بقلم – ✍️ مصطفى عقيل
لا عجب في أن يهتم المغرب بشكل كبير بأمن واستقرار دول الخليج إلى درجة بالغة تدفعه إلى اتخاد مواقف إيجابية رسمية نحوها. فيصرح بذلك دبلوماسيا وإعلاميا بإدانته الشديدة لتعرض دول الخليج العربي مؤخرا لهجوم عسكري عقب الاعتداء المزدوج التي تشنه أمريكا وإسرائيل ضد إيران. وقد منعت السلطات المغربية كل المظاهرات الشعبية التي خرجت في عدد من المدن المغربية تنديدا بالعدوان على دول المنطقة وتحويلها إلى ساحة حرب لا تبقى ولا تذر. وجاءت هذه الوقفات الاحتجاجية بدعوة من الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع ليس فقط لأجل مساءلةالسلطات بالبلاد عن جدوى التطبيع مع كيان مارق، وإنما أيضا مساءلة الدول العربية والإسلامية عن عجزها أمام الإذلال والتدمير الذي يقوم به كيان الاحتلال الصهيوني رفقة أمريكا بشكل ممنهج وشامل لدول إسلامية وعربية في المنطقة. فما الذي تتخوف منه السلطات المغربية بمنعها وقفات شعبية كانت تندد بالعدوان الغاشمعلى المنطقة؟ وهل فهمت السلطات المغربية من خلال قراءتها لهذه الوقفات أن ذلك دعم لحق الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الدفاع عن نفسها؟ وحتى إذا كان الامر كذلك بحكم مشروعية وأحقية كل دولة في الدفاع عن نفسها ضد العدوان بموجب الشرائع والقوانين الدولية، ما حقيقة “الحقد السياسي” الذي تضمره السلطات المغربية اتجاه دولة إيران على الأقل مند 2018 حينما تم قطع العلاقات الدبلوماسية معها؟ وهل الموقف المغربي الذي يبدو اليوم سلبيا اتجاه إيران مبني على الخلاف المذهبي أم على البراغماتية السياسية التي تؤطرها قضية الوحدة الترابية لبلادنا؟ أليس المغرب معني باستثمار علاقاته الدبلوماسية بشكل موسع لحشد مزيد من الدعم الدولي لقضاياه؟ ألسنا نفتخر بما حققته دبلوماسيتنا من اختراقات لحصون دبلوماسية في دول أمريكا اللاتينية كانت بالأمس القريب جزءا من منظومة دولية تكن العداء لوحدتنا الترابية؟ ونجحت وساطاتها لقضايا سياسية إقليمية غاية في التعقيد كما كان الحال بين الفرقاء الليبيين في الصخيرات سنة 2015؟ فما الذي يمنع هذه الدبلوماسية من أن ترتقي قليلا وتدعو إلى خفض التوتر بالمنطقة، وتقديم مقترح أو دليل عملي لإنهاء الحرب بالطرق الدبلوماسية؟ ولما لا تنخرط في لعب دور الوساطة التي فقدتها دولة قطر بحكم تحولها وجل دول الخليج العربي إلى طعم لتوريط إيران في حرب لا هوادة فيها مع جيرانها؟ هل تراهن أمريكا والكيان الغاصب على إشعال فتيل الحرب والزج بالمنطقة في اقتتال سني شيعي حتى يتحقق لها هدف بناء “إسرائيل الكبرى” بأقل تكلفة؟تلكم بعض الأسئلة الحارقة التي نعتقد أن من شأنها أن تنير الطريق للقارئ المتحسس لحقيقة العلاقة الدبلوماسية بين المغرب وإيران.
ومهما يكون، فبالرغم من خصوصيته وبعده الجغرافي يضل المغرب متمسكا بشكل كبير بالمشرق العربي والإسلامي في تطوره السياسي والاجتماعي من خلال تاريخه وعقيدته وثقافته. لكن علاقته السياسية بدول الخليج العربي الجيدة على الدوام، لا يمكن فهمها أساسا إلا من خلال الاتفاقيات الاستراتيجية العديدة التي وقعها مع هذه الدول وشملت التعاون العسكري والأمني، التبادل الاقتصاديوالاستثماري والاتفاقيات الجمركية والزراعية ودعم المشاريع التنموية، وخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر.عشرات الاتفاقيات، تم توقيعها لدعم مشاريع البنية التحتية والطاقات المتجددة وكانت أبرزها شراكات الدفاع المشترك سنة 2015، واتفاقيات استكشاف النفط والغاز مع الإمارات، وقبلها في 2011 اتفاقيات الارتباط العسكري بمجلس التعاون الخليجي رفقة المملكة الاردنية.
وأكد المغرب هذا الانخراط في منظومة التحالف الاستراتيجي مع دول الخليج من خلال مشاركة القوات الجوية الملكية بمقاتلات حربيةفي عملية “عاصفة الحزم” التي قامت بها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن في مارس من سنة 2015. وحسب الرواية المغربية كانت هذه المشاركة دعماً للشرعية وتضامناً مع السعودية. إلا أن هذه المشاركة تجمدت فجأة في 2019 مع توتر العلاقات مع مجلس التعاون الخليجي، ليتبنى المغرب موقفا حياديا من الحرب على اليمن، معتبرا أن هذه العمليات العسكرية خرجت عن سياقها الشرعي وأصبحت تنتفي وما تم الترويج له مند البداية.
لكن حينما نتطلع إلى معرفة علاقة المغرب بدول الشرق الأقصى لاسيما باكستان وأفغانستان وإيران وغيرها من دول المنطقة لا نجد ما يذكر على الأقل إعلاميا، ليس على الصعيد السياسي فحسب وإنما أيضا حتى على الصعيد الاقتصادي. حيث لا نكاد نجد ما يضاهي الارتباط الاقتصادي للمغرب مع الاتحاد الأوروبي، لأنه ارتباط فرضته عوامل سياسية وجغرافية ترجمتهاحزمة من الاتفاقيات الاستراتيجية أغنته في كثير من الأحيان عن البحث عن شركاء جدد في قارات أخرى، ناهيك عن أن الاقتصاد المغربي لا يمكن اعتباره اقتصادا دوليا مؤثرا مثل الاقتصاديات الخليجية المعتمدة على المنتوجات البتروكيماوية والطاقية المحركة للتجارة العالمية. هذا كبعا لا يعني أن المغرب لا تربطه علاقات مهمة مع الصين وروسيا لكن زخمها لا يمكنه أن يضاهي العلاقة مع محيطه التقليدي.
لكن وبالرغم من الترابط الوثيق بين السياسي والاقتصادي لابد من استجلاء حقيقة الجفاء الدبلوماسي وتبني المغرب خطاب الرفض بل العداء أحيانا لبعض دول المشرق لاسيما الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تهمنا في هذا المقال، حيث قام المغرب في 2009 بقطع العلاقات مع إيران بسبب اتهاماته لها بنشر التشيع بالمغرب لا سيما في مدن الشمال، فما لبثت العلاقة أن توطدت مرة ثانية في2014 ثم وبشكل تراكمي كانت سنة 2018 القطع النهائي للعلاقاتالدبلوماسية بناء على معطيات معلوماتية أكدت حسب رواية الخارجية المغربية أنها تمس أمن وسلامة البلاد وتهدد وحدته الترابية. وصرّحت أن السفارة الإيرانية في الجزائر تقدم دعما معنويا ولوجستيا للانفصاليين لزعزعة استقرار المغرب، وأن شخصيات إيرانية ولبنانية تنتمي لحزب الله زارت مخيمات تندوف دعما للإنفصاليين. هذا الأمر نفته إيران ببيان رسمي لخارجيتها، ونفاه حزب الله في بيان قال فيه إنه “من المؤسف أن يلجأ المغرب -بفعل ضغوط أميركية وإسرائيلية وسعودية- لتوجيه هذه الاتهامات الباطلة”. كان ذلك بمثابة تلك القشة التي كسرت ظهر البعير في العلاقة بين الدولتين لا سيما إذا علمنا أن المغرب ينظر إلى علاقاته الخارجية عبر منظار البرغماتية التي تنسجم بوحدته الترابية. هذه النظرة تحولت اليوم إلى عقيدة دبلوماسية غير قابلة للنقاش.
من جهة أخرى يشكل الحضور القوي للمسألة المذهبية في هذا الملف عاملا قد يكون حاسما في السلوك الدبلوماسي للخارجية المغربية، لأن هذا الحضور لم يكن خفيا في الخطاب السياسي المغربي بشكل عام، لاسيما وأن الوحدة المذهبية داخل البلاد تعتبر جزءا أساسيا داخل منظومة الأمن الروحي للمغاربة في ممارستهم الدينية. خصوصا إذا علمنا مدى الصراع السياسي والفقهي الكامن بين ولاية الفقيه عند الشيعة وإمارة المؤمنين عند أهل السنة والجماعة بوصفهما شرطين أساسيين لضامن شرعية الحكم. لكن دعونا من مناقشة الجانب الفقهي لأن له أهله، حتى ننكب على مناقشة الجانب السياسي ولو أنني لا أجد بينهما برزخ فهُما يبغيان.
فإذا تفحصنا حقيقة هذه العلاقة بين المغرب وإيران في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي نجد أنها كانت علاقة بين ملكين يتقاسمان نفس الرؤى الدبلوماسية ونفس الهوى السياسي (مغرب الحسن الثاني وإيران الشاه محمد رضا بهلوي) علاقة ذات الود البائن والتواصل الدائم توجت ببعض الاتفاقيات المرتبطة بالتعاون الثقافي والصداقة وإلغاء تأشيرة الدخول على المغاربة، مستشرفة إمكانية استثمار إيراني مهم في المغرب.. كانت هذه الاتفاقيات تبرم بشكل يغلب عليها جانب البرتوكول الدبلوماسي أكثر من السياسي الوظيفي. لكن بعد نجاح الثورة الإسلامية كان المغرب البلد الذي لجأ إليه الشاه سنة 1979 بعد سقوط نظامه السياسيوصعود نظام ولاية الفقيه بإنشاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أصبح يقودها رجل يُطلق عليه “آية الله الخميني”.
بعد سنة من نجاح الثورة الإسلامية في 1980 يلجأ المغرب إلى قطع علاقته الدبلوماسية مع إيران الجديدة ويقبل اللجوء السياسي للشاه. وتطورت هذه القطيعة إلى خلاف فقهي حقيقي دفع الملك الراحل إلى إعلان معارضته للثورة واستصدار فتوى من علماء المغرب ليُعلن في خطاب رسمي عن تكفير الخميني. وقع هذا في سياق تاريخي بداية الثمانينات وهو سياق عُرف بأزمات سياسية واجتماعية كانت مهددة للإستقرار بالمغرب وكان شبح الثورة الإيرانية كافيا لتبرير الأزمة.
في الخليج العربي، إيران الجديدة بنظامها الجديد لم تكن مقبولة لدى جيرانها ومحيطها الجيوسياسي بحكم أن هذه الثورة التي يميزها الطابع الإسلامي كان ينظر إليها على الأقل من طرف أنظمة الحكم بهذه الدول كمصدر مفترض لمتاعب سياسية قادمة لاسيما وأن مشروع الثورة الشيعية في إيران كانت له أبعاد أيديولوجية توسعية إقليمية على حساب دول المنطقة. وقد زاد من ذلك أن هذه الدول الخليجية كانت دائمة الريبة من الجانب الايراني مما جعلها تنخرط في فرض حصار وعقوبات صاغتها الولايات المتحدة الأمريكية في أبريل 1980 زمن الرئيس جيمي كارتر، إثر أزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران في نوفمبر من سنة 1979. وقد شملت هذه الإجراءات العقابية حظراً تجارياً، قطعاً للعلاقات الدبلوماسية، وتجميداً للأصول الإيرانية بأمريكا، بل وساهمت هذه الدول الخليجية في شن حرب بالوكالة ضد إيران من خلال الدعم المالي للحرب العراقية الإيرانية بداية الثمانينات من القرن الماضي لصد ما اصطلح عليه حينها إعلاميا بـ”الزحف الشيعي”. وكان العراق ببرنامجه العسكري ومشروعه الصاروخي الواعد مؤهلا أكثر من غيره لخوض حرب الخليج الأولى والتي استنزفت كلا الدولتين للأسف الشديد لأكثر من 7 سنوات. لكن بالرغم من ذلك كسب كلا الفريقان تجربة ميدانية أهّلتهما للعب أدوار إقليمية حاسمة، ولم يقف الامر عند هذا الحد بل ستدخل المنطقة في حرب الخليج الثانية ضد الكويت التي غزاها صدام سنة 1990، والثالثة سنة 2003 لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وتتحول العراق بعد ذلك إلى دولة فاشلة ومشروع عربي سني فاشل مما فتح الطريق أمام المشروع الشيعي للعب الدور الإقليمي في كل من لبنان، وسوريا، واليمن والبحرين والكويت وحتى في المملكة العربية السعودية من خلال استنبات أقليات شيعية وكيانات سياسية تبوأت مكانة مهمة داخل النسيج الاجتماعي السني، وهكذا كان الرد الاحترازي الإيراني الصامت والمبكر والذكي من خلال تطويق المنطقة العربية التي انخرطت جهلا في المنظومة الصهيوامريكية بعدما تبين لإيران صعوبة الوثوق بدول المنطقة التي أصبحت تتنافس في استنبات قواعد عسكرية أمريكية لضمان أمنها.
نخلص من خلال هذه النظرة الموجزة لمراحل تطور الصراع السياسي في منطقة الخليج العربي إلى أهمية المشروع الثوري الشيعي الذي كانت له أهداف واضحة المعالم مند البداية، ذلك أن أهم ما يحكم هذا المشروع نظرية الإمامة السياسية عند الاثنا عشرية، والجعفرية التي تجعل من فكرة ولاية الفقيه مذهباً فقهياً أصيلا وفي نفس الوقت مذهبا سياسيا يستوعب الإمامة حصرية في آل البيت دون غيرهم، وأن المذهب وسيلة لتحقيق تلك الرؤية التي يخيم عليها إحساس بالمظلومية لآل البيت وتحولت هذه المظلومية إلى جزء من الثقافة الهوياتية عند الشيعة. فحسب هذه الرؤية يُعتقد أن الأمة، قصرت في حق آل البيت سابقا حينما بُويع سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله خليفة لرسول الله عليه السلام، عوض سيدنا علي كرم الله وجه وهو من آل البيت، ولاحقا حينما تم تهميش الشيعة واعتبارهم فقهيا مخالفين للسنة وعقيدتهم غير صحيحة.
لكن الآن، وفي خضم هذه السياقات السياسية السريعةالتطور والتي تتقاذف مصير هذه الدول بالخليج العربي، ومهما صار من صراعات أيديلوجية وبراغماتية سياسية يشهد بها التاريخويُقرها، أليس من الحكمة أن نعترف بغياب فضيع لمشروع تنموي سياسي سني بالمنطقة يضاهي المشروع الشيعي؟ أليس من الحكمة أيضا أن نعترف أن المكون الشيعي جزء من الأمة لا يمكن الاستمرار في تهميشه وتجاهله لأسباب فقهية لا علاقة للسياسيين بها بل هي من شأن العلماء وهم قادرون على سبر أغوارها؟ ألسنا نشهد اليوم قومة سياسية وعسكرية للشيعة في إيران وبالتالي فهي تفرض نفسها كقوة إقليمية ضاربة تحتاجها الأمة في مشروع الوحدة الشاملة التي قد يتبناها الحكماء في كل الأقطار العربية مستقبلا؟ ما الثابت عندنا وما المتحول في المنطقة حتى يبلغ الصراع العسكري أوجه، وتتهافت بل وتتنافس أنظمة الدول الخليجية بجبنها لاستقطاب من يحمي آبارها البترولية مقابل امتيازات سياسية واقتصادية عالية الكلفة، لأن من خلال هكذا أسلوب سياسي تكون قد فقدت سيادتها بالكامل. وقد صاغهاالرئيس الأمريكي ترامب بإزدراء شديد في إحدى خطاباته الهوليودية إبان ولايته الأولى موجها كلامه للعاهل السعودي أكد عن أهمية جنوده المرابطة في المملكة السعودية وأن كرسيه الذي يجلس عليه لا يمكن أن يأتمن عليه إن تخلت عنه أمريكا لأسبوع واحد”؟ أليس الكيان الغاصب من امتدت يده إلى جسم هذه الأمة كي يبعثر أحشائها كسرطان قاتل؟ أليس الطارئ على المنطقة العربية والإسلامية من جاء بمشروع صهيوني كبير يفتّت المفتّت ويقسم المقسم ليبني أسطورته العجيبة “إسرائيل الكبرى“؟ صراحة لا يمكن العبث مع التاريخ ولا قدرة لأحد على تحريك الجغرافيا ومن يتجرأ على ذلك فكأنما يسبح ضد تيار جارف.
اليوم نشهد استفاقة مبشّرة لبعض الدول الخليجية، أفرزهاالصراع الجديد بالمنطقة والحرب على إيران، ولعل الموقف القطريالأخير الذي عبر عنه ماجد الانصاري الناطق باسم الخارجية القطرية بالدوحة مبينا أن أهمية إيران في المنطقة و”أنها جار قار وأصيل وجزء من الأمة لا سبيل لإنكاره أو تهميشه، بل التعايش معه”. هكذا نستنتج أن بعض دول الخليج بدأت تفهم حقيقة الصراع وأن الدائرة سوف تدور عليها إن استمرت في رهن أمنها بالقواعد العسكرية الامريكية، وضمان استقرار أنظمتها بالكيان الغاصب، فتأكد لها أن أمريكا لم تأت إلى الخليج إلا لشيئين أساسيين: الأول ضرب المشروع النهضوي الإيراني الإسلامي الشيعي، ومنع تمدده،وثانيا حماية الكيان الغاصب وتمكينه من التمدد في المنطقة لتحقيق خرافاته التلمودية. بدات بعض هذه الدول تصيغ خطابا جديدا يستشف منه أن مصيرها ومستقبل امنها لن يرتبط مرتبطا بكيانات غريبة خارجية، بل بتحقيق السلم بالمنطقة وإنشاء أجواء العيش المشترك بين مكونات مجتمعية إسلامية تملك من آليات التواصل والتقارب أكثر من غيرها.
لا شك أننا اليوم، ونحن نرصد تطور الخطاب السياسي المغربي، نجد أنفسنا أمام خطابين سياسيين متناقضين بشكل جذري: الأول خطاب الاقصاء والرفضDISCURSO DE EXCLUSION وهو خطاب عدائي رافض لدولة إيران، غير قادر على استيعابها أو ترويضها، وينأى بنفسه عن أن أي تقارب أو حوار ديبلوماسي محتمل معها. هذا الخطاب تبرره، كما هو معلوم، النظرة الفقهية المذهبية التي تشكلت كموروث ثقافي توارثته السياسة المغربية على مستويات عليا، كما أن هذا الخطاب المرتاب ما زالتتؤطره للأسف الشديد هواجس وعقلية الثمانينيات من القرن الماضي، وبالتالي فهو تعبير عن عجز كبير، وقصور مقيم في قدرة السياسة الخارجية المغربية على المناورة والإختراق الدبلوماسي، ربما لأن المغرب ليست لديه أوراق سياسية كافية للعب هذا الدور وبالتالي فهو يكتفي فقط بإنتاج هذا النوع من الخطاب السلبيالعقيم.
لكن في المقابل نرصد خطابا استيعابيا DISCURSO DE INCLUSION تطبيعيا، ترويجيا يكن الود والتقدير ويمنحه التمكين الاقتصادي والانتشار الإعلامي ليس لفائدة دولة مسيحية، مجوسيةأو لا دينية بل لكيان مغتصب لكرامة الأمة، لوحدتها ولسيادتهاولقدراتها المادية والمعنوية. والأخطر في هذا الخطاب الاستيعابي ليس فقط جرأته على الفعل السياسي، وإنما تمسكه بهذا الخطاب رغم تناقضه الصارخ مع الثوابت الهوياتية للأمة وعدم انسجام رؤيته الدبلوماسية المنتجة له والتي تدعي أنها تنطلق من البراغماتية السياسية وهي في الحقيقة تنقاد مسرعة لترتمي في أحضانالمجهول عكس مجرى التاريخ.
فإذا كانت مسألة الوحدة الترابية لبلادنا هي المنظار الذي يجب أن نرى به علاقاتنا بدول العالم، وكانت البراغماتية السياسية هي من تؤطر هذه الرؤية بحكم مصيرية هذه القضية المحسومة أصلا مند خمسين عاما، فإنه من الخطإ أن تنحصر سياستنا الخارجية في مفهوم وحيد، وتُعتقل في رؤية عقيمة غير قادرة على الاختراق الدبلوماسي، مقيدة بالتبعية للهيمنة الصهيوأمريكية التي يبدو أنها تنكسر على أبواب مضيق هرمز وباب المندب لكنها للأسف الشديد لم تبرح مكانها داخل سياساتنا العربية. لذلك ونحن نتابع التغيرات الجوهرية التي تلحق بعالمنا مند معركة 7 أكتوبر بغزة المجيدة حتى اليوم، وبصدد الحديث عن نظام جديد متعدد الأقطاب أصبح يتشكل بسرعة فائقة، لابد للمغرب من أن يحجز مكانه فيه للتموقع المناسب داخل الخريطة الجديدة للعالم قبل فوات الزمن السياسي حتى نتفادى إنتاج خطاب الهزيمة المعهود في سياساتنا العربية.
