بقلم – رقيق ميلود**
في الوقت الذي تُرفع فيه الشعارات الأممية لمكافحة الإرهاب، وتُعقد فيه القمم الدولية لتجفيف منابع التطرف، يبقى ملف تورّط النظام الجزائري في تمويل الجماعات الإرهابية من أكثر القضايا حساسيةً وتجاهلًا في الأجندة الدولية.
هذا الملف، الذي ظل لعقود طيّ الكتمان، يستحق أن يُفتح على مصراعيه تحت مجهر الأمم المتحدة، لما له من تداعيات خطيرة على أمن شمال إفريقيا ومنطقة الساحل بل والعالم بأسره.
- عندما تتحول الاستخبارات إلى شريان مالي للإرهاب
لم تعد التقارير المتداولة بشأن تورّط جهاز الاستخبارات العسكرية الجزائري في دعم وتمويل التنظيمات الإرهابية مجرّد اتهامات سياسية صادرة عن خصوم إقليميين،بل إن معطيات ميدانية وتحقيقات سرية، صادرة عن مراكز دولية متخصصة في رصد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء، أصبحت تؤكد، بصيغة غير قابلة للتجاهل، وجود صلات مالية ولوجستيكية بين دوائر في الدولة الجزائرية وتنظيمات متطرفة مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
تقارير من جهات مثل Africa Intelligence وGlobal Initiative Against Transnational Organized Crime، كشفت عن وجود تسهيلات ممنهجة لحركة مقاتلين، ومرور أموال وأسلحة عبر الأراضي الجزائرية، وتحديدًا في المناطق الحدودية المحاذية لمالي والنيجر، حيث يسود فراغ أمني يُستغلّ لتهريب البشر والممنوعات والأسلحة بغطاء قبَلي وبتنسيق ضمني مع عناصر أمنية و استخباراتية .
-البوليساريو… الذراع غير المُعلنة
أما الوجه الأكثر التباسًا في هذا المشهد، فيتمثّل في العلاقة الوثيقة التي تربط النظام الجزائري بجبهة البوليساريو، التي باتت تمثل ـ حسب تقارير أوروبية ـ بيئة خصبة لتجنيد وتدريب العناصر المتطرفة داخل مخيمات تندوف، حيث تُمارس أنشطة عسكرية في غياب تام لأي رقابة دولية.
تقرير صادر عن البرلمان الألماني سنة 2023، دقّ ناقوس الخطر من تحوّل هذه المخيمات إلى مناطق خارجة عن القانون، تُستعمل لتأهيل مقاتلين يُزجّ بهم لاحقًا في شبكات تهريب السلاح أو يتمّ إرسالهم إلى مناطق الصراع، سواء في الساحل أو في غرب إفريقيا و سوريا و ليبيا ..
تقرير فرنسي داخلي ـ لم يُعلن عنه رسميًا ـ تحدث كذلك عن وجود علاقات غير مبررة بين كوادر في البوليساريو وقيادات إرهابية دولية، متورطة في هجمات دامية استهدفت قوات أممية في شمال مالي.
- ازدواجية دولية… وصمت مُريب
رغم خطورة هذه المعطيات، يُلاحظ استمرار صمت غير مبرر من المجتمع الدولي، الذي لا يتوانى عن فرض العقوبات على دول أخرى لأسباب أقل جسامة،فلماذا يتم استثناء الجزائر من المساءلة الدولية؟ وهل هناك إرادة سياسية حقيقية لمحاسبة داعمي الإرهاب، أم أن الأمر يخضع لحسابات استراتيجية تتجاهل الأمن الجماعي لصالح التوازنات الجيوسياسية؟
إن هذه الازدواجية تضعف مصداقية الخطاب الدولي حول مكافحة التطرف، وتُعطي غطاءً غير مباشر لأدوار جزائرية تُقوّض الأمن والاستقرار في شمال إفريقيا، وتحول منطقة الساحل إلى حاضنة مفتوحة للتمرد والعنف المسلح.
- تحقيق دولي… أم غضّ الطرف؟
إن ما كشفته هذه التقارير والتسريبات، يفرض ضرورة فتح تحقيق دولي عاجل وشفاف، بإشراف الأمم المتحدة، للوقوف على حقيقة الدور الذي تلعبه الجزائر في تمويل الإرهاب.
كما يتعيّن على مجلس الأمن ومجموعة العمل المعنية بتمويل الإرهاب توسيع نطاق التحقيقات ليشمل الجمعيات، والمنظمات التي تنشط تحت غطاء “العمل الإنساني” في تندوف، والتي تُستعمل ـ حسب مصادر ميدانية ـ كقنوات تمويل بديلة.
- السكوت تواطؤ… والمحاسبة ضرورة
التواطؤ مع الإرهاب لا يكون فقط بالفعل، بل أحيانًا بالصمت عنه، أو بغض الطرف عن مموّليه،وإذا كانت الدول تحاسب على دعمها الضمني لأي جماعة خارجة عن القانون، فإن الجزائر، بكل المؤشرات والمعطيات المتاحة، أصبحت في موقع المساءلة، ويجب ألا تبقى بمنأى عن آليات المحاسبة الدولية.
لم تعد القضية مجرد خلاف إقليمي، بل أصبحت تتعلق بأمن قارة، واستقرار شعوب، وصدق الالتزام الدولي بمحاربة التطرّف أينما وُجد، ومن أي مصدر جاء .
**فاعل سياسي و مهتم بشؤون الدبلوماسية الشعبية الاستباقية
