بقلم – سلمى مخلص
في كل مرة تفتح فيها المدرسة المغربية صفحة جديدة من الإصلاح، يعود السؤال نفسه: هل نحن أمام تغيير حقيقي في المدرسة، أم أمام تصور جديد يحتاج بدوره إلى سنوات حتى يثبت قدرته على تجاوز اختلالات الواقع؟
اليوم يبرز منهاج الريادة كرهان جديد لتحسين جودة التعلمات، من خلال تشخيص مستوى المتعلمين، ورصد تعثراتهم، وتقديم دعم أكثر ملاءمة لحاجاتهم. وهي خطوة تبدو مهمة، خصوصا إذا نجحت في نقل المدرسة من منطق إنهاء المقرر إلى منطق الاهتمام بما تعلمه المتعلم فعلا.
ومن نقاط قوة هذا النموذج أنه يعيد الاعتبار للمتعلم باعتباره محور العملية التعليمية، ويمنح الأستاذ مساحة أكبر لتكييف ممارساته وفق حاجات تلاميذه. كما أن اعتماد التشخيص والتقويم والدعم بشكل أكثر انتظاما يمكن أن يساعد على اكتشاف التعثرات مبكرا، قبل أن تتحول إلى مشكلات يصعب تداركها.
لكن بين الفكرة وتطبيقها مسافة ليست دائما سهلة…فالأستاذ الذي سيحمل الجزء الأكبر من هذا التحول يشتغل في أقسام تعرف تفاوتا كبيرا في مستويات المتعلمين، وفي ظروف قد تتسم بالاكتظاظ وضغط الزمن وكثرة المهام. لذلك فإن نجاح الريادة لن يتوقف فقط على جودة التصور، وإنما على الشروط التي ستوفر لتنزيله على أرض الواقع.
وهنا تبرز نقطة تستحق النقاش: إذا كانت الريادة تريد أستاذا يشخص ويحلل ويتابع ويدعم، فهل سيحصل هذا الأستاذ على الوقت والتكوين والوسائل التي تمكنه من القيام بكل ذلك؟
ثم هناك تحد آخر لا يقل أهمية: ألا تتحول الريادة إلى منظومة جديدة من الجداول والمؤشرات والتقارير، فيصبح الأستاذ منشغلا بإثبات أنه طبق الإجراءات، بدل أن ينشغل بالسؤال الأهم: هل تحسن تعلم تلاميذي فعلا؟
ومع ذلك، سيكون من غير المنصف رفض التجربة قبل أن تأخذ فرصتها، كما سيكون من غير الواقعي اعتبارها حلا سحريا لكل مشاكل المدرسة. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى التجريب، والتقويم، والاستماع إلى الميدان، ثم تعديل ما يحتاج إلى تعديل.
فالريادة لا ينبغي أن تكون مجرد اسم جديد لإصلاح جديد، بل فرصة لبناء مدرسة أكثر قدرة على اكتشاف تعثرات متعلميها ومعالجتها، وأكثر إنصافا في التعامل مع اختلاف مستوياتهم.
وفي النهاية، لن يقرر نجاح منهاج الريادة عدد المؤسسات التي ستعتمده، ولا عدد الوثائق التي ستنجز بشأنه، وإنما الأثر الذي سيتركه داخل القسم.
فإذا أصبح المتعلم يقرأ بشكل أفضل، ويفهم أكثر، ويستوعب ما كان يعجز عنه، وإذا وجد الأستاذ نفسه أكثر قدرة على مساعدته، فحينها فقط يمكن القول إن الريادة نجحت في تحقيق غايتها.
فالرهان الحقيقي ليس أن تتغير المناهج، وإنما أن يتغير واقع المتعلم.
