الأمر الذي حتَّم على الحكومات إصدار قرارات بتعليق الدراسة وإغلاق المطارات وحظْر التجوال لمنْع التجمّعات البشريّة خوفاً على الناس من انتشار الوباء وحفظاً لحياتـهم. هنا لا بدّ أن نـعي أنّ التعامُل في الفضاء سيزداد جدّاً عمّا هو عليه الآن، وأنّنا أمام لحظة تاريخيّة تعيشها الإنسانيّة سيَنتج عنها ظواهر نفسيّة واجتماعيّة جديدة. ولا شكّ أنّ العِلم سيُتابعها بالدرْسِ والفحْصِ. ومن أهمّ العلوم المُهيَّأة للقيام بدَورٍ كبيرٍ ومُهمّ في هذا المضمار سيكون عِلم النّفس السيبراني الذي سيقودنا إلى تقديم الإرشاد السيبراني للإنسان، سواءً الوقائي أم العِلاجي. 

أفقد. تركي القرشي / كاتب وباحث من السعودية

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 6 = 4