في ظل التحولات العميقة التي يعرفها القطاع البنكي المغربي، وما يرافقها من ضغوط اقتصادية ومناخية غير مسبوقة، تبرز تجربة محمد فيكرات على رأس القرض الفلاحي للمغرب كأحد النماذج القيادية التي اختارت طريق الإصلاح المؤسسي الهادئ، القائم على الحكامة الجيدة وربط القرار بالكفاءة.
منذ توليه قيادة المؤسسة، تعامل فيكرات مع القرض الفلاحي باعتباره فاعلًا استراتيجيًا في المنظومة الاقتصادية الوطنية، وليس مجرد بنك تقليدي. فدور هذه المؤسسة يتجاوز منطق الربح المالي إلى دعم الأمن الغذائي، ومواكبة العالم القروي، وتمويل سلاسل الإنتاج الفلاحي، في سياق يتسم بتقلبات مناخية حادة وتحديات تمويلية معقدة.
إصلاحات بنيوية وحكامة قائمة على وضوح القرار
أولى ملامح هذه المرحلة تمثلت في إطلاق دينامية إصلاح داخلي، شملت إعادة هيكلة بعض المستويات الإدارية، وتعزيز آليات المراقبة والتدبير، وضخ كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات البنكية الحديثة. وهي قرارات لم تكن سهلة، لكنها عكست إرادة واضحة في القطع مع ممارسات لم تعد منسجمة مع متطلبات الحكامة الرشيدة.
وقد ارتكز هذا المسار على منطق مؤسساتي صريح: حماية المؤسسة، وتحسين أدائها، وضمان استدامتها، حتى وإن ترتب عن ذلك تذمر أو مقاومة من أطراف اعتادت على منطق الاستمرارية دون مساءلة. فالإصلاح، بطبيعته، يفرز دائمًا معارضين، لكنه يظل شرطًا أساسيًا لأي تحول حقيقي.
حصيلة مالية متماسكة رغم ظرفية صعبة
على مستوى النتائج، تميزت حصيلة القرض الفلاحي خلال هذه المرحلة بالحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، في سياق وصف بالأصعب منذ سنوات. توالي مواسم الجفاف، وارتفاع كلفة التمويل، وتزايد المخاطر المرتبطة بالنشاط الفلاحي، كلها عوامل ضغطت على القطاع ككل.
ورغم ذلك، نجحت المؤسسة في تحسين جودة محفظة القروض، وتعزيز تدبير المخاطر، وتوجيه التمويل بشكل أكثر عقلانية، دون التخلي عن دورها التنموي. وهو ما يعكس مقاربة متوازنة تجمع بين الصرامة المالية والالتزام الاجتماعي.
تعزيز الدور التنموي ومواكبة الفلاح
لم يقتصر الإصلاح على المؤشرات المالية، بل شمل أيضًا تعزيز الدور التاريخي للقرض الفلاحي في دعم الفلاحين، خاصة الصغار والمتوسطين، ومواكبة المشاريع الفلاحية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي. كما تم العمل على توسيع الإدماج المالي، وتطوير الخدمات البنكية، والاقتراب أكثر من حاجيات العالم القروي، مع إدماج التحول الرقمي كرافعة لتحسين جودة الخدمة وتبسيط المساطر.
قيادة بخبرة وجرأة
ما يميز تجربة محمد فيكرات هو الجمع بين خبرة بنكية عميقة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وجرأة محسوبة في اتخاذ القرار. فالإصلاح الذي يقوده ليس ظرفيا أو رد فعل آنياً، بل مسار تدريجي يهدف إلى تحصين المؤسسة، وتهيئتها لمواجهة تحديات المستقبل، سواء المرتبطة بالمناخ، أو بالتحول الرقمي، أو بتغير نماذج التمويل.
يمكن القول إن المرحلة التي قضاها محمد فيكرات على رأس القرض الفلاحي تمثل محطة مفصلية في تاريخ المؤسسة، عنوانها الأبرز هو ترسيخ الحكامة، وتحقيق توازن دقيق بين الأداء المالي والدور التنموي. وهي تجربة تؤكد أن الإصلاح المؤسساتي، حين يُبنى على الكفاءة والنزاهة والرؤية، قادر على حماية المؤسسات الاستراتيجية وتعزيز ثقة المواطنين فيها.
