لم تعد انتقادات المسافرين للخطوط الملكية المغربية مجرد ملاحظات عابرة على تجربة سفر لم تسر كما ينبغي، بل أصبحت، بالنسبة إلى عدد من الزبناء، سؤالاً مشروعاً حول جودة الخدمة التي تقدمها شركة تحمل اسم المغرب وتحمل، في الوقت نفسه، مسؤولية تمثيل صورة المملكة أمام ملايين المسافرين.
فالخطوط الملكية المغربية ليست مجرد شركة طيران عادية؛ إنها الناقل الوطني، وواجهة من واجهات المغرب، وجسر يربط المملكة بمغاربة العالم وبعدد كبير من الوجهات الدولية. ولذلك فإن أي خلل في التعامل مع المسافر لا ينتهي عند حدود مطار أو رحلة، بل ينعكس على صورة المغرب نفسه.
أسعار مرتفعة.. وانتظارات أكبر
من أكثر ما يثير استياء المسافرين أن أسعار تذاكر بعض الرحلات، خصوصاً خلال فترات الذروة والمواسم الصيفية، تكون مرتفعة، بينما لا يشعر المسافر دائماً بأن مستوى الخدمة يوازي ما دفعه.
المشكلة ليست في ارتفاع السعر وحده، فالسفر الجوي يخضع للعرض والطلب، وإنما في المعادلة التي يشعر بها الزبون: إذا كان الثمن مرتفعاً، فمن الطبيعي أن تكون الخدمة في مستوى التوقعات.
والمسافر الذي يدفع مبالغ مهمة لا يريد امتيازات استثنائية، بل يريد أبسط حقوقه: رحلة في موعدها، معلومات واضحة، تعاملاً محترماً، وخدمة فعالة عندما يحدث طارئ.
التأخير والإلغاء.. الاختبار الحقيقي
لا يمكن لأي شركة طيران أن تضمن غياب التأخيرات أو الإلغاءات بشكل كامل، فهناك ظروف جوية وأسباب تقنية وتشغيلية وأمنية قد تفرض تغيير برنامج الرحلات.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكون عندما تسير الرحلة بشكل طبيعي، وإنما عندما يحدث الخلل.
وهنا تحديداً تتحدد صورة الشركة لدى المسافر: هل يتم إبلاغه بسرعة؟ هل يحصل على تفسير واضح؟ هل يجد موظفين قادرين على مساعدته؟ وهل تتم إعادة تنظيم سفره بطريقة تحفظ وقته وكرامته؟
واللافت أن الخطوط الملكية المغربية نفسها تؤكد، في صفحاتها الرسمية الخاصة باضطرابات الرحلات، أن المسافر يمكن أن يستفيد، بحسب الحالة، من إعادة التوجيه أو الإيواء أو الوجبات أو استرجاع قيمة التذكرة. (Royal Air Maroc)
لكن بين ما تنص عليه الإجراءات وبين ما يعيشه المسافر على أرض الواقع، قد توجد فجوة تحتاج إلى المعالجة.
المسافر ليس رقماً في نظام الحجز
المشكلة الأكبر ليست دائماً في الطائرة، وإنما في طريقة التواصل مع المسافر.
عندما يتعرض شخص لتأخير طويل أو إلغاء رحلة، فإنه لا يحتاج إلى رسالة آلية فقط تخبره بأن رحلته تغيرت. إنه يحتاج إلى إنسان يشرح له ماذا حدث، وماذا سيحدث، ومتى سيتمكن من مواصلة رحلته.
فالرقمنة مهمة، والتطبيقات والإشعارات الإلكترونية ضرورية، لكن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلاً عن التواصل البشري، خصوصاً في الأزمات.
وحتى الشركة نفسها توفر منصة لتلقي شكايات المسافرين ومعالجتها، وهو أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكن جودة خدمة ما بعد البيع تقاس في النهاية بسرعة الاستجابة وفعالية الحل، وليس بمجرد وجود نموذج إلكتروني لتقديم الشكاية. (Royal Air Maroc)
الناقل الوطني يحتاج إلى عقلية خدمة
الخطوط الملكية المغربية حققت، بلا شك، حضوراً مهماً على المستوى الدولي، وتؤدي دوراً استراتيجياً في ربط المغرب بعدد كبير من المدن والقارات.
لكن النجاح المؤسساتي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل تجربة الزبون.
فالناقل الوطني الذي يريد أن يكون لاعباً عالمياً لا يمكن أن يكتفي بتوسيع شبكة الخطوط أو زيادة عدد الطائرات؛ عليه أيضاً أن يستثمر في العنصر البشري، وفي مراكز الاتصال، وفي خدمات المطارات، وفي سرعة معالجة الشكايات، وفي تعويض المسافر عندما يكون ذلك مستحقاً.
مغاربة العالم أولى بخدمة أفضل
وتزداد المسؤولية خلال فصل الصيف، عندما يعود ملايين المغاربة المقيمين بالخارج إلى وطنهم، ويصبح السفر بالنسبة إلى كثير منهم جزءاً من علاقة عاطفية وإنسانية بالمغرب.
هؤلاء لا ينبغي النظر إليهم فقط باعتبارهم زبناء يشترون تذاكر باهظة خلال موسم الذروة، وإنما باعتبارهم سفراء للمغرب في بلدان إقامتهم.
ومن غير المقبول أن يتحول سفر الأسرة المغربية إلى الوطن إلى تجربة من القلق بسبب التأخير أو غياب المعلومات أو صعوبة التواصل.
النقد ليس عداءً للشركة
انتقاد الخطوط الملكية المغربية لا يعني التشكيك في أهميتها، ولا التقليل من قيمة الأطر والطيارين والموظفين الذين يعملون في ظروف صعبة للحفاظ على حركة الأسطول والرحلات.
بل العكس تماماً.
الشركات الوطنية الكبرى تحتاج إلى النقد أكثر من غيرها، لأن حجم مسؤوليتها أكبر.
والمطلوب اليوم ليس الدفاع عن الشركة في مواجهة كل انتقاد، وإنما الإنصات إلى المسافرين، وقياس مستوى الرضا، ونشر مؤشرات واضحة حول التأخير والإلغاء ومعالجة الشكايات، وتحويل كل تجربة سلبية إلى فرصة لتحسين الخدمة.
فالخطوط الملكية المغربية تحمل اسم المغرب قبل أن تحمل اسمها التجاري.
ولهذا فإن المسافر لا يريد منها المستحيل؛ يريد فقط أن يشعر بأنه زبون محترم، وليس مجرد رقم في قائمة المسافرين.
وفي النهاية، فإن قوة الناقل الوطني لا تقاس فقط بعدد الوجهات والطائرات، وإنما أيضاً باللحظة التي يجد فيها المسافر نفسه عالقاً في المطار ويتساءل: من سيشرح لي ما يحدث؟ ومن سيحل مشكلتي؟
وهنا تحديداً، تبدأ المعركة الحقيقية لجودة الخدمة.
