بقلم: رقيق ميلود (فاعل سياسي و مهتم بشؤون الدبلوماسية الشعبية )
في سابقة فريدة من نوعها، اختارت الجزائر أن تؤسس علاقاتها الدولية على مبدأ غير مكتوب، لكنه صار جليًا: “ارضع من عائدات البترول والغاز و اصمت ” وهو ما يختصره المغاربة في مصطلح شعبي صادم ودقيق: “دبلوماسية البزولة (الثدي)”.
تحت هذا العنوان، لا تمارس الجزائر السياسة الخارجية كما تفعل الدول ذات السيادة والرسالة، بل كما تفعل المرضعة مع رضيعها النزق: تمنحه الحليب كي يسكت، وتحرمه منه إن فكّر في البكاء أو المعارضة ،وهكذا تحوّل ثدي الريع (الغاز، البترول، الأموال المشبوهة و الكوكايين) إلى سلاح دبلوماسي رهيب، يُمنح للحلفاء بالولاء و لعصابات اللوبينغ بسخاء ويُمنع عن كل من يرفع صوته من الشعب و غيره ضد عدوانيتها أو يساند المغرب في قضاياه السيادية.
* دبلوماسية الريع بدل دبلوماسية الرؤية
في حين تنشغل العواصم الكبرى بإعادة تشكيل خرائط القوة والتحالفات عبر التكنولوجيا، الابتكار، والتموقع الجيواقتصادي، تقف الجزائر عالقة في منطق “أدفع أكثر أكسب موقفًا” ، فلا حديث عن دبلوماسية الأفكار أو السلم أو الحوار أو المشاريع المشتركة، بل عن أسلوب المساومة الريعية: الغاز مقابل الصمت، المال مقابل الانحياز.
من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى بعض دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، تنتشر بصمات “البزولة الدبلوماسية” الجزائرية، حيث الولاء يُشترى على حساب المبادئ، و”تقرير المصير” يُسوّق كسلعة ملوثة برائحة الرشوة.
* الصحراء المغربية: هوس مرضي لا علاقة له بالشعب الجزائري
إن التحركات الخارجية للنظام الجزائري لم تعد تخفي أهدافها: ليست مصالح الشعب الجزائري هي البوصلة، بل الهوس المرضي بالمغرب ووحدته الترابية, فمئات الملايير تُصرف على لوبيات مرتزقة بالخارج، وعلى تجييش بيانات وأصوات داخل منظمات إقليمية، هدفها الوحيد معاكسة المغرب في ملف الصحراء، حتى وإن كان الثمن هو تجويع الداخل أو العزلة الإقليمية أو خلق عداوات إقليمية او قارية.
الأدهى أن هذه الحملة لم تُبنَ على مبادئ أممية أو قناعات حقوقية، بل على عقيدة عدائية موروثة من زمن بائد، حيث يعتبر النظام الجزائري كل تقدم مغربي تهديدًا، وكل نجاح مغربي خطرًا، وكل موقف داعم للمغرب “خيانةً لثدي البزولة”.
* صناعة “الحلفاء الرضّع” بدل الشركاء الناضجين
بينما تسعى الدول الرائدة إلى بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، يصرّ النظام الجزائري على صناعة “حلفاء رضّع”، يعيشون على حليب الريع، ويصمتون عن انزلاقاته، بل ويتطوعون لترديد شعاراته.
هذا النموذج المريض يضعف كل من يقترب منه ،فهو لا ينتج مواقف مستقلة، بل ولاءات مهزوزة تنهار عند أول تغير في السوق الطاقية ، والأمثلة كثيرة لدول ومنظمات كانت بالأمس في “صف البزولة”، ثم اكتشفت أن الحقائق التاريخية و الشرعية والجغرافية أقوى من الرشوة المؤقتة.
* الدبلوماسية الجزائرية في حالة فطام قسري
بعد عقود من شراء الأصوات، بدأت “البزولة الجزائرية” تجف. فالعالم يعيش تحولات اقتصادية، وتوازنات جديدة، والابتزاز الريعي لم يعد يُجدي في عالم الشفافية والمساءلة بل إن كثيرًا من العواصم التي “رضعت من الجزائر”، بدأت تعيد تموقعها نحو المغرب، باعتباره بلدًا مستقرًا، موثوقًا، ومشروعه الوحدوي مؤسس على الشرعية التاريخية والاعتراف الأممي.
والأسوأ بالنسبة للنظام الجزائري، أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها حُسمت واقعيًا ودبلوماسيًا، بينما ما زال جنرالات الجزائر يصرخون مثل رضيع فُطِم فجأة: لا حليب، لا صدى، ولا أمل في العودة.
حين تنكشف البزولة أمام الوعي الدولي
“دبلوماسية البزولة” ليست فقط عنوانًا ساخرًا، بل تشخيص صادق لزمن سياسي يعيش نهايته في دولة الجزائر العسكرية،إنها مرحلة انتقالية يائسة، يواجه فيها النظام العسكري نهاية أدواته التقليدية: لا خطاب، لا مصداقية، ولا رؤية و لا شرعية ،فقط ثدي سياسي متدفق من عائدات الغاز ، يوزّع على من يصمت عن القمع و الدكتاتورية ، ويتواطأ ضد الجار.
”دبلوماسية البزولة” لن تصنع مجدًا، بل ستبقى وصمة في جبين نظام يُصرّ على إرضاع العالم وهمًا، بينما يقتل حقيقة الجوع داخل حدوده.
لكن الشعوب والعالم تغيروا ومن لا يفطم دبلوماسيته اليوم، سيفطمها غدًا التاريخ، بقسوة وفضيحة.
