هل نشهد تغييرا في الانتخابات المقبلة ؟ أم تستمر متلازمات الفساد السياسي !!

بقلم – ذ. محمد بادرة

يعيش نظامنا الانتخابي أزمة في منابته الأصلية حيث أصبحت قطاعات واسعة من المجتمع ترى فيه مجرد مصعد اجتماعي لفئة محدودة من النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والتي تستغل الانتخابات لتحقيق مقاصد شخصية ومكاسب ريعية، وعليه تعمل على “اختطاف” ارادة المواطن لأجل تحقيق هذه المكاسب وتعزيز هيمنتها على المجال السياسي وباقي المجالات الأخرى.. لكن ورغم ذلك سيبقى العمل السياسي والنظام الحزبي هو الآلية الوحيدة التي تطور العملية الديموقراطية وتوسع مساحة الحريات كقيم وثقافة قبل أن تكون هياكل ومؤسسات كما أنها آلية أساسية لحسم الصراعات والتنافسات عبر وسيلة الانتخاب وصناديق الاقتراع.

ردّا على تيار المقاطعين والرافضين للانتخابات فان المقاطعة ليست حلا موفقا لأن رفض التصويت تتيح فرصة ثمينة للفاسدين والانتهازيين والفاشلين من سرقة وأخذ أدوار سياسية وسلطة تمثيلية لا يستحقونها وغير مؤهلين لها وهم أساسا لا يهمهم أن يكونوا “نوابا ” أو “ممثلين للشعب” بل هم على العكس من ذلك يعدّون خصوما للديموقراطية وللمواطن لأنهم لا يحتاجون الى البرلمان أو الى المؤسسات التمثيلية الا لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية لا يستحقونها.. وهنا تأتي حتمية التلازم بين المشاركة الانتخابية والممارسة الديموقراطية والتداول السلمي على السلطة بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية مما يساعد على القضاء على الفساد السياسي الذي يعد أكبر معوّق للديموقراطية. في نفس هذا السياق يشير الفقيه السياسي الفرنسي Michel Coudrec الى هذه المتلازمة بقوله (لا وجود لدولة القانون عندما لا تتم مناقشة القانون بحريّة في مجلس تشريعي منتخب ديموقراطيا).

ان أزمة الانتخابات أو أزمة التعبير التمثيلي تعبر عن غياب ارادة سياسية حقيقية وتؤشر على تدني وتدهور المكانة أو القيمة السياسية والاجتماعية للأحزاب وتراجع حيز تأثيرها وجاذبيتها وقدرتها على تأطير وتوجيه الرأي العام:

  • فهل فقد المواطنون نخوة التصويت وتلاشت ثقتهم بالسياسيين وبالأحزاب؟

-هل ضعف المشاركة في الانتخابات ناجم عن الصورة الباهتة لمؤسسة البرلمان في ذهنية الناخب المغربي بمختلف فئاته وقواه الاجتماعية وبالتالي الصورة السيئة والمقرفة للعمل النيابي في ذهنية المغاربة؟

من بين الأسباب التي نراها قد تكون ساهمت في هذا التراجع المستمر في المشاركات الانتخابية:

ا- هيمنة الشعبوية كأيديولوجيا زائفة في الخطاب الحزبي.
ب- اضعاف المسؤولية السياسية في نظام التحالف الحكومي.
ت- هيمنة المال السياسي الفاسد وتحويل العملية الانتخابية الى سلعة للبيع.
ث- تراجع الثقة بالأحزاب الوطنية.

1- الشعبوية كأيديولوجية خلاصية زائفة
الخطاب الشعبوي بدأ يتوسع في وسائل التواصل الرقمي والحزبي وخصوصا مع اقتراب “الامتحان” الانتخابي، ويتسم ببؤسه وبساطة لغته السياسية ويتغذى من أحاسيس التهميش والحرمان، ويتشرّب من ينابيع “الغضب” و”الرفض الشعبي”، يقيم جدارا أخلاقيا واهما يقوم على نحو مضلل من خلال افتراض صراع بين جناحين سياسيين يقدّم الأول على أنه يمثل غالبية المواطنين، يؤمن بأفكار “الإصلاح” لتغيير واقع التهميش والحرمان والقمع ويقدّم الثاني على أنه جناح سياسي ظالم مستحوذ على الثروة ومتحكم في السلطة وهم الأقلية من الشعب وهم النخبة !!

شيوع هذا النوع من الخطاب الشعبوي البسيط في وسائل الإعلام الجديدة أو في وسائل التواصل الاجتماعي ناجم عن عجز الأحزاب التقليدية عن تجديد خطاباتها التي فقدت بريقها وانحسرت الفروق بينها حتى صارت متقاربة ورتيبة ومفتقرة الى هوية سياسية واضحة تسمح للمواطن التمييز بينها. هي أحزاب عاجزة عن ضخ دماء جديدة وتطوير آليات التجنيد والتصعيد في داخلها مما يؤدي الى اعادة تدوير أو اعادة انتاج نفس النخب والقيادات الفاسدة والعاجزة في مستوياتها القيادية وهو ما أدى الى أن تتراجع معدلات ونسب المشاركة في الانتخابات وحصول أزمة في التمثيل وانخفاض أعداد الملتحقين بالأحزاب.

يربط حسن أوريد بين صعود الشعبوية وبين أزمة التمثيل التي تعيشها الديموقراطيات المعاصرة ويرى أنه حين تفشل الأحزاب في أداء دورها الوسيط، وحين تتحول السياسة الى أداة تقنية منفصلة عن هموم المواطنين يتعمق الإحساس بالاغتراب السياسي ويصبح خطاب “الشعب الحقيقي” أكثر جاذبية، غير أن الكاتب يفصل بين الغضب الاجتماعي المشروع وبين توظيفه الشعبوي معتبرا أن الشعبوية لا تحل أزمة التمثيل بقدر ما تعيد انتاجها في شكل أكثر اختزالا وخطورة. فالزعيم أو القائد في المنظومة الشعبوية لا يقدم نفسه شخصا قابلا للنقد أو المحاسبة بل يعتبر نفسه تجسيدا حيا للإرادة الشعبية، وتفرده بالقرار انما يأتي باسم التفويض “الشعبي” وبالتالي فعلاقته بالجمهور هي علاقة قداسة تتجاوز التعاقد السياسي والمؤسساتي، ونحن اليوم يمكننا أن نبرر خلود بعض قادة الأحزاب الوطنية واستمرارهم في الجلوس على كراسي القيادة الى تشربهم من الثقافة الشعبوية وهو ما يهدد القيم الديموقراطية.

ان ضيق الأفق السياسي لدى أغلبية أحزابنا القديمة منها أو الحديثة النشأة هو الذي سمح للخطاب الشعبوي أن يغطي على هذا العجز الذي تعانيه الأحزاب الوطنية وكذا ضعف النخبة السياسية والثقافية وعدم قدرتهما على بناء مشروع مجتمعي مستقبلي مما يسهل على الشعبويين “الحزبيين” وغير الحزبيين الركوب على (عواطف الجماهير).. يدغدغون عواطف الفقراء ويجيشون الشباب العاطل ويهيجونهم للخروج الى الشارع دون تأطير تنظيمي أو توجيه سياسي كما تفننت هذه “الزعامات” الشعبوية في تعليب الشعارات وصنع الأحلام الواهمة وخداع المواطنين والشباب منهم واستغلال عطشهم لتحقيق العدالة الاجتماعية بشعارات جذابة للوصول الى مآربهم دون تحقيق حقوق المخاطبين بتلك الشعارات. لاحظ المنظر السياسي كانوفان مارغريت وجود ترادف بين الخطاب الشعبوي مع الغوغائية لأنهم يقدمون اجابات سياسية مفرطة البساطة على أسئلة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة بطريقة عاطفية للغاية أو بالانتهازية لأنهم يسعون –فقط- الى ارضاء الناخبين دون اعتبارات منطقية بمسار العمل السياسي الرصين ومن ذلك مثلا: (ايهام الشباب العاطل بتوفير الوظائف للجميع قصد جذبهم الى صفوفهم)-(اعطاء الوعود الوهمية الى الطبقة العاملة بالرفع المتواتر للأجور وزيادة الدعم للأسر والفئات الهشة دون مراعاة التوازنات الاقتصادية بهدف كسب رضى الفئة العريضة من الناخبين) -(استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة عن شخص ودور الزعيم “الشعبوي” في انقاذ البلاد والعباد)-(ربط الأزمات الاجتماعية والسياسية بالمؤامرات الخارجية..)..

  • الشعبويون يقدمون أنفسهم كممثلين حقيقيين للشعب ويزعمون أنهم وحدهم من يعبر عن آلامهم وآمالهم وهم لسان المواطن يتكلمون باسمه، وينوبون عنه في المواقف والقرارات في مقابل معارضتهم ومحاربتهم للنخب التي يتهمونها بالفساد واحتكار السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام وهم بذلك يعادون التعدد والاختلاف كما يفصلون بينهم وبين الآخرين بفاصل أخلاقي وليس بتمييز ايديولوجي وسياسي (يمين أو يسار) ويقوم الاستقطاب السياسي في خطابهم الشعبوي على ثنائية حادة هي (نحن) و(هم) كما يكثر في خطابهم أو(خطبهم) هذا الفصل الأخلاقي وكأنهم أناس طاهرون أنقياء وأتقياء والآخرون(النخبة) “هم” فاسدون خبثاء مفترسون يخونون مصالح المجتمع والأمة؟؟ هكذا يصنفون قوى المجتمع ونخبه وينتقدون المؤسسات حتى يحتكروا الاستقطاب السياسي !! . يرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية، فالديماغوجي يهدف الى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه كما يقول أن للشعبوية عددا من الخصائص من بينها أنها تمثل ثورة ضد النخبة وتزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن ادراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود الى “مكيدة” وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار.

هذا الخطاب الشعبوي بدأ يهمن على الفضاء الإعلامي الرقمي في بلدنا وفي وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا، ينبت كالفطر وينفت سمومه “الشعبوية” يمينا ويسارا، يشيطن كل النخب السياسية، يقلل من قيمة وشأن الأحزاب السياسية دون التمييز بينها ويثير النعرات العرقية والقبلية ويستهدف تخوين فئة من المثقفين ويعتمد أسلوب التشكيك في الحقائق والوقائع ويريد أن يستبد ويستقطب الناس والناخبين متجاوزا القوانين والهياكل والمؤسسات الحزبية أو غيرها.

2- نظام التحالف الحكومي تحوّل الى آلية لإضعاف المسؤولية السياسية
نظام التحالفات الحزبية ما بعد الانتخابات لأجل تشكيل الحكومات لا يساعد على تأسيس مجتمع سياسي مستقر ومنتج، ولا يبني استقرارا ديموقراطيا، ولا يساعد المجتمع السياسي على الاستقطاب، ولا يبني ثقافة سياسية ديموقراطية تعيد الثقة للمجتمع المدني، ولا يقدم الممارسة السياسية المسؤولة والناجعة، وانما يعمل على الابقاء على الفساد السياسي واستمرار سياسة الريع الحكومية والحزبية مما يتسبب في اضعاف هذه المؤسسات الدستورية. ولقد كانت تكلفة التحالفات السابقة وحتى الحالية التي عرفها المغرب كارثية على المجتمع السياسي المغربي لأنها أفرزت خلائط حزبية شكلت لنا حكومات هجينة بتركيبات حزبية – تكنوقراطية لا تتقاسم وحدة المرجعية الايديولوجية ووحدة البرنامج السياسي ووحدة الرؤية الاستراتيجية المتعارف عليها في التحالفات التي تتشكل في الأنظمة الديموقراطية. فماذا يجمع حزب علال الفاسي بحزب البام وبحزب الأحرار؟ ألا يعتبر هذا النوع من التحالف خيانة لإرادة الناخب لأنه عندما ينتخب حزبا ذي مرجعية ليبيرالية ودينية محافظة(علال الفاسي صاحب كتاب مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها) يدافع عن هوية ولغة قومية، فالأولى له احترام هذا الخيار الفكري والسياسي والإيديولوجي والابتعاد عن التحالف مع أحزاب تكنوقراطية ورأسمالية كانت بالأمس القريب يتهمها بهدر ترواث البلاد وتعميم الفساد السياسي وتفويت المؤسسات العمومية للخواص؟؟

وبعد أكثر من عقدين من هذه التحالفات الحكومية (بدءا من حكومة التناوب التوافقي الى الحكومة الحالية) يتزايد الشعور بأن نظام المحاصصة الحكومية لم يعد قادرا على انتاج سلطة فعّالة وعلى ضمان التداول الحقيقي للسلطة ولا على المحافظة على الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والحكومة.

لقد نشأت المحاصصة أو تجارب التحالفات الحزبية الحكومية في ظروف استثنائية حين كان الخوف في الماضي من هيمنة مكون حزبي على باقي المكونات الحزبية الأخرى (حزب الاستقلال وصراعه المرير مع حزب الشورى والاستقلال) وبدت حينها التعددية وتجربة التحالف بين الأحزاب لتشكيل الحكومة حلا لإدارة التعددية الحزبية المغربية غير أن المشكلة الكبرى لم تكن في اعتماد هذا الأسلوب بصورة انتقالية بل في تحوله الى قاعدة دائمة في تشكيل الحكومات والى جزء من الثقافة السياسية السائدة في حين أن الثقافة الديموقراطية الحقيقية تفترض في الأحزاب الإعلان عن تحالفاتها قبل خوض الانتخابات حتى يكون الرأي العام على بينة قبل التصويت وحتى تكون التعاقدات واضحة وشفافة أما ترك أمر التحالف الى ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات فانه يجعل الأحزاب رهينة النتائج وقوة اللوبيات وانتهازية القادة وهذا ما يشعر المواطن أن صوته لا يملك القدرة الكافية على التأثير في تشكيل الحكومة؟؟؟

ان التحالفات الانتهازية بين الأحزاب لا تؤسس لمجتمع سياسي مستقر وانما تسبب في اضعاف مفهوم المسؤولية السياسية فعندما تشارك أغلبية القوى السياسية في الحكومة يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الاخفاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية (من هو المسؤول عن اختلالات توزيع أموال الدعم على “الفراقشية”: رئيس الحكومة أم الوزير؟ وزير الفلاحة أم الحزب الذي يمثله؟)- (من هو المسؤول عن ارتفاع أسعار الطاقة: رئيس الحكومة أم وزير القطاع؟ أم شركات التوزيع؟) – (من سيحاسب رئيس الحكومة؟ أم الوزراء؟ أم الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية ؟) هذا التيهان يصيب المواطن بالدوار دون أن يعرف من المسؤول عن كل هذه الاختلالات والاختلاسات خصوصا عندما “يتبرأ” بعض وزراء من مسؤولية الغلاء أو الدعم أو الفساد في هذا القطاع أو ذاك ؟؟ وكأن الحكومة تحولت الى تحالف واسع من الشركاء (لا الأحزاب) الذين يتقاسمون المناصب والمكاسب بينما تضيع المسؤولية بين الجميع وفي المقابل لا تتشكل معارضة قوية وقادرة على الرقابة والمحاسبة لأن معظم القوى المؤثرة تكون جزءا من الحكومة نفسها !!

ان الإصلاح السياسي الحقيقي لا يبدأ من نظام التحالفات الحزبية أو تآلفات “القادة” بل يبدأ من اعادة النظر في القواعد التي تحكم العملية السياسية، اننا في حاجة الى نظام انتخابي يعيد الاعتبار لصوت الناخب ويؤسس لوجود أغلبية متجانسة ايديولوجيا وبرامجيا مع معارضة فاعلة.

3- المال السياسي الفاسد يحوّل العملية الانتخابية الى سلعة للبيع
الفساد السياسي له تأثير سلبي واسع على منظومة القيم المجتمعية (الأخلاق العامة) ومن أخطر وظائف هذا الفساد التحكم والهيمنة وتوجيه القرارات السياسية العامة لخدمة مصالح خاصة وفي مناخه وأجوائه تكون المؤسسات السياسية والتنظيمات الحزبية بيئة حاضنة للفساد والإفساد، ويعد الفساد الحزبي جزء هام من الفساد العام منه ينشأ التمويل المالي الفاسد والغش الانتخابي، ومع تسرّب المال السياسي الفاسد يتضخم النفوذ السياسي والاقتصادي لقوى مجتمعية محتكرة للرأسمال، وتتصاعد قوة رجال المال والأعمال وسطوتهم على الأحزاب السياسية مع احتضانها وتمويلها في مقابل استخدام الحزب كخصم أو شريك مع السلطة لتحقيق مصالح خاصة أو فئوية. في ظل هذا الاختراق السياسي والتنظيمي والمالي الفاسد يحدث الانحراف الحزبي والانتخابي ويتلوث المجال السياسي العام بمؤثرات الفساد وغيرها من الانحرافات التي تستوطن بيئة الأحزاب.

في سياقنا الداخلي يلعب المال السياسي الفاسد دورا حاسما في تغيير نتائج الانتخابات للتحكم في الخريطة الحزبية وتحديد تركيبة البرلمان بأغلبيته ومعارضته وتوجيه القرار السياسي لخدمة التحكم مما ينعكس سلبا على جوهر العملية السياسية الديموقراطية من حيث تكافؤ الفرص ونقاء التنافس وصدق تمثيل الارادة الشعبية. المال السياسي الفاسد هو كل ما يستخدم من أموال وهدايا ووعود بهدف التأثير غير المشروع على العملية الانتخابية أو نتائجها سواء تم عبر شراء أصوات الناخبين أو تمويل الحملات الانتخابية بطرق غير شفافة أو تقديم هبات ووعود مالية للمرشحين والناخبين أو استخدام موارد الدولة (سيارات – تجهيزات – ..) أو النفوذ الاقتصادي والمالي والإداري لكسب تأييد سياسي. كما يتجسد المال السياسي الفاسد في استغلال الموارد العمومية لمؤسسات الدولة ويحدث ذلك عندما يستخدم بعض المسؤولين الترابيين أو برلمانيين سيارات الدولة أو يستعينون بموظفين تابعين لإداراتهم الترابية فيحشدوهم ويجندونهم بغرض الدعاية الانتخابية.. ويعتبر الضغط على الناخبين من أخطر أنواع الضغط بل وأخطر من المال السياسي الفاسد لأنه يحوّل الدولة ذاتها الى فاعل انتخابي والمال السياسي الفاسد يشوه الارادة الشعبية لأنه يفرغ الانتخابات من مضمونها ويحول العملية الانتخابية الى معادلة مالية لا سياسية.

المال السياسي الفاسد يؤثر سلبا على الأحزاب الديموقراطية وعلى الكفاءات الوطنية فالأحزاب الديموقراطية التي تعتمد على برامج سياسية ومجتمعية وثقافية لن تتمكن من منافسة قوى مالية اوليغارشية كبرى ولذا تضطر الكفاءات الوطنية النزيهة بالخروج من السباق لصالح أصحاب المال والنفوذ مما يؤدي الى هجرة هذه الكفاءات أو اعتزلها للعمل السياسي. أما الآثار الاجتماعية والاقتصادية للمال السياسي الفاسد فهو تطبيع الفساد في الوعي الجمعي حين يصبح بيع الصوت الانتخابي أو قبول الرشوة الانتخابية أمرا معتادا ويتحول الفساد الى ثقافة ويصبح الناخب يرى صوته فرصة اقتصادية أو فرصة لتحقيق مآرب خاصة لا حاجة سياسية وممارسة ديموقراطية، كما يعمق الفجوة الطبقية لأن المال السياسي يتيح للأثرياء الوصول للسلطة بسهولة بينما يقصى المواطنين ويسبب في هجرة الكفاءات الوطنية النزيهة للميدان السياسي.

لكن ليس كل تمويل انتخابي غير قانوني اذ أن التشريعات الوطنية تسمح بتمويل الحملات الانتخابية ضمن سقوف وحدود وضوابط محددة. لقد سمح القانون التنظيمي للأحزاب بالاستفادة من دعم عمومي للمساهمة في تغطية مصاريف تدبير الأحزاب والاستفادة من دعم الحملات الانتخابية ومن دعم سنوي يعتبر فيه عدد الأصوات المحصل عليها، كما يسمح فيه بالدعم حتى للأحزاب التي تحصل على عتبة 3% لكن المال السياسي الفاسد يتجاوز هذه الضوابط ليصبح أداة للهيمنة وليس اداة للتعريف بالبرنامج الانتخابي وهنا يكمن الخطر في عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين وغياب المنافسة العادلة.

مواجهة المال السياسي الفاسد ليست مهمة تقنية أو إدارية فحسب بل هي مهمة سياسية واجتماعية تتطلب اصلاحات مؤسسية وثقافية شاملة فدون كبح هذا السرطان المالي ستظل الانتخابات واجهة شكلية وستبقى الديموقراطية هشة وسيظل الواقع الانتخابي أسيرا لأصحاب المال والنفوذ لا لأصحاب البرامج والسياسات الاجتماعية الوطنية.

4- تراجع الثقة بالأحزاب السياسية
أ – في المشهد الحزبي الوطني تعيش أحزابنا السياسية أزمة بنيوية عميقة تتمثل في اختلال النظام الحزبي وتضخمه العددي غير المنضبط وتناقضه مع كل منطق ديموقراطي أو تمثيلي، وأن كثرة أعدادها لا تعكس تعددية ديموقراطية ومذهبية بل تشير الى فوضى حزبية مقنعة لا تؤدي الى التداول الحقيقي للسلطة بل أن بعضها يستغل المؤسسات التمثيلية الوطنية والجماعاتية لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية مما جعلها تخفق في تحقيق طموحات جماهيرها كما أنها لم تتطور لا على مستوى الفكر ولا على مستوى التنظيم وبقيت جامدة على مستوى الأداء مما حولها الى هياكل فارغة وتنظيمات بلا جدوى.

ب – في مشهدنا السياسي يقوم النظام الحزبي على مبدأ واضح أن الدولة لا تقيّم الأداء السياسي للأحزاب بل تترك هذا الحكم للمواطنين عبر صناديق الاقتراع، والحزب الفاشل يعاقبه الناخبون انتخابيا فيخسر التمثيل البرلماني أو يتقلص عدد نوابه ويفقد الحق في تكوين فريقه البرلماني، كما يخسر قاعدته الشعبية وهو ما قد يتسبب له في الانشقاق أو التآكل والتلاشي والاندثار من الوجود التنظيمي ثم يفقد حجما من التمويل التي يتلقاه من الدولة أو من الشركاء والمتعاطفين والمنخرطين. لذا تعتبر الانتخابات هي الآلية الأساسية للمحاسبة الديموقراطية أما المؤسسات الرقابية الأخرى فلا تتدخل الا في قضايا النزاعات التنظيمية وغيرها(المؤسسة القضائية ) وتحتاج الأحزاب السياسية الى مراجعة سريعة لأدائها وتركيبها لأنها ليست ملكا لأشخاص أو لمجموعة من اللوبيات بل هي نتاج تضحيات أجيال متعاقبة وأفكار علماء ومفكرين ودماء شهداء مناضلين ودموع متعاطفين وعليه يجب على كل سياسي وكل مثقف وفاعل جمعوي وحزبي أن يعمل على اصلاح الحقل الحزبي وتأهيله.. والمدخل السياسي للإصلاح يبدأ من تأهيل الأحزاب وتجديدها.

ج – في قراءة للمتغيرات الثقافية والايديولوجية للظاهرة الحزبية المغربية يلفت النظر اختفاء الايديولوجيات والنظريات العقائدية الملهمة للقوى الاجتماعية الفاعلة وخصوصا الشباب والعمال والفئات المتوسطة، ولم يعد محور الصراع ولا موضوعه يدور حول اليسار واليمين على الرغم من حدة الاشتباك والتضاد النوعي بين الأحزاب المحافظة وأحزاب المعارضة وبالتالي حلت العوامل المادية المرتبطة بمستويات المعيشة (الأسعار- الأجور- ..) والخدمات الاجتماعية (الشغل– الصحة- التعليم..) والبنيات التحتية (الطرقات – السدود- الموانئ-..) حلت محل المعجلات العقائدية التي كانت سابقا تدفع الناس الى الاحتجاج والخروج الى الشارع العام ( كما حصل في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ) وكانت المنظمات السياسية الحزبية اليسارية خصوصا هي التي تؤطر الحركات الاحتجاجية ميدانيا في الشارع وتقود قياداتها التاريخية والوطنية التظاهرات والمسيرات لكن مع سقوط جدار برلين سقط الجدار الايديولوجي عن الأحزاب اليسارية وانجرفت مجبرة مع تيار العولمة التي “أنجبت” لنا جيلا جديدا من النخب الشابة تؤمن بالمتبدلات المتسارعة في الأفكار والماديات وأصبح تدجينه في عقيدة معينة غير ممكن وقد جعله الانفتاح الإعلامي على تواصل شديد واختلاط كبير مع ثقافات وحضارات العالم المختلفة فأصبحت الأحزاب اليسارية مع مرور الوقت أمام جيل جديد بعثر كل المنظومات الفكرية التي تستطيع جذب الشباب الى حقولها الميغناطيسية فأصبحنا أمام عصر موت الايديولوجيا وانتصار التكنولوجيا وأمام جيل يسعى للحاق بالتطور السريع في التكنولوجيا الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي مما يتطلب استبدال الذهنية السياسية التقليدية التي تدير تنظيماتها الحزبية بأسلوب الديكتاتوريات وأفكار القرن التاسع عشر وهو ما أضاع عليها الطريق نحو الديموقراطية وتوسيع الحريات وتجذير تيار التنوير والحداثة.

د – افتقاد أغلب الأحزاب السياسية الى الايديولوجية الموضوعية جعلها غير قادرة على أن تضع حدا فاصلا بين العمل الاجتماعي والسياسي فالأول يتفرع من واجب الحزب في دعم الفئات الاجتماعية المتضررة اجتماعيا وتنمية قدراتها الثقافية والتواصلية والاستجابة لاحتياجاتها أما الثاني فيتصل بضرورة العمل على تنمية حرية الرأي والتعبير لذى الأفراد ورفع الوعي الشعبي ليكون الناخبون قادرين على التمييز بين البرامج الاجتماعية والسياسية لكل الأحزاب السياسية ويكونوا قادرين على أن ينتقوا الأفضل منها في الوقت الذي نجد بعض الأحزاب تستغل المناسبات الديموقراطية كالانتخابات العامة أو الانتخابات المحلية لتقديم خدمات رشوية بغية شراء الأصوات والولاءات بعيدا عن التنافس الحر والشريف مما يؤشر على أن أحزابنا تفتقر الى النضج السياسي كما أن ضعف الثقافة الديموقراطية داخل أحزابنا السياسية المغربية يتجلى في جمود النخبة الحزبية وسيادة الاقصاء الداخلي للأعضاء وللتيارات المعارضة للقيادة وانتشار شبكة الوسطاء داخل الأحزاب السياسية وسيادة المساومات في مختلف الممارسات الحزبية مما يعيد تدوير واعادة انتاج نفس الوجوه والقيادات الوطنية والمحلية بل الأخطر من ذلك أن ضعف التنظيمات الحزبية أضعفت قدرة البرلمان على انتاج القوانين والتشريعات الكفيلة بإحداث اصلاحات سياسية نوعية وتخليق الحياة العامة.

و –عجز التظاهرات الاحتجاجية التي بدأت مع الربيع العربي وعادت مع حراك جيل(Z) عن تعزيز دور ومكانة الأحزاب الوطنية واليسارية خصوصا بل أنها فشلت في ولادة حزب جديد يستطيع أن يملأ الفراغ ويستوعب الساحة السياسية وبذلك وصلنا الى نهاية الطريق التي عنوانها الفراغ الحزبي لعدم قدرة الأحزاب الوطنية على ممارسة اللعبة الديموقراطية وعلى انتاج حكومة سياسية قادرة على ادارة شؤون العباد والبلاد بطريقة تحقق تطلعات المواطنين.. وبالتالي تراجعت الثقة بالأحزاب السياسية الوطنية.

ان بلادنا في حاجة ماسة لإصلاحات سياسية تصب في اتجاه تحقيق ديموقراطية في المجتمع وبين جميع المكونات السياسية لتحقيق امكانيات التطور وامكانيات التنمية حتى يصبح بلدنا قادرا على خلق قفزات نحو التطور الديموقراطي ونحو التنمية الشاملة وهذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها ويقدر عليها الا الأحزاب السياسية القوية التي تملك القدرة على الانصات للمواطنين والالتحام بهم وحمل رسائلهم وممارسة الديموقراطية الداخلية بنفس القدر الذي تكافح فيه من أجل الديموقراطية داخل الدولة والمجتمع.

ان الشرط المسبق لإنقاذ الديموقراطية هو وجود أحزاب ديموقراطية حقيقية وقادة ايديولوجيون يقودون هذه المهمة، فاذا تحقق هذا الشرط أصبحت مكافحة الفساد بداية لاستعادة ثقة المواطنين، أما اذا غاب هذا الشرط فان الفساد سيزداد تحكما وانتشارا وتستمر أزمة الثقة في العمل السياسي والحزبي ويستمر عزوف الناخبين عن المشاركة السياسية.

فهل ستشهد الانتخابات المقبلة منافسة شريفة بين الأحزاب من حيث البرامج والمشاريع والاستقطاب أم ستسمر متلازمات الفساد تنهك البلاد والعباد ؟؟؟