كورونا واستراتيجيّات إدارة أزمتها عربيّاً

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تصاعُد أزمة فيروس كورونا واتّخاذ دول العالَم تدابير احترازيّة، من فرْض حظرٍ كامل إلى إغلاق المطارات ومعظم الأنشطة الاقتصاديّة والحياتيّة في مُحاوَلةٍ لحصْر الفيروس، سادت حالة من الارتباك الدوليّ سواء لجهة تحليل تلك الجائحة وتداعياتها أم لجهة آليّات التعامُل معها. 

أصبحت جائحة كورونا من الأحداث التي ستُخلِّف تحوّلاً في النظام الدولي والإقليمي على غرار الأحداث التي خلّفت تحوّلاتٍ كبرى مثل الحرب العالَميّة الثانية 1939 – 1945 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وظهور تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” 2014. ولكنّ جائحة كورونا تميّزت عمّا سبقها من أزمات وأحداث كبرى بأنّه حتّى الآن لم يتمّ التوصّل إلى تعيين مصدر الفيروس، ويتمّ التعامل معه على أنّه “عدوّ مجهول”، ما جعلَ العالَم أمام أزمة صحيّة شاملة فاقت تداعياتها السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والاجتماعيّة كلّ التوقعات، الأمر الذي سبَّب حالةً من الارتباك لدى الحكومات والدول كافّة. 

وفقاً لتقارير مُنظَّمتَي “التعاون الاقتصادي والتنمية” و”العمل الدوليّة”، فإنّ النموّ الاقتصادي في العالَم قد ينخفض إلى النصف في حال استمرار تفشّي فيروس كورونا، فضلاً عن انخفاض الناتج المحلّي العالَمي مع توقّعاتٍ بفقدان أكثر من 25 مليون شخصٍ وظائفهم. 

أمّا في البلدان العربيّة، فالتأثير الاقتصادي للوباء واضحٌ بسبب تفشّي الفيروس وتراجُع نشاط قطاعَي الصناعة التحويليّة والخدمات، فضلاً عن تراجُع قطاع السياحة والخسائر التي تكبّدها قِطاع الطيران التي قدَّرها الاتّحاد الدولي للنقل بحوالى 252 مليار دولار، ناهيك بانخفاض العرض والطلب على أسهم بورصات شحن الموادّ الجافّة كمواد البناء والسلع الأوليّة على غرار ما شهدته أكثر مراحل الأزمة الماليّة العالَميّة لعام 2008. كما أدّى إحجام المُستهلِك ومؤسّسات الأعمال عن الإنفاق إلى انخفاض الطلب. ولتزامُن الصدمات الاقتصاديّة في العديد من الدول آثاره العميقة في ما يخصّ الروابط التجاريّة والماليّة العربيّة والدوليّة، ما يُضعِف النشاط الاقتصادي العربي ويدفع أسعار السلع الأوليّة نحو الانخفاض وإلى هبوط أسعار النفط بشكلٍ كبير التي أصبحت خلال الأسابيع الماضية أقلّ بنحو 30% من مستوياتها في بداية العام. 

لقد أفضت حالة عدم اليقين بشأن مُستقبل أزمة كورونا، ولاسيّما بعد وضوح مدى تأثير تلك الأزمة على أسعار النفط في المنطقة العربيّة، إلى تأثُّر المنطقة العربيّة بشكلٍ مُضاعف لاعتماد معظم دولها على القطاعات الاقتصاديّة التي تمّ ذكرها، ولاسيّما السياحة والطيران والنفط. 

الأمن الإقليميّ العربيّ

أصبح دَور المنظّمات الإقليميّة العربيّة أمام تحدٍّ كبير، وأصبحت بسبب غيابها النسبي منذ تفشّي جائحة كورونا محلّ جدل، حالها في ذلك حال المنظّمات الدوليّة والإقليميّة الأخرى مثل الاتّحاد الأوروبي والمنظّمات والمجالس الدوليّة المتخصّصة التابعة للأُمم المتّحدة، وبخاصّة منظّمة الصحّة العالَميّة. وعلى الرّغم من أنّ أزمة كورونا لم تؤدِّ إلى أيّ خلاف عربي سواء على مستوى الحكومات أم المنظّمات، إلّا أنّها ولَّدت نسبيّاً حالةً من عدم التضامُن الإقليمي، بدءاً من إغلاق الحدود إلى عدم توافُر خطّة موحَّدة والتعامُل المُنفرد مع الأزمة من دون تبادُل الخبرات بين الدول. 

من جهة أخرى، وحيث إنّ الأمن الإقليمي العربي هو جزء من الأمن الدولي ويتأثَّر بالتفاعُلات الدوليّة، نجد أنّ جائحة كورونا قد أثَّرت على الأمن الإقليمي العربي بشكل كبير، وأنّ الاحتجاجات التي كانت تحدث في بعض الدول العربيّة قد توقّفت تماماً. وكذلك حدوث تحوّل ملحوظ في العلاقات العربيّة الإيرانيّة، فبعدما أعلنت إيران عجزها عن مُواجَهة فيروس كورونا بسبب العقوبات الأميركيّة المفروضة عليها، أعلنت دولة الإمارات عن مُساعدات طبيّة أرسلتها بطائرة عسكريّة إلى إيران. كما أنّ لجائحة كورونا تداعيات على ملفّ مُحارَبة الإرهاب، من خلال سحْب قوّات التحالُف الدولي من العراق، ما يعطي الفرصة لتنظيم داعش لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة قوّته لتنفيذ عمليّاتٍ إرهابيّة في أثناء الانشغال بمُواجَهة وباء كورونا. كذلك سيكون من الصعب على الدول الراعية للمُنظّمات والجماعات الإرهابيّة ولجماعة الإخوان المُسلمين وغيرها في المنطقة العربيّة ودُول الجوار، مثل قطر وتركيا، الاستمرار في تقديم هذا الدعم نظراً للتحدّيات الاقتصاديّة التي تُواجه الأنظمة والدول كافّة، وفي مقدّمتها تخصيص المَوارد لمُواجَهة فيروس كورونا في المقام الأوّل. 

تأثيرها على العلاقات العربيّة – الدوليّة 

في الوقت الذي يدور فيه الكلام في العالَم وفي معظم مَراكِز الفكر والبحوث حول إعادة تشكُّل النظام العالَمي بسبب أزمة كورونا وتراجُع الدور الأميركي وتنامي الدَّور الصيني، وظهور كتلة دول شرق آسيا بقيادة الصين لفرض الهَيمنة وإعادة ترتيب التوازُنات الدوليّة وقيام نِظام عالَميّ جديد، يبدو أنّ معظم التقارير والتكهّنات والدراسات هذه يغلبها طابع التسرُّع. فقد تأثّرت جميع دول العالَم سلباً بجائحة كورونا وستتركّز نقطة الاختلاف في قدرة كلّ دولة على التكيُّف مع تلك الأزمة. ولعلّ التجربة التاريخيّة تأخذنا إلى أنّ الولايات المتّحدة ستكون الدولة الأكثر تكيّفاً في مُواجَهة الأزمات، وذلك بسبب سياستها الخارجيّة وشبكة علاقاتها وتأثيرها في الرأي العامّ الدولي، ولاسيّما أنّ لديها شبكة علاقات استراتيجيّة مع دُولٍ عربيّة عديدة، بما سيُمكّنها من لعب دَورٍ قويّ في إدارة الصراع السياسي والعسكري مع الصين وروسيا وإيران في ظلّ ضُعف الدَّور الذي تقوم به المنظّمات والاتّحادات الدوليّة في مُواجهة كورونا، بالتزامُن مع الأزمة التي يُواجهها الاتّحاد الأوروبي بعد إحجام بعض دول أوروبيّة عن تقديم المُساعدة لإيطاليا وإسبانيا واليونان لمُواجهة الفيروس، وظهور مؤشّرات تُنبئ بتفكُّكٍ وشيك للاتّحاد الأوروبي.

آليّات واستراتيجيّات التعامُل مع الأزمة 

من المعروف أنّ لدى معظم الدول والمُجتمعات العربيّة القدرة الهائلة على الصمود في وجه التحدّيات، نتيجة تجاربها المريرة مع الحروب والنزاعات والأزمات المُتعاقبة خلال العقود الماضية. وعلى الرّغم من أنّ جائحة كورونا صحيّة في المقام الأوّل، إلّا أنّها عصفت بجميع مناحي الحياة، ولا تزال مهدِّدة للمُجتمعات العربيّة واقتصاداتها وحكوماتها وشعوبها؛ ما يدفعنا إلى التفكير في تفعيل مجموعة من الآليّات والاستراتيجيّات التي تتعامل مع الأزمة وفي طليعتها:

  1. مُراجَعة منظومة الأمن والسلامة البيولوجيّة في العديد من الدول العربيّة، وضرورة التخطيط والتجهيز المُسبق للأزمات والمَخاطر البيولوجيّة، والتعاوُن والتواصُل ما بين المؤسّسات الرسميّة المدنيّة من جهة والمدنيّة والعسكريّة والأمنيّة من جهة أخرى. وذلك فضلاً عن التعاوُن والتنسيق والتواصُل بين الحكومات والقطاع الخاصّ والمُجتمع المدني. فهذا قد يكون حافزاً لمُراجَعةٍ جديّة لمنظومة الأمن والسلامة البيولوجيّة في العديد من الدول العربيّة، وبشكلٍ منهجي، بهدف تعزيز قدرات وإمكانات مُواجَهة المَخاطِر البيولوجيّة المستقبليّة. 
  2. إيجاد خطّة عربيّة عاجلة مُشترَكة لمُواجَهة التداعيات الاقتصاديّة لأزمة فيروس كورونا. كما يتعيّن على صنّاع السياسات تنفيذ إجراءاتٍ جوهريّة مُوجَّهة على مستوى الماليّة العامّة والسياسة النقديّة، والسوق الماليّة، لمُساعَدة الأُسر ومنشآت الأعمال المُتضرّرة. ويُمكن استهداف الأُسر ومنشآت الأعمال المتضرّرة من اضطّراب العرض وهبوط الطلب كي تحصل على تحويلاتٍ نقديّة، ودعْمٍ للأجور، والتخفّف الضريبي، بحيث تُقَدَّم المُساعدة للناس لتلبية احتياجاتهم، ولقطاعات الأعمال كي تُحافظ على سلامة أوضاعها. كما ينبغي أن تظلّ البنوك المركزيّة مستعدّة لتقديم سيولة وافرة للبنوك والشركات الماليّة غير المصرفيّة، ولاسيّما لتلك التي تقرض المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة، التي ربّما كانت أقلّ استعداداً لمُواجهة اضطّرابٍ حادّ.
  3. التأكيد على وجوب وضرورة الدَّور الذي تقوم به القوّات المسلّحة والشرطة في الدول العربيّة، بدءاً من الدَّور المتعلّق بالأمن القومي العربي ومُحاربة الإرهاب وصولاً إلى تنفيذ إجراءات تطبيق قوانين الحظر والتدابير الاحترازيّة التي تتّخذها الدولة، وكذا الدَّور الإنساني والتعامل مع الأزمات الذي تقوم به تلك الأجهزة سواء في ما يتعلّق بالدعم الطبّي أم الاقتصادي، فضلاً عن الدعم المتعلّق بتوفير السلع الغذائيّة والطبيّة، وهو الدّور الذي لطالما ارتبط بذهن المُواطن العربي بأوقات الأزمات والحروب والاطمئنان النفسي لمثل هذا الدور ولاسيّما في أوقات الأزمات.
  4. إعادة بناء العلاقات العربيّة – العربيّة وتجنُّب الوقوع في أخطاء السياسات الانعزاليّة.
  5. إيجاد آليّة إعلاميّة عربيّة مُشتركَة لا تكتفي بنقْل الخبر، وإنّما تتعدّاه إلى الاضطّلاع بدَورٍ توعوي وتثقيفي بشأن الوقاية من هذا الفيروس، واستضافة المُختصّين في المجال الطبّي، وإدارة الأزمات، والشؤون الاقتصاديّة والسياسيّة، وإعادة الاهتمام بالمجلّات والصحف العِلميّة.
  6. تطبيق آليّات تنفيذ الإجراءات القانونيّة كافةّ، التي اتُّخذت للحفاظ على الأمن والصحّة والسلامة، فالعبرة ليست بإصدار القوانين ولكن بتطبيقها وتنفيذها، ولعلّ النموذجَيْن السعودي والأردني هُما خير مثال على آليّات تنفيذ القوانين التي صدرت منذ تفشّي وباء فيروس كورونا. 
  7. إيجاد خطّة عربيّة عاجلة مُشترَكة لمُواجهة التداعيات الاقتصاديّة الناتجة عن الوباء، وتفعيل دَور المنظّمات الإقليميّة العربيّة بإنشاء صندوق عربي للأزمات على غرار صندوق دعم المشروعات الصغيرة والمتوسّطة، ومُراجَعة الاشتراطات اللّازمة لتقديم الدعم المالي للدول الأعضاء.
  8. دعْم الدولة لمؤسّسات المُجتمع المدني وإسهامها في تخطّي تلك الأزمة بشكلٍ تكامُلي مع الأجهزة والهيئات الحكوميّة.

ربّما تكون هذه هي المرّة الأولى في تاريخ الدول العربيّة التي تُواجه فيها خطر عدوّ مُشترَك – مرضٌ مُعدٍ وقاتل ذو انتشارٍ عالَمي – لا يأتي من دولة أو جيش. ومن الواضح أنّ الطريقة التي ستدير بها الدول العربيّة الأزمة الصحيّة والاقتصاديّة والأمنيّة الناتجة عن جائحة كورونا ستُحدِّد مستقبل المنطقة وسيكون لها آثار قويّة على دُول الجوار. وإذا استطاعت الأنظمة العربيّة أن تدير تلك الأزمة بنجاح، فسيكون بإمكانها حينئذ أن تخرج من الأزمة بسهولة. وعلى العكس من ذلك، إذا لجأت هذه الأنظمة إلى التكتيكات المُعتادة في المنطقة عند التعامل مع الكوارث، حينها سيكون بمقدور كورونا أن تُعمِّق وتُفاقِم المُشكلات التي تعانيها المنطقة العربيّة، ما سيُفضي إلى عدم الاستقرار لها ولجيرانها. 

أفقد. محمود عزّت عبد الحافظ / نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجيّة في مَكتبة الإسكندريّة

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


44 − = 35