بقلم – محمد بنطلحة الدكالي
شكلت أشغال لجنة الـ24 التابعة للأمم المتحدة، المنعقدة بنيويورك ما بين 15 و26 يونيو 2026، مناسبة جديدة لإبراز التناقض القائم في التعاطي الأممي مع قضية الصحراء. فبينما يعالج الملف داخل مجلس الأمن باعتباره نزاعا إقليميا يخضع لمسار سياسي يروم التوصل إلى حل واقعي ودائم ومتوافق بشأنه، تواصل لجنة الـ24 التعاطي معه باعتباره مسألة مرتبطة بتصفية الاستعمار.
وفي هذا السياق، قدم السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، مرافعة اتسمت بالقوة والانسجام والدقة القانونية، سعت إلى تفكيك الأسس التي يقوم عليها استمرار تناول الملف داخل لجنة الـ24 وإبراز التناقض القائم بين هذا المسار وبين الواقع الأممي الذي يحكم القضية اليوم.
وقد انطلقت هذه المرافعة من ملاحظة أساسية مفادها أن اللجنة ما تزال تعيد إنتاج النقاشات نفسها منذ عقود، في وقت يشهد فيه الملف تطورات سياسية ومشاورات متواصلة تجري تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن. فالقضية لم تعد تدار وفق المرجعيات التي سادت خلال مرحلة تصفية الاستعمار، بل أصبحت جزءا من مسار سياسي متكامل تقوده الأمم المتحدة بهدف التوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع.
ولإبراز هذا التناقض، أعاد السفير المغربي التذكير بحقيقة تاريخية أساسية تتمثل في أن مسار تصفية الاستعمار المرتبط بالصحراء انتهى سنة 1975 مع استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية عقب المسيرة الخضراء واتفاقية مدريد. فمنذ ذلك التاريخ لم تعد هناك قوة مديرة، ولم يعد هناك إقليم خاضع لإدارة استعمارية أجنبية، وهو ما يجعل استمرار تقديم القضية باعتبارها ملفا من ملفات تصفية الاستعمار أمرا لا ينسجم مع الوقائع التي عرفها الملف خلال نصف قرن.
وتكتسب هذه الحقيقة التاريخية أهمية إضافية إذا استحضرنا أن المغرب كان هو من طالب سنة 1963 بإدراج الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي التابعة للأمم المتحدة، باعتبارها آنذاك إقليما خاضعا للإدارة الاستعمارية الإسبانية. فقد جاء ذلك الإدراج في سياق دولي كانت فيه الأمم المتحدة تقود عملية واسعة لتصفية الاستعمار عبر العالم. غير أن الظروف السياسية والقانونية التي بررت هذا التصنيف تغيرت جذريا بعد إنهاء الوجود الإسباني بالإقليم سنة 1975، ما يجعل استمرار التعامل مع القضية بالمنطق نفسه بعد أكثر من ستة عقود أمرا يفتقر إلى الانسجام مع التحولات العميقة التي عرفها الملف.
وانطلاقا من هذه المعطيات، انتقل النقاش إلى جوهر الإشكال المؤسساتي داخل الأمم المتحدة. فالقضية أصبحت منذ سنة 1991 من اختصاص مجلس الأمن الذي يتولى الإشراف المباشر عليها. كما أن المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة وضعت أصلا لتفادي تداخل الاختصاصات بين أجهزة المنظمة، إذ تنص على أنه عندما يباشر مجلس الأمن مهامه بشأن نزاع معين، لا ينبغي للجمعية العامة أو أجهزتها الفرعية إصدار توصيات بشأنه إلا إذا طلب منها ذلك. ولذلك فإن استمرار معالجة الملف داخل لجنة الـ24 يخلق ازدواجية مؤسساتية لا تساعد على وضوح المسار الأممي ولا على الدفع بالحل إلى الأمام.
ويزداد هذا الإشكال وضوحا إذا ما استحضرنا طبيعة لجنة الـ24 نفسها. فقد أنشئت هذه اللجنة سنة 1961 بموجب قرار الجمعية العامة رقم 1654 لمتابعة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الصادر سنة 1960. وهي لجنة متخصصة في قضايا تصفية الاستعمار وترفع توصياتها إلى اللجنة الرابعة ثم إلى الجمعية العامة، في حين أن مجلس الأمن هو الجهاز الذي أناط به الميثاق المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين وتدبير النزاعات الدولية. كما أن مقررات لجنة الـ24 والجمعية العامة تظل ذات طبيعة توصياتية غير ملزمة، بينما يشكل مجلس الأمن الإطار الأممي الذي يدير فعليا الملف عبر قراراته الدورية وتقارير الأمين العام وجهود المبعوث الشخصي للأمين العام.
وفي مقابل هذا الطرح، يواصل ممثل الجزائر الدفاع عن القراءة التقليدية التي تعتبر القضية امتدادا لمسار تصفية الاستعمار في موقف عدائي يسعى إلى الإبقاء على الملف داخل إطار سياسي وقانوني تجاوزه الواقع. فالإصرار على إعادة إنتاج الخطاب نفسه، رغم التحولات التي عرفتها القضية، لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد النزاع وإبقاء النقاش داخل حلقة مفرغة بدل الانخراط في الدينامية السياسية التي يشرف عليها مجلس الأمن.
«لقد انتهى زمن التعامل مع قضية الصحراء المغربية باعتبارها ملفا من ملفات تصفية الاستعمار»— محمد بنطلحة الدكالي
لقد اكتسبت قضية الصحراء المغربية بعدا جديدا مع صدور القرار 2797 عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. فهذا القرار لا يمثل مجرد قرار دوري لتجديد ولاية بعثة المينورسو، بل يشكل منعطفا مهما في تطور القضية وخارطة طريق واضحة نحو تسويتها. فقد عزز القرار مكانة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الأساس الواقعي والجدي وذي المصداقية للحل، كما أكد مسؤولية الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع: المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو.
وقد أبرزت التطورات الأخيرة أن النقاش الدولي لم يعد يتمحور حول البحث عن إطار للحل، بل انتقل إلى مناقشة مضامينه وآليات تنزيله. فالمشروع المغربي للحكم الذاتي أصبح موضوع مشاورات سياسية فعلية، وقد تلقت الأطراف المعنية المشروع بشكل مفصل وناقشت عناصره في إطار العملية السياسية الجارية، ما يعكس انتقال الملف من مرحلة الجدل حول المبادئ إلى مرحلة دراسة الحلول العملية الممكنة. كما أن قرارات مجلس الأمن المتعاقبة كرست منذ سنوات مفاهيم «الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم والقائم على التوافق»، بما يعكس التحول التدريجي للمقاربة الأممية من منطق تصفية الاستعمار إلى منطق البحث عن تسوية سياسية تفاوضية للنزاع.
وفي موازاة ذلك، أظهرت الدورة الأخيرة للجنة الـ24 حجم التحول الذي عرفته البيئة الدولية المحيطة بالملف. فبينما واصلت الجزائر الدفاع عن أطروحة تصفية الاستعمار، عبرت عدة دول عربية وإفريقية خلال مداخلاتها عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي وللمسار السياسي الذي يشرف عليه مجلس الأمن. وقد عكس ذلك اتجاها دوليا متناميا نحو تبني المقاربة الواقعية التي يدافع عنها المغرب، في انسجام مع مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا ودول مجلس التعاون الخليجي وعدد متزايد من الدول الإفريقية. وقد تجسد هذا الدعم عمليا من خلال افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية عامة في العيون والداخلة، إضافة إلى مساندة أكثر من 130 دولة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
ولا تقتصر قوة الموقف المغربي على الدعم الدبلوماسي فقط، بل تستند كذلك إلى التحولات العميقة التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة. فقد تجاوز حجم الاستثمارات الموجهة إلى المنطقة 87 مليار درهم، وشملت مشاريع كبرى للبنية التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز الجهوية المتقدمة وتوسيع المشاركة السياسية للسكان.
إن استمرار إدراج القضية ضمن لجنة الـ24 يخلق وضعا مؤسساتيا ملتبسا يستغل لتقديم صورة لا تعكس التطور الذي عرفه الملف داخل الأمم المتحدة. فبينما يتعامل مجلس الأمن مع القضية باعتبارها موضوع مسار سياسي يروم التوصل إلى حل واقعي ودائم ومتوافق بشأنه، يستمر خصوم الوحدة الترابية للمملكة في الاستناد إلى وجود الملف داخل لجنة تصفية الاستعمار للإيحاء بأن الأمم المتحدة ما تزال تنظر إليه من الزاوية نفسها التي كانت مطروحة خلال ستينيات القرن الماضي، وهو ما لا ينسجم مع طبيعة النقاشات والقرارات التي تصدر عن مجلس الأمن منذ سنوات طويلة.
لقد انتهى زمن التعامل مع قضية الصحراء المغربية باعتبارها ملفا من ملفات تصفية الاستعمار. فالقضية توجد اليوم داخل مجلس الأمن وضمن مسار سياسي واضح المعالم يقوم على البحث عن حل واقعي ودائم ومتوافق بشأنه. أما الإصرار على إبقائها داخل لجنة الـ24، فلم يعد يؤدي إلا إلى إدامة وضع لم يساهم طوال عقود في تقريب الحل، بل يكرس استمرار الدوران في الحلقة المفرغة نفسها التي عطلت التسوية وأخرت استكمال بناء فضاء مغاربي مستقر ومندمج.
