التنمية الذاتية بأعين سوسيولوجية

بقلم – علي سكين
تتوخى هذه المقاربة النقدية تفكيك الارتباطات الهجينة بين مفاهيم باتت تفرض سطوتها في الخطاب المعاصر، للتوفيق بين نسقين متمايزين بوضوح، نذكر من بينها مفهوم الاقتصاد الإسلامي، الذي يجمع بين مفهومين؛ الاقتصاد بوصفه علما وضعيا خاضعا لقوانين السوق، والإسلام باعتباره منهجا قيميا وأخلاقيا، وهو ما يمكن وصفه بـزواج المصلحة الذي يسعى لدمج المتناقضات في قالب واحد من أجل تسليع الدين لكي يتناسب مع الأنماط الاستهلاكية الرأسمالية الحديثة. وعلى نفس المنوال، يبرز مفهوم التنمية الذاتية بوصفه نموذجا لهذا التلفيق، فهو مصطلح مشتق من حقلين متباينين؛ الأيديولوجيا الاقتصادية النيوليبرالية من جهة، ومزيج من الفلسفة الرواقية وبعض الحقول المعرفية لعلوم النفس (علم النفس الإيجابي، والإنساني، والسلوكي المعرفي، والتربوي…) والعلوم العصبية من جهة أخرى. لذلك تستدعي الضرورة التفكيكية إلى إدخال هذا المفهوم إلى غرفة عمليات السوسيولوجيا لإخضاعه لتشريح دقيق، لكشف البنى وعلاقات السلطة والقوى الكامنة والمحركة له؛ خاصة بعد أن تحول إلى ظاهرة تجتاح الأوساط الأكاديمية، والمعاهد المتخصصة، والفضاء الرقمي الذي بات يعج بـالمؤثرين والخبراء الجدد في هندسة الذات.
وعلى الرغم من محورية الدور السوسيولوجي في هذا الباب، إلا أن الاكتفاء بالوصف الظاهراتي يظل قاصرا ما لم يعززه تكامل معرفي يستدعي آليات تحليلية مكملة وحقول معرفية أخرى؛ حيث تبرز الإبستمولوجيا لتفكيك وإظهار الواقعة الصماء التي ستكشف لنا عن الخلل المنطقي الكامن وراء الجمع بين العلم الوضعي والمنهج القيمي لإنتاج هذا المفهوم الهجين الجديد ، وكذلك تحليل الخطاب لاستنطاق اللغة النيوليبرالية للمؤثرين والخبراء الجدد، إضافة إلى الأنثروبولوجيا الثقافية التي تدرس تبيئه هذه المفاهيم داخل المجتمعات المتعطشة والمتهافتة على المفاهيم المستوردة، وصولا إلى الاقتصاد السياسي لكشف التشابك بين رأس المال وبين هذه التوجهات؛ أي من يمول هذه المعاهد وما هي الجدوى الاقتصادية من تحويل الفرد إلى كائن بيروقراطي يبحث عن رفاهية ممنهجة (تنمية ذاتية) بدلا من البحث عن التغيير الاجتماعي.
من الناحية السوسيولوجية تعتبر التنمية الذاتية كفعل اجتماعي وبناء مؤسساتي تديره مجموعة من الفاعلين داخل مجال جديد يتكون من وخبراء التنمية ومؤثرين حاصلين على شواهد من طرف معاهد مختصة في هذا المجال يبيعون أكياس رخوة مملوءة بوصفات جاهزة من القواعد تحت غطاء علمي لخدمة استقرار المنظومة القائمة، حيث يتم تدريس التنمية الذاتية كأدوات تقنية للنجاح الوظيفي، مما يعزز فكرة أن قيمتك كإنسان تساوي قيمتك السوقية ومهاراتك القابلة للبيع، مما يتيح لهذه الجهات خلق وعي زائف بأن الحرية هي قدرتك على ضبط نفسك والسيطرة عليها، بينما هي في الحقيقة إعادة تدوير للإنسان ليكون صالحا للاستهلاك والاستخدام المستمر. يهدف هذا الوعي أو الإيديولوجيا الناعمة إلى إقناع الأفراد بأن فشلهم هو خطأ شخصي ناتج عن نقص في تطوير الذات، وليس نتاجا لخلل في البنية الاقتصادية أو الاجتماعية السائدة. لذا فالتنمية الذاتية تبرز كأداة ضبط وآلية لـتذويت الصراع الاجتماعي؛ أي تحويل المشكلات الناتجة عن خلل في البنى الاجتماعية والاقتصادية إلى مسؤوليات فردية محضة، مما يؤدي إلى استبعاد الفكر النقدي وتحويل الفرد إلى كائن منضبط ذاتيا بما يخدم استقرار المنظومة النيوليبرالية.
إن صعود المؤثرين وخبراء التنمية الذاتية في الفضاء الرقمي يمثل ظهور سلطة رمزية جديدة تتجاوز المؤسسات التقليدية (الأسرة، المدرسة، الجامعة، …)، حيث يتم إنتاج خطاب هجين يدمج بين التحفيز النفسي والمصلحة الاقتصادية لتعزيز قيم الاستهلاك تحت مسمى التطوير الشخصي، ليتحول إلى نوع من البيروقراطية الداخلية التي تخضع الروح البشرية لقواعد صارمة وأزرار تشغيل جافة، فلم يعد الإنسان داخل هذا البراديكم المعاصر كائنا يعيش التجربة بعفويتها، بل صار مديرا تنفيذيا لنفسه، مطالبا بتحسين أدائه في كل لحظة، وتحويل حتى أوقات راحته إلى استثمار لزيادة الإنتاجية لاحقا، مما يفرض نمذجة صارمة على المشاعر والأحلام، فتقاس قيمته بما ينجزه لا بما هو عليه، وتستبدل عفويته بقوائم إرشادية تحاول قمع القلق الطبيعي المطلوب وإحلال إيجابية مصطنعة مكانه، إنها ضريبة قاسية لنمط الحياة الحديث، حيث جرى تسليع النفس البشرية وتحويلها إلى منتج يحتاج لتطوير مستمر، لدرجة أن الهروب من هذه القواعد أصبح هو الآخر بضاعة تباع في سوق الاسترخاء والديتوكس الرقمي أي التخلص من السموم الرقمية. وأصبح الإنسان كموظف في شركة يمكلها، لكنه لا يجد فيها لحظة واحدة للراحة الحقيقية، لأن حبال وقواعد التنمية تلاحقه كلوائح إدارية صارمة لا تقبل النقد، وتحول هذا المزيج بين تسليع الذات وضغوط الحياة الحديثة خلق حالة من الاحتراق الداخلي باسم التطوير، وصرنا نطبق معايير الجودة على أحلامنا وعلاقاتنا، مما أفقدنا متعة التجربة لمجرد التجربة.