بين الرباط والجزائر… المبادرة المغربية تنتظر صوتًا عاقلاً من الجهة الأخرى

بقلم – رقيق ميلود

في عالم يزداد اضطرابًا، وفي منطقة مغاربية فقدت الكثير من فرصها في التكامل بسبب النزاعات المزمنة والقراءات المؤدلجة للتاريخ، تبرز المملكة المغربية كصوت متزن يدعو، باستمرار، إلى تغليب منطق الحكمة والعقل على خطاب العداء والقطيعة. ومنذ سنوات، يحرص المغرب، قيادة و حكومة وشعبًا، على تجديد دعوته إلى تطبيع العلاقات مع الجزائر، معتبرًا أن ما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما يفرقهما .

الرؤية المغربية، كما يُبلورها الخطاب الملكي السامي في أكثر من مناسبة، ليست مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل خيار استراتيجي يعكس قناعة متجذرة بأن المغرب الكبير لا يمكن أن يُبنى في ظل صراعات ثنائية مفتعلة، وأن الغد المغاربي لن يُكتب من عواصم غربية أو مصالح استخباراتية، بل من إرادة مشتركة بين الرباط والجزائر، نابعة من شعبيْن يتقاسمان تاريخًا ثقافيًا، لغويًا، وجغرافيًا، موغلًا في القدم.

لكن هذه الدعوة المتكررة، التي طُرحت في ظروف سياسية واقتصادية مختلفة، قُوبلت بجدار من الصمت أو بيانات تتسم بالعدائية الصريحة، تصدر عادة من مؤسسات داخل الجزائر مرتبطة بالبنية الأمنية والعسكرية، والتي ما زالت تعتبر أن بناء علاقة مستقرة مع المغرب يُهدد روايتها التاريخية، ويُفقدها أحد ركائز الشرعية الداخلية التي قامت عليها منذ الاستقلال.

  • تقاطعات الرؤية وتناقضات النظام الجزائري

المبادرة المغربية تقوم على ثلاث مرتكزات أساسية:

  1. عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو مبدأ ثابت في الدبلوماسية المغربية.
  2. فتح حوار مباشر بدون وساطة، بما يعكس ثقة في النفس واستعدادًا حقيقيًا لطيّ الخلافات.
  3. إعلاء مصالح الشعوب على الحسابات السياسية الظرفية.

في المقابل، يظهر أن المؤسسة العسكرية الجزائرية ما تزال تُوظف “العداء مع المغرب” كأداة لصناعة إجماع داخلي هشّ، والتغطية على أزمات اقتصادية خانقة، وتراجع الحريات، وانكفاء دور الجزائر الإقليمي.
كلما اشتدت الأزمات داخل الجزائر، يُبعث ملف العلاقات مع المغرب من جديد، لا لإصلاحها، بل لخلق حالة طوارئ رمزية تُعيد إنتاج خطاب التهديد الخارجي وتُجمد المطالب الداخلية.

  • رهانات المغرب… وانتظار الشعب الجزائري

المغرب، من خلال هذه المبادرة، لا يُراهن على تغير مفاجئ في مواقف النظام الجزائري، بل يُراهن على وعي الشعب الجزائري، خصوصًا النخب الجامعية والمهنية والشباب ، الذين باتوا يدركون حجم الكلفة التي تدفعها الجزائر من جراء إغلاق الحدود وإهدار فرص التكامل الاقتصادي والتكنولوجي.

وفق تقارير متعددة، فإن خسائر الجزائر والمغرب من استمرار القطيعة تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، خصوصًا في قطاعات الطاقة، النقل، والتبادل التجاري،لكن ما لا تُقاس كلفته بالمال هو تآكل الثقة بين الجيل الجديد من الشعبين، وصعوبة بناء ذاكرة جماعية مغاربية موحّدة، في ظل استمرار تغذية خطاب الكراهية في بعض وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية.

  • هل هناك فرصة للانفراج؟

نعم، لكنها مشروطة بجرأة داخلية جزائرية في كسر الرواية الرسمية القديمة، والتصالح مع الجوار لا بوصفه خطرًا، بل بوصفه ضرورة وجودية واستراتيجية وما تحتاجه العلاقات المغربية الجزائرية ليس وساطات دولية ولا اتفاقات مكتوبة، بل موقف شجاع من داخل الجزائر، يُعيد تصحيح البوصلة، ويمنح الشعوب المغاربية فرصة للتنفس بحرية.

إن المبادرة المغربية ما تزال على الطاولة، بل إن كل يوم تتأخر فيه الجزائر عن الاستجابة لها، يُفقد المنطقة فرصة إضافية لتحقيق تنمية مندمجة، ويؤجل ميلاد مغرب عربي موحّد قادر على أن يكون رقمًا صعبًا في معادلة المتوسط.

ما تزال اليد المغربية ممدودة بكل شجاعة لكن القرار لم يعد دبلوماسيًا فقط، بل هو قرار أخلاقي وتاريخي:

هل تملك الجزائر شجاعة التحول من خطاب الهيمنة و العداء إلى منطق الشراكة؟
وهل سينتصر صوت الشعب الجزائري على لغة “الحرس القديم” التي ترفض المصالحة خوفًا من ضوء الحقيقة؟

الجواب لن يُكتب في العواصم، بل في ضمير أمة تبحث عن ذاتها المفقودة بين الجغرافيا والسياسة والتاريخ !