الدبلوماسية الجزائرية في مأزق… حين يسقط القناع أمام الواقعية المغربية

بقلم – رقيق ميلود**

في زمن التحولات الكبرى، لا يعود للصوت العالي أي قيمة أمام الحجج الدامغة ، ولا للولاءات المصطنعة أي وزن أمام البراغماتية الواقعية،هذا بالضبط ما أثبته الحوار الجدي بين المغرب وجنوب إفريقيا، والذي فجّر هزات ارتدادية عنيفة داخل مراكز القرار في الجزائر، وأحدث تصدّعًا غير مسبوق في الرواية التي بناها النظام العسكري طيلة عقود، على أساس التضليل، والدعاية الإيديولوجية، وشراء الولاءات.

  • من “الصندوق الأسود” إلى الحائط المسدود

طوال سنوات، لم تكن الدبلوماسية الجزائرية تتحرك بقوة الحجة ولا منطق المصالح المشتركة، بل اعتمدت في إفريقيا، وأمام المنظمات الدولية، على “الصندوق الأسود لسوناطراك ”: أموال الريع الغازي والبترولي التي استُخدمت لشراء المواقف، وتحويل دول ذات سيادة إلى أدوات لترديد خطابات جاهزة تهاجم المغرب، وتروّج للوهم الانفصالي.

لكن الزمن تغيّر،فحتى الدول التي استفادت لسنوات من الدعم الجزائري، بدأت تدرك أن لا مستقبل لمواقف مبنية على الابتزاز، وأن المغرب يقدم بديلاً تنمويًا حقيقيًا، وشراكات استراتيجية عوض “الهبات مقابل التصويت”.

لقاء المغرب وجنوب إفريقيا، الذي جرى بنَفَس دبلوماسي عاقل وواقعي، كان لحظة فاصلة،ليس فقط لأنه كسر جليد الخلاف التاريخي، بل لأنه فضح حدود الدبلوماسية الجزائرية القائمة على الأكاذيب والدعاية المضلّلة،وهو ما دفع القيادة الجزائرية إلى الدخول في نوبة غضب هستيرية، تُرجمت بوضوح داخل ثكنات الجيش وبين دوائر القرار، حيث وُجّهت انتقادات لاذعة، وتوبيخات مباشرة لخدام الجزائر داخل ميليشيات البوليساريو، الذين فشلوا في كبح الاختراق المغربي.

  • المغرب يُراكم المصداقية… والجزائر تُراكم الخسائر

في المقابل، يتحرك المغرب بدبلوماسية هادئة لكنها واثقة، لا تُراهن على المال، بل على المؤسسات، والاحترام المتبادل، ومركزية القضية الوطنية في كل تحرّك خارجي،ومن خلال استراتيجيته القائمة على “الربح المشترك”، تمكّن من كسب شركاء حقيقيين في إفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، دون الحاجة إلى صناديق سوداء ولا حملات تشويه.

إن فشل الجزائر الدبلوماسي اليوم ليس مجرد تعثّر مؤقت، بل هو نتيجة طبيعية لاستراتيجية مبنية على الأكاذيب وتضخيم النفوذ الوهمي، مقابل صعود دبلوماسية مغربية حديثة، قادرة على التأثير الهادئ، والاقتراب الذكي من الخصوم.

  • سقوط آخر أوراق العداء

الخطاب العاطفي الذي روّجت له الجزائر طيلة عقود بدأ يتآكل،فالعالم لم يعد يقبل بعبارات من قبيل “حق تقرير المصير” حين تكون موجهة ضد وحدة أراضي دولة ذات سيادة، وعندما تكون ميليشيات انفصالية مدعومة بالسلاح والمال جزءًا من اللعبة.

كما أن الدول الإفريقية، ومنها جنوب إفريقيا، بدأت تكتشف حجم التضليل الذي مارسته الجزائر عبر لوبيات داخل الاتحاد الإفريقي وخارجه،والمفاجأة الكبرى أن هذا الاكتشاف لا يأتي تحت ضغط دولي، بل من خلال الحوار المباشر مع المغرب، الذي أثبت – مرة أخرى – أنه لا يخشى النقاش، ولا يتهرب من الطاولة.

إن ما جرى مؤخرًا ليس مجرد نجاح مغربي، بل هو انهيار مدوٍّ لركائز الدبلوماسية الجزائرية، التي لم تكن يومًا مبنية على مبادئ ثابتة، بل على أموال الريع، والأكاذيب، وتحريف التاريخ.

وها هي الحقيقة تظهر اليوم في وضح النهار:
المغرب يُحاور ويُقنع، والجزائر تَصرخ وتُعاقب…
وشتّان بين من يراكم الثقة ومن يراكم الأوهام


**فاعل سياسي ومهتم بقضايا الدبلوماسية الشعبية