بقلم : البراق شادي عبد السلام
“لقد كنا دائما واثقين بأن إفريقيا تستطيع أن تحول التحديات التي تواجهها، إلى رصيد حقيقي من التقدم والاستقرار. فالنمو الديمغرافي الذي تشهده قارتنا، ومؤسساتها، وكذا الهجرة والشباب، كلها فرص يجب علينا جميعا استغلالها، والمغرب يريد أن يساهم في إقلاع إفريقيا جديدة : إفريقيا قوية وجريئة، تدافع عن مصالحها ؛ وإفريقيا مؤثرة على الساحة الأممية.
فمن أجل تحديد معالم إفريقيا الجديدة هذه، يتعين علينا التحرر من كل الأوهام. فإفريقيا الجديدة التي نتطلع بشغف إلى تحقيقها، لابد أن تنطلق من نظرة ملموسة وواقعية، بإمكانها أن تفرز قارة إفريقية مبادرة ومتضامنة. ” جلالة الملك محمد السادس – القمة 29 لقادة دول وحكومات الاتحاد الإفريقي – أديس أبابا 2017 .
الثقة التي عبر عنها جلالة الملك محمد السادس في القدرة الأفريقية على تحويل التحديات إلى “رصيد حقيقي من التقدم والاستقرار”، وندائه لتحقيق “إفريقيا قوية وجريئة، تدافع عن مصالحها”، لا تمثل اليوم أمنيات فقط، بل هي رؤية استراتيجية متكاملة تقتضي الانطلاق من “نظرة ملموسة وواقعية” لإفراز قارة “مبادرة ومتضامنة”. هذه الرؤية الملكية المتبصرة تتجسد اليوم على أرض الواقع في المغرب، الذي يواصل الاضطلاع بدوره كقاطرة للإقلاع الأفريقي، لاسيما عبر مقارباته الدبلوماسية الموازية الفاعلة؛ حيث يعمل معهد أماديوس بشكل إستراتيجي على تنزيل هذه الرؤية بشكل دقيق و رصين من خلال منتدى ميدايز الدولي، حيث يسعى الفريق العامل به إلى جانب السيد إبراهيم الفاسي الفهري إلى أن يصبح المنتدى منصة استراتيجية لبناء أجندة عمل إفريقية ملموسة وشاملة وفق الرؤية الملكية المتبصرة .
و من هذا المنطلق في عالم يواجه تحديات “التصدعات والاستقطاب”، وتتآكل فيه اليقينيات القديمة لصالح “تعددية قطبية” صاعدة، تحوّل الحوار إلى أداة استراتيجية حاسمة لترسيخ الأمن والاستقرار. في خضم هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تتفاقم الأزمات التي تثقل كاهل دول الجنوب العالمي، من النزاعات المتجددة في أفريقيا وتآكل الثقة في النظام الدولي، إلى التهديدات الوجودية لتغير المناخ و تزايد المخاطر الإرهابية و الهجرة و الاتجار بالبشر و الجريمة العابرة للقارات .
العديد من المؤتمرات الدولية و اللقاءات و المنتديات الدولية، رغم ازدهارها، تظل حبيسة “الخطابات الرفيعة” و الصور التذكارية و الإعلانات النمطية و خدمة الأجندات الخاصة الضيقة دون أن تتجاوز تحدي التحول إلى “إجراءات تنفيذية ملموسة” ، وهنا يبرز الدور المحوري لمنتدى ميدايز الدولي، المنظم في مدينة طنجة المغربية تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، من طرف معهد أماديوس ، كقاطرة إستراتيجية لترسيخ الدور المحوري للديبلوماسية الموازية في صناعة القرار السياسي و الديبلوماسي ، بشكل منفتح و شفاف و مسؤول حيث نجح هذا المنتدى في تحويل منطلقاته المتوسطية الأولية إلى مقاربة أطلسية متعددة الأبعاد في تناغم تام و إنسجام كامل مع الرؤية الملكية المتبصرة في العمل الديبلوماسي ليصبح المنتدى “دافوس الجنوب العالمي”، كمركز ثقل متنامٍ للدبلوماسية العالمية، حيث استقطب في دورته السابعة عشر أكثر من 7,000 مشارك من 120 دولة و حضور المئات من صناع القرار من رؤساء دول و رؤساء حكومات و ووزراء خارجية و مفكرين و خبراء مرموقين .
مع اختيار ثيمة “التصدعات والاستقطاب: إعادة ابتكار المعادلة العالمية”، يؤكد ميدايز على دوره كمنصة تشخيص و استجابة أفريقية، ساعياً للانتقال بالقارة من موقع “المتفرج” إلى “الفاعل الرئيسي” لمستقبلها. بالتالي، يمثل هذا التجمع الاستراتيجي هو محاولة رائدة لتحقيق الانتقال من النقاش إلى “العمل المشترك بروح المسؤولية التشاركية”، عبر صياغة خارطة طريق استثمارية وأمنية شاملة. هذه الخارطة هي في جوهرها خطة أمن وقائي تستهدف ترسيخ السيادة الأفريقية وبناء المرونة الاقتصادية والأمنية في مواجهة ضغوط القوى الكبرى وتفاقم الأزمات الإقليمية الممتدة من بحر الصين الجنوبي شرقاً إلى الكاريبي غرباً، مروراً بالشرق الأوسط والمناطق الحيوية للقارة الأفريقية كخليج غانا و البحيرات الكبرى والصحراء والساحل .
في ظل هذا السياق العالمي المتأزم، يتبنى منتدى ميدايز خطاباً استراتيجياً لا يقبل التأويل موجه لدول الجنوب العالمي: السيادة الوطنية والقارية هي خط الدفاع الأول، وغير قابلة للتفاوض. حيث يرفع شعارا واضحاً مفاده أن السيادة في هذا العصر لم تعد وثيقة سياسية، بل هي مرادف مباشر لـ “المرونة” الصلبة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية، في مواجهة الصدمات الخارجية المدمرة التي تسببها حروب الطاقة أو اضطرابات سلاسل الإمداد.
يشدد المنتدى بقوة على رفض القارة الأفريقية أن تتحول إلى ساحة رخيصة للتنافس العالمي أو مسرح للصراع بالوكالة بين القوى الكبرى. هذا الموقف يعكس إصراراً لا يتزعزع على ممارسة ما يُعرف بـ “دبلوماسية التوازن “؛ استراتيجية تهدف إلى الاستفادة القصوى من التنافس المتصاعد بين القوى التقليدية والصاعدة، لا لبيع الولاء، بل لرفع معايير الاستثمار والحصول على شروط شراكة أفضل وأكثر إنصافاً، دون الانحياز الأعمى لأي طرف.
فالرسالة المحورية الصادرة من طنجة قاطعة: أفريقيا لن تستمر في دور “المتفرج”. فبما تملكه من موارد هائلة وتأثير ديموغرافي متزايد، يجب على القارة أن تتحول بشكل نهائي إلى “الفاعل الرئيسي” الذي يكتب بيده شروط مستقبله بشكل يضمن سيادته و إستقلالية قراره الوطني .
بهذا المعنى، يتجاوز ميدايز وظيفته الحوارية؛ فهو إعلان سياسي عن إرادة أفريقية للتعددية القطبية العادلة. إرادة تحترم استقلالية القرار وتضع مصالح القارة في صدارة الأولويات، وتؤكد على معالجة الأزمات الحيوية بشكل أفريقي خالص، بدءاً من النزاعات المتجددة والجريمة المنظمة العابرة للحدود وصولاً إلى تحديات أمن الطاقة والغذاء. بهذا المعنى ميدايز هو تجسيد للمطالبة بـ “النفوذ الأفريقي” في رسم هندسة عالم الغد.
بعد تشخيص حالة التصدع الجيوسياسي، يمثل الانتقال إلى قمة ميدايز للاستثمار (MIS) الترجمة العملية لاستراتيجية المنتدى القائمة على تحويل الحوارات و النقاشات إلى “إجراءات تنفيذية ملموسة”. هنا، يتخذ الاستثمار صفة الأمن الوقائي؛ إذ يُنظر إليه بصفته الآلية الوحيدة لتقليص نقاط الضعف الهيكلية التي تستغلها القوى الخارجية لفرض أجنداتها. وعليه، تنطلق خارطة الطريق الاستثمارية التي وضعها المنتدى من أربعة قطاعات حاسمة، تُعد ركائز أساسية للتحكم الداخلي والسيادة الاقتصادية: البنية التحتية والممرات، وأمن الطاقة والانتقال الأخضر، والتحول والسيادة الرقمية، إضافة إلى الاقتصاد الأزرق. فالتركيز على هذه المحاور يهدف إلى بناء اقتصاد أفريقي صلب ومترابط، قادر على مواجهة الصدمات العالمية بمرونة عالية، بدلاً من الاعتماد على سلاسل إمداد خارجية هشة.
فالربط الاستراتيجي بين هذه القطاعات هو ما يمنحها القوة الجيوسياسية الحقيقية. فالاستثمار في البنية التحتية المتكاملة العابرة للحدود، مثل تطوير ممرات تجارية إقليمية (كممر لوبيتو)، ليس هدفاً تنموياً فقط، بل هو في جوهره آلية للسيادة تجعل القارة أقل عرضة لضغوط الاستقطاب والتهديد بقطع شرايين التجارة.
و على هذا الأساس يتمركز المغرب كـ “قوة توازن” و “محور الاستثمار والنمو في أفريقيا”، مجسدًا دور الجسر القاري الذي يحول الاستقرار الداخلي إلى استثمار استراتيجي. فقد تبنى المغرب مقاربة عملية تثبت أن الازدهار الاقتصادي والبنية التحتية المتطورة تشكلان الشرط الأساسي للدفاع عن الاستقلال الجيوسياسي وتعزيز المرونة الوطنية. البنية التحتية المتميزة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط و الناظور المتوسط و الداخلة الأطلسي ،لا تخدم فقط كمحرك للتجارة العالمية؛ تترجم هذه الإنجازات فهمًا عميقًا بأن الاستقرار الاقتصادي القوي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التصدعات الجيوسياسية والأمنية الإقليمية. فهذا النموذج يضع المغرب في مصاف الدول التي يمكن أن يُحتذى بها، مقدماً دليلاً ملموساً على ترابط الأمن والنمو.
لم يقتصر الدور المغربي على بناء القدرات الذاتية؛ بل امتد ليشمل العمل على التكامل الإقليمي كأداة حاسمة لإدارة التحديات المشتركة. تُعد المبادرات الإقليمية الكبرى،تجسيداً لهذا الالتزام ، هذه المبادرات لا تُعالج فقط الفجوات الاقتصادية والتنموية، بل تقدم إطاراً للتكامل العملي والتعاون الأمني في منطقة تواجه تقلبات جيوسياسية متزايدة. من خلال هذه الأجندة الإقليمية والدولية الطموحة، يؤكد المغرب دوره كفاعل استباقي يوجه جهوده نحو خلق بيئة من الترابط والأمن المشترك، مما يعزز موقعه كنموذج عملي للمرونة والاستقرار في مرحلة تحولات عالمية معقدة.
و في هذا الإطار، تتجسد الرؤية المغربية الطموحة لربط القارة عبر مشاريع ضخمة، على غرار المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل للمحيط الأطلسي ،و العملاق الإفريقي ” ميناء الداخلة الأطلسي ” ومشروع الممر الاقتصادي القاري الأطلسي “محمد السادس” ، و مشروع تسريع تفعيل السوق الأفريقية الموحدة للكهرباء وتعزيز السيادة الطاقية كضرورة أمنية تضمن استقلالية القرار في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يدعمه مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي (المغرب – نيجيريا) ومشاريع الربط القاري الأخرى. بينما يهدف الاستثمار في التحول الرقمي إلى سد الفجوة الرقمية وتمكين الشباب الأفريقي من أدوات التحكم في بياناته وهويته، بعيداً عن السيطرة التكنولوجية الخارجية. وبهذا النحو، تصبح قمة ميدايز للاستثمار منصة لتأمين الحاضر ورسم ملامح مستقبل أفريقي يتمتع بالاستقلال الاقتصادي الكلي.
يواجه منتدى ميدايز اليوم تحديًا محوريًا يتطلب قفزة نوعية في مسار الالتزامات المالية لباقي الأطراف الفاعلة دوليا و قاريا، كي يتمكن من تعزيز مكانته التنافسية بين المنتديات الدولية المماثلة. لم يعد المنتدى مقتنعا بالاكتفاء ببلورة الرؤى والخطط؛ بل يشتغل وفق مخطط إستراتيجي واضح و مسؤول على ترجمة هذا الزخم إلى استثمارات ملموسة وواضحة تضخ شريان الحياة في المشاريع التنموية. فسد هذه الفجوة التنفيذية يمثل اليوم ضرورة قصوى لضمان تحقيق تأثير حقيقي ومستدام على الأرض، خاصة في القارة الأفريقية التي تتطلع إلى شراكات فاعلة تتجاوز حدود النقاش و الحوارات النمطية. هذه الخطوة الجريئة في توفير التمويل هي الضمانة الوحيدة لترسيخ نفوذ المنتدى كفاعل لا يمكن تجاوزه في هندسة العلاقات الدولية جنوب-جنوب .
و لدعم تموقع ميدايز في خريطة القرار الجيوسياسي العالمي و الإفريقي، مجموعة من التوصيات السياسية تطرح نفسها و التي تعزز مكانة ميدايز كصوت إفريقي فاعل للجنوب العالمي .
- أولاً :تفعيل مرصد النزاعات الأفريقي ليصبح منصة رائدة وفعالة في تطوير آليات الإنذار المبكر التي تقودها القارة ذاتيًا، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
- ثانيًا : تتطلب المرحلة ربطًا استراتيجيًا بين الاستثمار في طاقات الشباب وبين متطلبات الأمن القومي؛ لأن توفير فرص العمل والاستقرار الاقتصادي هو خط الدفاع الأول والأكثر تأثيرًا في مكافحة التطرف وتفكيك بؤر عدم الاستقرار.
- ثالثا : العمل على تحويل التنافس بين القوى العالمية إلى أداة ضغط استراتيجية عبر تبني نموذج “الشراكات المنتقاة”؛ لضمان توجيه الاستثمارات والتمويل نحو الأولويات الأفريقية المحددة، وتحقيق أقصى قيمة مضافة تُعزز النفوذ الإقليمي و إستقلالية القرار السيادي للدول الإفريقية .
- رابعا : التركيز على دور الشباب الأفريقي يمثل ركيزة لا غنى عنها لضمان استدامة النفوذ المستقبلي لمنتدى ميدايز. و قد تجسدت هذه الرؤية بشكل فعلي ومؤثر خلال الدورة السابعة عشرة 2025 ، حيث استطاع المنتدى أن يستقطب حضوراً مكثفاً للشباب؛ ليس كمتفرجين يؤثث بهم المشهد العام، بل كأطراف فاعلة تم ربطها مباشرة بـالتحديات الجيوسياسية المعقدة من خلال المشاركة الفاعلة في نقاشات رفيعة المستوى مما حولهم إلى قوة دفع أساسية في صياغة الحلول التنموية والأمنية للقارة.
في الختام، يُمكن القول إن منتدى ميدايز، المنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، وفق الرؤية الملكية المتبصرة قد رسخ مكانته كمركز ثقل حيوي للجنوب العالمي، وتجاوز كونه ملتقى سنوياً للحوار ليصبح أداة دبلوماسية استراتيجية تهدف إلى وضع مقاربة فاعلة لميزان القوى العالمي. فنجاح المنتدى لا يقاس بعدد المشاركين أو بريق الخطابات، بل بمدى قدرته على توحيد الخطاب الاستراتيجي للقارة الأفريقية، وتقديم نفسه بصفته صوتاً موحداً يرفض الانحياز والتبعية في عالم يتسم بالاستقطاب الشديد. هذا الثقل الأخلاقي والدبلوماسي، المدعوم بالالتزام المغربي بالتعاون جنوب-جنوب، يُعزز من النفوذ الأفريقي في المؤسسات الدولية ويفرض على القوى الكبرى التعامل مع القارة كـ “طرف فاعل” وليس “ملفاً للمساعدات”.
من هنا، نجح ميدايز في تحقيق قفزة نوعية في مهمته الإستراتيجية كـ “دافوس الجنوب العالمي”، عبر الانتقال من مرحلة صياغة الأفكار إلى مرحلة الإلتزام بتوقيع العقود. حيث أثبت المنتدى قدرته الفائقة على تحويل خارطة الطريق الاستثمارية إلى التزامات مالية كبيرة وموجهة نحو قطاعات السيادة (البنية التحتية، الطاقة، الرقمنة)، مؤكداً أن الوحدة الاستراتيجية الأفريقية واستقلالية القرار هما العملة الأكثر قيمة في عالم متصدع. فهذا التحول يؤكد أن أفريقيا اختارت طريقها بوضوح: طريق الاعتماد على الذات والتعاون الأفريقي-الأفريقي، كضمانة وحيدة لاستدامة التنمية وتأمين الاستقرار الجيوسياسي.
