أحمد بوزيان: أين يجب أن تقف الآلة حتى لا تُقصي اليد من قلب الصناعة التقليدية؟

وضع أحمد بوزيان النقاش حول المكننة في الصناعة التقليدية في صلبه الحقيقي، مؤكدا أن السؤال ليس ما إذا كانت الآلة ضرورية أم لا، بل أين يجب أن تقف حتى لا تُقصي اليد، معتبرا أن الرهان يتعلق بصون التراث الثقافي اللامادي المتجسد في الصانع وعقله ووجدانه، كما حذّر من أن أي إدماج غير مضبوط للتقنيات الحديثة قد يفرغ الحرفة من روحها ويهدد استمراريتها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وفي نقاش يتجاوز ثنائية القبول والرفض، خلال الجلسة العلمية الثانية على هامش اليوم الدراسي المنعقد بقاعة فاس المدينة الجمعة تحت شعار: “المكننة بقطاع الصناعة التقليدية بين التهديد والتجديد..أية آفاق لمستقبل الحرف الأصيلة؟” أصر أحمد بوزيان على طرح سؤال المكننة في الصناعة التقليدية داخل إطاره الجوهري أين يجب أن تقف الآلة حتى لا تُقصي اليد؟ وهو سؤال بحسب المتدخل، لا يملك جوابا واحدا لأنه يختلف باختلاف الحِرف والمواد والسياقات لكنه يحدد بوضوح خطا فاصلا بين الصناعة التي تتمحور حول الآلة والحرفة التي تقوم في جوهرها على اليد باعتبارها مصدر الإبداع والقيمة.
من هذا المنطلق، شدد بوزيان على أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالحفاظ على المنتوجات في حد ذاتها كالزليج أو الخشب أو البراد بل بصون التراث الثقافي اللامادي الذي لا يُختزل في الأشياء وإنما يتمثل في الصنعة نفسها في الصانع، وعقله، وذاكرته، ووجدانه، وقدرته على التفاعل الخلاق مع المادة فالحفاظ على التراث اللامادي في نظره هو قبل كل شيء حفاظ على الصانع ويده، لا على المعروضات وحدها.
وفي سياق التحولات التقنية المتسارعة، دعا المتدخل إلى الانتقال من منطق الخوف من الآلة إلى تحويلها إلى فرصة، شريطة إدماجها إدماجا ذكيا وانتقائيا فهناك مراحل إنتاج يؤكد بوزيان لم يعد بالإمكان إنجازها في شروط سليمة دون الاستعانة بالمكننة، سواء من حيث الجهد البدني أو السلامة أو الزمن بيد أن هذا الإدماج ينبغي أن يكون مضبوط الحدود، حتى لا تتحول الآلة إلى بديل عن الحرفة أو أداة لتفريغها من معناها الإبداعي.
ويُبرز بوزيان أن القيمة الحقيقية للصناعة التقليدية لا تكمن في المنتوج النهائي فقط، بل في المسار الإبداعي الذي يقود إليه؛ في كل ما يدخل في عقل الصانع وفِعله ووجدانه لذلك، فإن أي إدخال للتقنيات الحديثة يجب أن يحافظ على هذا التفاعل الإنساني، لا أن يُقصيه فحين تُسحق اليد تُسحق معها الذاكرة وتُفقد الحرفة روحها.
ومن هذا التصور، يعتبر المتدخل أن الحل لا يكمن في المحافظة على الزليج أو غيره كمنتوجات معروضة بل في المحافظة على الصانع المغربي نفسه عبر مقاربة مجددة تتيح له الاستفادة اقتصاديا وتسويقيا دون التفريط في جوهر الحرفة فالصانع هو حامل المعرفة وضمان استمراريته هو الضمان الحقيقي لاستمرار التراث.
ويذهب بوزيان أبعد من ذلك حين يربط مستقبل الحرفة بسؤال توريثها، متسائلا بقلق هل يتعلم الأطفال اليوم الحرفة؟ ويرى أن الجواب غالبا سلبي ليس لأن الحرفة فقدت قيمتها بل لأن شروط ممارستها لم تعد جذابة في ظل متطلبات الإنسان الحديث فغياب شروط العمل اللائقة وضعف المردودية وغياب آفاق واضحة كلها عوامل تُبعد الأجيال الجديدة عن الورش.
لهذا، يشدد المتدخل على ضرورة توفير شروط عمل حقيقية تمكّن الصانع من ممارسة الحرفة وتعلّمها ونقلها للأجيال القادمة شروط تشمل تحسين مورد العيش، وتثمين المهارة وفتح آفاق تسويقية حديثة بما يجعل الحرفة خيارا ممكنا لا عبئا اجتماعيا.
وخلاصة موقف بوزيان أن الرهان الأساسي لا يتمثل في تعميم المكننة أو رفضها، بل في إعادة ترتيب الأولويات الصانع أولا فحين يُحافَظ على الصانع مورد عيشه، وكرامته، ومهارته يمكن للآلة أن تكون حليفا لا خصما أما حين تُفرض المكننة دون ضوابط فإنها لا تُقصي اليد فقط بل تُهدد أحد أعمق مكونات الهوية الثقافية المغربية .