بروباغاندا فاشلة .. ازدواجية السرد الإعلامي الجزائري في مرآة الأحداث

في عالم الإعلام الحديث، لم يعد الصراع بين الدول يدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل أصبح ساحة مفتوحة لصياغة السرديات والتأثير على الرأي العام ، غير أن هذا التأثير يفقد قيمته حين يسقط في فخ التناقض والازدواجية، وهو ما يبدو جليا في تعاطي الغالبية من الخطاب الإعلامي الجزائري مع المغرب، حيث تتكرر المفارقات بشكل يصعب تبريره أو إخفاؤه.

لنأخذ مثالا واضحا: زيارة البابا ، حين استقبل المغرب البابا، سارع بعض الإعلام الجزائري إلى انتقاد الحدث، واعتباره خروجا عن الثوابت أو محاولة “للتلميع” ، لكن المفارقة تظهر حين تتحول نفس الزيارة، إذا ما كانت إلى الجزائر، إلى مناسبة للإشادة والانفتاح والحوار بين الأديان ، هذا التناقض لا يعكس اختلافا في المواقف بقدر ما يكشف عن خطاب ظرفي تحكمه الخلفيات السياسية أكثر مما تحكمه القناعات المبدئية.

هذا ما وصفه المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي ضمن نظريته حول “صناعة القبول”، حيث يرى أن الإعلام الموجه لا يسعى إلى نقل الحقيقة بقدر ما يعمل على تشكيلها بما يخدم السلطة ، وعندما يصبح نفس الحدث “مرفوضا” أو “محمودا” حسب الجهة الفاعلة، فإننا نكون أمام نموذج واضح لما سماه أيضا “الفلترة الإعلامية للواقع ”.

في سياق آخر، تبرز حادثة البليدة كنموذج أكثر حساسية ، فبينما تداولت معطيات قوية تشير إلى عملية انتحارية، اختار الخطاب الرسمي الترويج لرواية “قنينة غاز” ، هنا لا يتعلق الأمر فقط باختلاف في التقدير، بل بإشكال عميق في الشفافية ، الأنثروبولوجي والمفكر الفرنسي غوستاف لوبون ، الذي درس سيكولوجية الجماهير، كان قد حذر من أن تضليل الرأي العام في القضايا الأمنية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ “الجماهير قد تُخدع مؤقتا، لكنها تفقد ثقتها نهائيا عندما تكتشف التناقض”.

وعلى الصعيد الرياضي، أعاد تنظيم كأس إفريقيا الأخير طرح نفس الإشكال ، فبينما حظي المغرب بإشادة واسعة من متابعين وهيئات دولية ، اختار الإعلام الجزائري التقليل من هذا الإنجاز عبر توصيفات من قبيل أن الملاعب “مستوردة” وهو أقصى صور الغباء البشري ، غير أن هذه السردية اصطدمت بانبهار عالمي واضح، ما جعل الخطاب الناقد يبدو منفصلا عن الواقع ، وهنا يمكن استحضار قول المفكر والصحفي البريطاني إريك آرثر بلير (جورج أورويل) : “في زمن الخداع، يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا”، في إشارة إلى أن الإصرار على رواية مخالفة للواقع لا يلغي الحقيقة بل يكشفها أكثر.

ورغم هذا الزخم من الخطاب المضاد، يواصل المغرب تحقيق مكاسب دبلوماسية ملموسة، خاصة في ملف الصحراء المغربية ، ففي ظرف اسبوع ، برزت مواقف داعمة من دول متعددة مثل مصر ، كينيا ، هولاندا ومالي ، وهو ما يعكس دينامية دبلوماسية قائمة على التراكم والعمل الميداني، لا على ردود الفعل الإعلامية ، هذا التقدم يطرح سؤالا جوهريا : إلى أي مدى يمكن للبروباغاندا أن تصمد أمام الوقائع؟

إن البروباغاندا، كما عرفها “إدوارد بيرنيز “، تقوم على “هندسة القبول” عبر التأثير في وعي الجماهير، لكنها تظل رهينة شرط أساسي: الحد الأدنى من الاتساق ، وعندما يغيب هذا الاتساق، تتحول إلى أداة مكشوفة تفقد قدرتها على الإقناع.

في النهاية، لا يمكن لأي خطاب إعلامي أن ينجح على المدى الطويل إذا كان قائما على الانتقائية والتناقض ، فالمصداقية ليست ترفا ، بل هي أساس التأثير ، وبين خطاب يهاجم الحدث نفسه ويمدحه حسب الجهة، وواقع يفرض نفسه بقوة، تبقى الحقيقة هي الفيصل، مهما حاولت بعض الأصوات حجبها .