بقلم: الاستاذ ماهر سهيل**
في الزمن السياسي المغربي الراهن، يبدو أن أكثر ما يُخيف المواطن ليس القرارات الحكومية الجائرة، بل غياب من يُفترض أن يرفع صوته ضداً عليها ،هي مفارقة مؤلمة أن يتحوّل البرلمان إلى فضاء لإعادة تدوير الخطاب الرسمي بدل محاسبته، وأن تغدو المعارضة شبحاً هلامياً يتوارى كلما دقّت ساعة المسؤولية.
لطالما اعتُبرت المعارضة في النظم الديمقراطية عنواناً للرقابة الصارمة، ولصوت الشعب حين يُغيّب، ولسقف مرتفع من النقد والمساءلة ،وقد جسدت، لعقود، في المغرب، هذا الدور بجرأة ومسؤولية، فكانت شريكاً صلباً في تكريس التعددية السياسية. لكن شيئاً ما قد انكسر في السنوات الأخيرة، وتحوّل المبدأ إلى استثناء، والجرأة إلى حساب، والمساءلة إلى مساومة.
نموذج ذلك ما عرفه الرأي العام مؤخراً من تعثر غريب، بل مريب، لملتمس رقابة كان يمكن أن يُعيد للمعارضة هيبتها، ويثبت للمواطن أن اللعبة السياسية ليست مغلقة تماماً. فالحديث هنا لا يخص قضية عابرة، بل ملفاً حارقاً: دعم المواشي في عز أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، حيث طُرحت أسئلة مشروعة عن جدوى التدبير، عن شفافية التوزيع، وعن المستفيد الحقيقي من المال العام.
ورغم أن محاولة تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول هذا الملف قوبلت بـ”العرقلة”، أعادت المعارضة – أو هكذا بدا – الكرة عبر سلوك المسلك الدستوري الأهم: ملتمس الرقابة.
تم الاتفاق بين مكونات المعارضة داخل البرلمان، وبدأت دينامية حقيقية في صياغة المذكرة وجمع التوقيعات، وفق ما يتيحه الفصل 105 من دستور 2011، الذي فتح الباب أمام البرلمان كي يتحوّل إلى سلطة فعلية قادرة على إسقاط الحكومة.
لكن ما إن لاحت الجدية في الأفق، حتى ارتدّت بعض الأحزاب إلى الوراء، وشرعت في نحت ذرائع تقنية وتنظيمية و”أخلاقية” للهروب من الاستحقاق حيث بعضهم تحدث عن “التوقيت غير المناسب”، وآخرون عن “الكلفة السياسية”، بينما لم يخف البعض الآخر تفضيله التماهي مع منطق التهدئة بدل الاشتباك مع واقع يعاني من احتقان اجتماعي كبير.
وفجأة، اختفى الملتمس : لا بيان، لا توضيح، لا شجاعة حتى للاعتراف بالفشل ، المعارضة، أو جزء كبير منها، اختارت الصمت المريب .
ولأن الطبيعة السياسية لا تحتمل الفراغ، نزلت الصدمة على المواطن البسيط كصفعة جديدة تكرّس الشك، وتعمّق العزوف، وتفتح شهية الأغلبية على مزيد من التحكم،فحين يرى المواطن أن المعارضة تتهرب من استعمال حقها الدستوري المشروع في محاسبة الحكومة، يُدرك أن لا فرق بين القطبين، وأن التناوب مجرد مشهد تمثيلي مكرر بلا جوهر.
والحقيقة أن ملتمس الرقابة لم يكن ليُسقط الحكومة فحسب – وهو أمر صعب في ظل الخارطة العددية الحالية – بل كان سيُحرجها على الأقل، ويُحرّك الرأي العام، ويُعيد النقاش السياسي إلى قلب المجتمع، ويبعث برسالة إلى الأغلبية مفادها: هناك من يراقب فعلا .
لكن، للأسف، ضاعت الفرصة، وخسر البرلمان امتحان الاستقلالية. والأسوأ: خسرت المعارضة ما تبقى من رصيدها لدى الشارع.
نحن اليوم، لا نعيش أزمة معارضة فقط، بل أزمة ثقة وطنية شاملة و قد آن الأوان لإعادة طرح السؤال الجوهري: ما الفائدة من ديمقراطية شكلية تُفرغ الدستور من مضمونه؟ وما الجدوى من مؤسسات تُخيفها آليات المراقبة أكثر مما تُقلقها سلوكيات الأغلبية .
**عضو المكتب السياسي لحزب البيئة والتنمية المستدامة
