هل آن أوان المصالحة الخليجية الإيرانية؟

بقلمحميد عسلي
خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب بدأ ما سمي بالاتفاقات الابراهيمية التي كان من اهم أهدافها تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لمجموعة من الدول العربية والخليجية على الخصوص. في خضم هذا المسار جاءت أحداث السابع من أكتوبر وقبلها خسارة ترمب للولاية الثانية، وهي الاحداث التي جعلت من قطار هذا المسار يتوقف ولو لحين. فهل يمكن للأحداث الجارية الآن أن تغير مسار التطبيع من وجهة إسرائيل إلى إيران؟ وهل يمكن اعتبار أن المصالحة بين دول الخليج وجمهورية إيران ضرورة امنية وليست فقط خيارا سياسيا؟

المعروف انه من أبجديات العلاقات الدولية أن هذه الأخيرة محكومة بالمصالح، فمواقف الدول تتأرجح تبعا لمصالحها بين علاقات جد قوية ومتينة أو استراتيجية مرورا بعلاقات عادية وفي أحايين أخرى إلى مواقف سلبية أو إلى عداء صريح، لكن الثابت في كل هذا أن الجغرافيا لا تتغير، وعليه فركن الجوار في العلاقات الدولية هو عامل يُغلب اتجاه الصداقة والتعاون قبل العداء والصراع، فدول الخليج وإيران محكومة بالتعايش والتعاون تبعا لهذا العامل وتبعا كذلك لتاريخ الصراعات في التجارب الدولية التي غالبا ما تنتهي بالتطبيع، حيث أن فكرة العداء الدائم ضد من لا يمكنك تجاهله مندول الجوار تبقى غير واقعية على المستوى السياسي.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه الآن، ما الذي يجعل من عامل الجوار أن يدفع إلى المصالحة وتطبيع العلاقات تغليبا لمفهوم الواقعية السياسية في هذا الوقت بالذات؟ 

للإجابة على هذا التساؤل الجوهري، يجب قراءة مسار الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية بجانب إسرائيل ضد إيران قراءة متأنية واستشرافية، فدخول هذه الحرب للأسبوع الرابع على التوالي لم يكن في غالب التقدير سيناريوها محتملا في نظر من أعلن هذه الحرب، التي أُريد لها أن تكون ضربة استباقية سريعة، تسقط النظام وتحقق نصرا سريعا وبأقل تكلفة ممكنة. ولذلك، فالمتتبع للمقاومة التي أبدتها الجمهورية في وجه التحالف الإسرائيلي الأمريكي، واستهدافاتها الدقيقة لمجموعة من الأهداف داخل الأراضي المحتلة وللقواعد العسكرية الأمريكية بدول الخليج، يستنتج أن إيران ذاهبة في هذ الحرب إلى أبعد حدودها وأرادت لها ان تكون حرب استنزاف ذات كلفة اقتصادية بالغة. وهنا يكمن مربط فرس سياسة دول الخليج، التي تتكبد بشكل يومي خسائر اقتصادية ومالية كبيرة نتيجة تساقط كم كبير من الصواريخ الإيرانية عليها، فالديبلوماسية الخليجية وإن هي قد عملت على استصدار قرار أممي يدين تلك الضربات، إلا انها في الوقت نفسه سلكت مسلكا سياسيا رشيدا، قوامه عدم الرد العسكري على إيران وبذلك تجنبت الدخول المباشر في حرب كانت ستجلب لها الضمار والخراب.

إلى جانب الجغرافيا والكلفة الاقتصادية للصراع وقرار عدم الرد على إيران، فإن هذه الأخيرة بدورها قد أبدت في مجموعة من التصريحات نوعا من سياسة اليد الممدودة لهذه الدول في مناسبات سابقة وإبان هذه الحرب، فقد تم التصريح باعتذار رسمي لدول الخليج على ضرباتها للقواعد العسكرية التي أحدثت أضرارا خارج هذه القواعد، وطالما لوحت من أعلى مستوياتها بالوحدة والتكامل في ظل ما يجمع الامة الإسلامية بعيدا عما يفرقها. وفي ظل التحولات الدولية من قرار الحرب الذي اتخذته إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بشكل فردي، خارج غطاء الأمم المتحدة والشرعية الدولية، فإن اكتواء مجموعة من الدول الأوربية والغربية من اشتعال أسعار النفط والغاز إثر توتر معبر مضيق هرمز الذي هدد بشكل مباشر التجارة العالمية، فإن دول مجلس الخليج قد تنتهز هذه الاحداث لتجعل منها فرصة للتقارب بدل ان تكون لعنة للصراع، فالواقعية السياسية والبراغماتية الدولية لا تعني بالضرورة توافقا تاما بينها وبين إيران أو أن ترتقي هذه العلاقات إلى مستوى المثالية. فالعلاقات الدولية تقوم بالأساس على المصالح كما أسلفنا الذكر، وليس على الثقة الكاملة، وأن مسار الأحداث الجارية إن لم يطوقه الحوار وتقارب المصالح، ستحكمه الصراعات والنزاعات ومزيد من الاستنزاف الاقتصادي، خصوصا وأن هذا الصراع تغديه مجموعة من العوامل التاريخية والإيديولوجية وما خلفته اضطرابات اليمن وسوريا والعراقولكلا الطرفين نصيب فيها.

إن العالم اليوم يسير في اتجاه تعدد الأقطاب، وخصوم الأمس قد يعيدون حساباتهم تبعا لهذا النهج، وعلى دول مجلس الخليج ان تخطوا خطوة شجاعة تفرض على الأقل نوعا من التوازن بين علاقاتها مع إسرائيل التي تشكل بدورها تهديدا وجوديا لهذه الدول تبعا لما يتم التصريح به من طرف أعضاء الحكومة الحالية ورئيس وزرائها واليمين المتطرف تحقيقا لنبوءات توراتية على حد قولهم، وبين الجمهورية الإيرانية التي برهنت على قوتها وتطور صناعتها العسكرية المدعومة من التنين الصيني والدب الروسي، فقد تشكل هذه الحرب حلقة البداية في مسار تطبيع العلاقات بين دول الخليج خصوصا المملكة العربية السعودية وإيران ولو بمستويات تدريجية تؤدي إلى استقرار نسبي وخفض للتوتر في أفق التعاون الاقتصادي والتطبيع الدبلوماسي.

**باحث في القانون العام والعلوم السياسية.