بقلم – علي سكين
يستدعي التأمل في الواقع الراهن لقطاع الفلاحة بالمغرب جرعات من التفاؤل؛ إذ لم يعد الفلاح الصغير ذلك الكائن السلبي المستسلم، بل أضحى يمتلك وعيا حادا وسوسيولوجيا بواقعه الطبقي المأزوم، وبموقعه داخل سلاسل الإنتاج التي تستنزف عرقه اليومي. غير أن المفارقة السوسيولوجية الصادمة تكمن في نجاح اللوبياتالرأسمالية، ومالكي رؤوس الأموال الإقطاعيين، وكبار المضاربين، في تحريف مسار الصراع؛ فبدل أن يكون الصراع عموديا ووعيا موجها ضد الاحتكار والاقطاع، نجحت هذه النخب الاقتصادية في هندسة صراع أفقي بين المقهورين أنفسهم، فتحول الميدان إلى حلبة يتطاحنفيها الفلاح الصغير المغلوب على أمره مع العامل الأجير والمواطن الفقير، وأضحى يرى كل طرف في الآخر سببافي شقائه، بينما تتواري القوى الاحتكارية الكبرى خلف الستار، تجني الأرباح وتدير العشوائية من أبراجها العاجية.
تتغذى هذه الفوضى العارمة والاختلالات البنيوية من تخل صريح للمؤسسات الدستورية والتنفيذية عن دورها المحوري في تنظيم العلاقة بين الأفراد والدولة، وحماية المستهلك من تقلبات السوق؛ إذ اختارت هذه المؤسسات التخلي عن أدوارها الضبطية والحمائية، تاركة المواطن البسيط في مواجهة مباشرة مع فوضى الأسعار. ويتجلى هذا التخلي الواضح في غياب آليات المراقبة الصارمة والفعالة على أرض الواقع؛ حيث تحولت الأسواق والمحطات الطرقية إلى فضاءات مفتوحة للاحتكار والمضاربة غير المشروعة، في ظل اكتفاء الجهات الوصية بإصدار بيانات واهية وبلاغات لا تجد لها أثرا في الواقع المعيش.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها بمناسبة شعيرة عيد الأضحى، حيث تفجرت المفارقات الصارخة التي تعكس الفجوة السحيقة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي؛ فقد جاء تصريح وزير الفلاحة، ليؤكد أن أسعار الأضاحي تبدأ من 1000 درهم، ليفجر موجة عارمة من السخرية والاستياء الشعبي . ورغم محاولة الوزير الاستدراك لاحقا بالقول إنه أخطأ وأن الأسعار تبدأ من 2000 درهم، فإن هذه الواقعة عرت عمق الانفصال السوسيولوجي للمسؤولين عن حقيقة الرحبةالأسبوعية، حيث يجد المواطن نفسه عاجزا عن إيجاد أضحية تقل عن 3000 أو 4000 درهم . هذا الانفصال تزامن مع صدمة ثانية تمثلت في تصريح وزير النقل واللوجستيك، الذي شرعن وبرر فيه زيادة أسعار تذاكر حافلات النقل الطرقي بنسبة 20% خلال فترة العيد، بدعوى أن الحافلات تضطر للعودة فارغة بعد نقل المسافرين.
هذه القرارات والتصريحات المتلاحقة تكرس منطق الفوضى المنظمة وتضرب مبدأ السلم الاجتماعي؛ فمن جهة يطالب الوزراء المواطنين بـالنزول إلى الأسواق للتأكد من الوفرة، ومن جهة أخرى يشرعنون العبء المالي عبر زيادات النقل، متغافلين عن مدى توفر الوسائل وآليات المراقبة في المحطات الطرقية التي تحول نسبة الـ 20%القانونية إلى ابتزاز علني عشوائي قد يتجاوز أحيانا100% .كما يطرح هذا الوضع علامات استفهام كبرى حول جدوى الدعم الاستثنائي المباشر الذي تمنحه الحكومة لمهنيي النقل من أموال دافعي الضرائب لتفادي هذه الزيادات تحديدا.
إن هذه الفوضى في قطاع النقل والفلاحة والخطاب السياسي المنفصل عن الواقع، تلتقي مباشرة مع معاناة الفلاح والكساب المغربي، الذي يواجه بدوره تحديات حارقة نتيجة غلاء المحروقات وارتفاع أسعار الأعلاف وتوالي سنوات الجفاف. علاوة على ذلك وفي طل غياب آليات الضبط الحقيقية في الأسواق وترك الباب على مصراعيه أمام الشناقة والوسطاء، ساهم بشكل كبير فيإشعال الأسعار بشكل قياسي، وكان له الوقع على القدرة الشرائية للمواطن، وقدم لنا صورة واضحة عن سياسة التخلي المؤسساتي؛ حيث تصبح القوانين والقرارات الحكومية أداة لحماية التوازنات المالية للشركات واللولبياتبدلا من أن تكون درعا واقيا للمواطن، مما ساهم في تكريس مناخ من الإحباط وفقدان الثقة في قدرة المؤسسات على تدبير الأزمات الاجتماعية.
